الفن بين الثقافة والتجارة

اقتناء الأثرياء اللوحات في المزاد.. زهوٌ أم وفاء للجمال

نلاحظ منذ عقود منافسة تصل إلى حد المخاطرة بين الأثرياء في اقتناء اللوحات الفنية من خلال المزادات العالمية الشهيرة، وتحديداً منذ الربع الأخير من القرن العشرين، كل هذا الاهتمام بالفن، والأغلب منهم لا يفقه الفكرة من العمل الفني تماماً ولا المعنى الذي يراد توصيله عبره، ويكتفي بمعلومات قليلة عنه، لنتساءل بدورنا عن سبب هذا الاقتناء، هل هي رغبة في السرور أم أنه تنفيس من خلال حيازة العمل بدل شراء سبائك الذهب أو العقار؟ أم لأنها العلاقة الصحيحة بين الإرادة والمتعة في الفن بعد شراء اللوحة؟

بالطبع لم نجد مرجعيات عن هذا الدافع النفسي للأثرياء، ولا توجد معايير موضوعية ومتينة نستند إليها، ولكننا نستعرض الموضوع اجتهاداً وفي ثلاثة محاور اخترناها، وهي لا تعني بأي حال القبض على المعنى تماماً، لكنها محاولة للوقوف على المعنى، المحور الأول أنه فيما سبق من التاريخ كان أصحاب القصور والأراضي والأملاك يقتنون هذه الفنون من اللوحات والحفريات والمنحوتات والمجسمات، برغباتهم الناعمة في أن تتحلى أروقتهم الرخامية واستقبالاتهم الفسيحة بتلك القطع الفنية، فيجملون جدرانهم الصلبة بالبورتريهات واللوحات عن الطبيعة والفاكهة والغروب وكل ما يعبر عن الجمال البصري، أما المحور الثاني فكان الاقتناء نوعاً من العلاج النفسي والروحي، وهذا يدخل في خانة التذوق الثقافي أيضاً وتوسيع المخيلة والثروة البصرية، أما المحور الأخير فهو اقتناء الفن من أجل التجارة والتباهي.

سيولة

قمنا بتحديد صورة هذا الفن لنلاحظ من خلال عودتنا بالذاكرة إلى السبعينيات، أي قبل نصف قرن، حين بدأت الأسواق العالمية في تجارة الأسهم بعد إرساء البورصات، لتتدفق الأموال بلا حساب وتصبح النقود متوافرة والسيولة سهلة ومتوافرة بين أيدي الأثرياء الجدد قد ضمنت الشبع من الضروريات وجعلت الرغبة مع الوقت متوفرة للعبور بذاكرتهم إلى حياة البرجوازيين الأوائل من الإقطاعيين والطبقات العليا.. وتلك الحياة المرفهة والممتلئة بالفنيات الباهرة والكماليات المنقوشة وما كانوا عليه من تذوق فني صوري وشكلي، ومدى عشقهم لتلك الفنون التي ملأوا قصورهم بها، ومن ناحية أخرى أطل هؤلاء الأثرياء الجدد على لوحات الفنانين أمثال فان غوخ ورينوار وبيكاسو وماجريت ودالي.. ولا نعلم إن كان هؤلاء الأثرياء على دراية بتلك المعاني الإنسانية السامية والفكرية القيمة التي تحملها لوحاتهم أولئك الفنانين الكبار بوصفهم ينتمون إلى المدارس الفنية الجديدة التي ظهرت على أيديهم، على الرغم أنهم لم يبنوا تلك المدارس إلا بعد أن ثاروا ثورتهم اللونية بوضعهم بقعة من ضوء في زمن الإخفاقات الواسعة التي عاشوها، سواء بسبب الحروب التي مروا بها أو بسبب الفقر أو العنف.. إلى تلك الظروف العنيفة ليعبروا عما استجد من أسئلة وجودية، لا كما سبقوهم من فناني عصر الأشكال الرومانسية المرسومة بحرفية عالية، بل إلى إنشاء اللوحات البانية للفكر والحس الإنساني من خلال فلاح فقير أو امرأة عاملة أو إرهاب أو مأساة، فتخلوا عن رسم الرفاه الاجتماعي والاقتصادي والمجاملات إلى التعبير الروحي والإبداع الفني، وبوعي كبير.

اقتناء من الجهتين

وما لاحظناه أنهم خاضوا اقتناء اللوحات من الجهتين، المدرسة الكلاسيكية والمدرسة المعاصرة والمتجددة، ورغم اختلاف المدارس الفكرية لكنهم لا يرون في ذلك انفصاماً، وبدورنا كان سؤالنا الذي يطرح نفسه: لماذا إذن يقتني الأثرياء اللوحات بأنواعها؟ هل هي ملاذ التميز والتفرد بالقطعة، أم وفاء للجمال والفن نفسه؟ وإن برر التاجر بكليهما، إذن يتبع ذلك سؤال آخر: أين هي رسالة الفن من هذا الاقتناء؟ فالفن المقتنى سواء كان لوحة أم تمثالاً أم أية قطعة فنية.. ستختفي حتماً وتقبع في منزله الخاص، لا يمكن للجمهور أن يراها، لأنه اقتناء أشبه بقدرة كمالية تعبر عن وفائه للجمال بعد منازلته الساحة الفنية وشراء الفكرة، لتبقى ثقافة فنية مبنية على مكانته الاقتصادية.

أصول التنوير

الفنون قدرة قوية وأثر مثالي وملموس، فيها من المواضيع الاجتماعية والشعبية، ومعانٍ سياسية وخيالات خالدة تعبر عن الجمع لا الفرد، كما أنها سمة فكرية ومعالجة وتنبؤ للإنسان وتفسير للحياة.. لكن هذه العبقرية والجمالية لم نتوقع يوماً أن تدخل أسواق المضاربة باعتبارها أصولاً مالية (مادية) تصلح للمضاربة والتمويل انتهاءً بالمتعة الفردية، بعد أن كانت الفنون في أصولها تنويرية وللجميع.

عملاء الثقافة

واليوم يتخذ عملاء هذه الثقافة الجديدة المستشار الفني لأخذ رأيه، خاصة الأثرياء الهواة الذين أصبحوا في منافسة مع التاجر المثقف، ليقتني اللوحات الفنية بعد مشورة تدله على القيمة الفنية للقطعة، وكذلك الجانب المربح فيها، لذا نلاحظ أن أغلب التجار يشترون الفنون بعاطفة الاستثمار الخالصة، التي تأتي اليوم كصفقة جيدة، وهذا الأمر طبيعي، فهو قبل كل شيء تاجر لسلعة نقية، بالمقابل يوازي بين قلبه وعقله، وهو توازن صعب الشعور هدفه أحياناً الارتقاء بروحه من جهة، والتفرد والتميز في مجتمعه من جهة أخرى، لنجده يستقبل ضيوفه كل حين في منزله وهو يشرح لهم بمعرفة عامة قطعته الفنية التي باتت في حوزته من طاولة خشبية نادرة قد شرب عليها الشهير الفلاني قهوته في القرن البعيد، ومقعد وثير قضت عليه الملكة الفلانية ساعات زواجها الأولى قبل ثلاثة قرون، ولوحة بورتريه للرئيس الفلاني تعود للرسام الشهير.. وكل ذلك لا يخدم الفن ولا الثقافة في شيء.

ثقافة واسعة

هذا النوع من الاقتناء وبعيداً عن المتاحف، هو اقتناء يدخل ضمن إطار الثقافة الشكلية لأفراد لديهم دهاء جلب المال لتتخذ من الفن سلعة، إلا أن بعضهم، وهم نادرون، يمتاز بثقافة واسعة، ويتملك تلك الأعمال الفنية الفكرية المهمة بعد نضج ذوقه وانغماسه في الفن، لكن تبقى علاقته بالفن خبرة، أما بقية تجار الفن وأصحاب المال وبسطاء الثقافة، فيكتفون بما لديهم من معلومات قليلة يحفظونها عن مقتنياتهم للاستعراض بها لمجرد الشعور بالامتلاء وتعبئة الذات بأعمال فنية كبرى، والمفارقة أنها أعمال آتية من فترات تاريخية صعبة كانت يوماً ذات قيمة كبيرة، لأنها قامت على أسئلة الوجود وبؤس الزمن وانقلاب المصائر الإنسانية.. وهذا يعني أن الفنون في أصلها متجاوزة مفهوم القناع والتقمّص.

العلاج عن طريق الفن

يقول الروائي الأيرلندي جورج برنارد شو: «الفن لرؤية الروح، كما المرايا لرؤية الوجه». وكأن مقولته تناسب طرحنا في هذه الزاوية في العلاج النفسي والروحي عن طريق الفن كتجربة تنموية للشخصية، فما يصيبه المجتهدون في الرسم يعززون به عواطفهم وتصيبهم النظرة الإنسانية والسلوكيات الهادئة مع الزمن، وهذا هو المفترض، فمن يصيب بأعراض الرسم والألوان فإنها ذات الأعراض التي تصيب الشاعر مع القصيدة، لما في الفن من إيماءات وصور واستعارات غير صوتية تساعده على فهم التعابير بشكل أدق والتعمق فيها، كما تعمل على تعزيز القدرات المعرفية والأداء المهني والمشاعر الإنسانية والإحساس بالآخر وقبوله والتعاطف معه، وبالتالي الوعي حول ما تعترينا من أفكار في تلك الجوانب المظلمة كالحزن غير المفهوم.

كل لوحة فنية إبداعية تعبر عن فكرة خاصة جداً، لكنها بالمقابل فكرة عامة جداً تعني الجميع وإن كانت الشخصيات المرسومة تبدو لأفراد من ثقافات مختلفة، لكنها رسمت بإبداع خلاق تجعلنا نستوعب آثار الغربة والبعد، لأنهم أرواح مثلنا، هذه النظرة كفيلة بإدارة سلوكنا بشكل أفضل والتخلص من العنصرية، وتجنب القلق، وصناعة الذكاء الصحي، وبالتالي الذكاء العاطفي في أن نكون متعاطفين مع بعضنا البعض.

لا يأتي الناس جميعهم إلى الحياة كي يمارسوا الفن، لكن التعبير بالألوان يساعد على التفكير العلمي كما يقول أطباء النفس، خاصة من تلك الزاوية اللونية التي تقلل من التوتر والقلق وتؤدي للاستقلال بالذات وتحسين التركيز والانتباه وتقوية الذاكرة.. كل هذا كفيل بحل مشكلات الحياة اليومية وعملية صنع القرار ومواجهة التحدي.

الفن والرسم والصلصال والتصوير الفوتوغرافي والمسرح للأطفال والمراهقين في المدارس ضروري، فالإضافة إلى ما ذكرنا فالفن أهم تقنية معرفية ومستوى علاجي للسلوك، وعودة الفنون إلى مدارس الدولة من أهم الضروريات التربوية وفي كل المراحل، على أن يكون مبرمجاً في الصفوف الدراسية وبشكل متدرج وعلمي وتربوي وإبداعي لتذهب بهم إلى الأعماق فكراً وعاطفة.

140

لم يعرف عن الملياردير الروسي ديمتري ليبولفيف، اهتمامات فنية، لكنه اشترى في عام 2014، لوحة بعنوان: «الرقم 6 بنفسجي أخضر أحمر» للرسام الأمريكي مارك روثكو بـ 140 مليون يورو

177

اشترى الاقتصادي الأمريكي كينيث جريفين لوحة تجريدية شهيرة للأمريكي جاكسون بولوك بعنوان «الرقم 17 أ» عام 2015، بـ177 مليون يورو، ولم نجد له سابق اهتمام بالفن، مع شهرته بدعم المؤسسات الأكاديمية

170

ابتاع الملياردير الصيني ليو يي تشيان، عام 2015، لوحة مشهورة بعنوان «كوسين بلو» للإيطالي أميديو موديلياني بـ170 مليون دولار، ووضعها بمتحفه مع بقية لوحاته، ومع ذلك لم نجد له اهتماماً بالثقافة.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات