كتب الجيب.. حراك ثقافي «متجوّل» نفتقده اليوم

كتب الجيب، طالما أمتعت جيل الشباب واليافعين في ثمانينات وتسعينات القرن المااضي، لاسيما بموسم الصيف والعطلة المدرسية، الذي منحهم أوقات فراغ كثيرة، قبل معرفة الإنترنت ومواقع التواصل، فأشعلت تلك الكتب الصغيرة حراكاً ثقافياً متجولاً، نفتقده اليوم، من المكتبات إلى كل شارع ومنطقة، وإلى نوادي القراءة والإعارة بين الأصدقاء وزملاء الدراسة.

ظهرت كتب الجيب عام 1953، بوصفها اسماً لمجموعة أدبية للمؤلف هنري فيليباتشي، وانتشرت في فرنسا، تحت مسمى «كتب الأربعة سنتات»، وتجسدت آنذاك في روايات شعبية بتكلفة منخفضة.

بصمة مميزة

تركت كتب الجيب بصمتها المميزة في وجدان الشباب العربي، عرفتهم إلى ثقافات أخرى، ونمت فيهم مهارات اللغة العربية، مع استيعاب كم هائل من المعلومات العامة عبر السرد القصصي الأدبي، وعرفتهم على نوع أدبي جديد، هو أدب الخيال العلمي والبوليسي بأقلام عربية، ويعد الكاتب أحمد فراج، أول كاتب عربي في مجال أدب الرعب، والأشهر في مجال أدب الشباب والفانتازيا والخيال العلمي، ولُقب بـ«العرّاب».

مغامرات «فلاش»

حققت سلسلة «فلاش» نجاحاً كبيراً منذ إصدارها الأول عام 1990، فاستطاعت جذب شريحة واسعة من القراء الذين تتفاوت أعمارهم على مدى واسع. والفضل لنجاح السلسلة المميزة، يعود لمؤلفها خالد الصفتي، الذي أبدع بامتياز في خلق عشرات الشخصيات المختلفة، ودمجها ضمن إطار شيق حديث مدعّم بمعلومة ثقافية مفيدة أو نقد لاذع ساخر، ما أعطى السلسلة اتجاهاً فريداً، وإقبالاً كبيراً، مهد لصدور سلاسل جانبية تابعة، مثل مغامرات «فلاش» و«سوبر فلاش»، حظيت فيهما العديد من شخصيات السلسلة بمغامرات طريفة ومميزة. صدر للسلسلة 3 أعداد استثنائية، من ضمن سلاسل الأعداد الخاصة، تضمنت جرعة مكثفة من الفكاهات والمعلومات والتسالي، وغيرها من أبواب «فلاش» المميزة للسلسلة.

ضابط مخابرات

وتعتبر سلسلة «رجل المستحيل» البوليسية، الأشهر عربياً إلى اليوم، وزع منها قرابة 100 ألف نسخة في التسعينات، ثم تراجع العدد كثيراً مطلع الألفية الجديدة، وحين تذكر كتب الجيب، يسترجع القراء ذكريات مغامرات ضابط مخابرات مصري، يدعى أدهم صبري، التي ابتكر قصصها الدكتور نبيل فاروق من 160 عدداً، صدر أول عدد بعنوان «الاختفاء الغامض» (1984)، لاقت نجاحاً مبهراً، حتى العدد الأخير للسلسلة (2009)، كما يضاف لذلك الأعداد الخاصة، وعددها 14، والتي تتناول نواحي جانبية في القصة، كبدايات أدهم، من إنتاجات «المؤسسة العربية الحديثة»، وضمن سلاسل قصصية للشباب والناشئة.

كانت شخصية أدهم بطل الروايات رجل المستحيل، حول حلم جيل كامل، لمواصفاته الاستثنائية، فهو يجيد كل فنون القتال، ويستخدم مختلف أنواع الأسلحة والمراكب والغواصات، ويتقن لغات ولهجات عدّة، ويمتلك مهارات استثنائية، كقدرته على تقليد نبرات الأشخاص الذين يقابلهم، وتقمّص الشخصيات، فيما لاقت وسامته إعجاب الكثيرات من الشخصيات، يواجه أدهم مؤامرات الاستخبارات الأجنبية، والأخطار المهددة لبلده مصر، في مغامرات تطوف أرجاء الأرض، مصحوباً بفريق عمله، وأبرز أعضائه قدري ومنى.

تحفيز إبداعي

ومثّل «كتاب الجيب» أحد الأشكال الطباعية المحفزة للقراءة، أدت إلى ثورة قرائية خلال السبعينات، رغم ظهورها قبل ذلك بـ30 عاماً، وظهرت لأول مرة عام 1935 بإنجلترا، عندما أصدرت دار «بنجوين» أول كتاب جيب، بقيمة 6 بنسات. وانتشرت في الولايات المتحدة عام 1939، عبر إصدارات الناشر سيمون وشوستر في مشروع كتاب الربع دولار الشهير، فيما انضمت فرنسا إلى مثلث «الهاند بوك» عام 1953.

وعربياً، عرفت كتب الجيب طريقها إلى القارئ أواخر الخمسينات، في مجال الأدب المترجم خاصة، ثم لعبت الشركة العربية للنشر والتوزيع في منتصف الثمانينات، دوراً كبيراً في انتشارها.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات