تفرّس فيه والده منذ الصغر، ولما كبر كان كما أراد والده، تفرّس فيه النبوغ والشاعرية، والحكمة والحضور الدائم، والحسّ المرهف، وعذوبة الكلم، وسرعة البديهة، والدقة في الألفاظ والرقة في المعاني.إن سمو الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم، ولي عهد دبي رئيس المجلس التنفيذي، أصبح الشعر مطواعاً في يده، يصرّفه كيفما يشاء، ويستدرّه متى شاء، فيفيض الشعر عظمةً وجلالاً، وتخضع له الكلمة عذبة المعنى سلسالاً.
ولا أدلّ على ذلك من هذه القصيدة التي بين أيدينا اليوم وهي بعنوان «هامة المجد»، وإن كانت للمجد هامة فلا ينصرف الذهن إلى غير صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله. وسموه يستحق أن يكون هامة المجد؛ لأنه صانع الأمجاد في بلادنا، ورافع رايات البيان والحكمة في زماننا، وقاهر المستحيلات رغم تشاؤم المتشائمين من حولنا، ولكي يبرهن على أنه لا يعترف بالمستحيل أنشأ وزارة اسمها وزارة اللا مستحيل، وهل سمعت بمثل هذه التسميات في دولة غير دولة الإمارات.
على كل حال نحمد الله على أن سموه لا يُلقي بالاً لكل مَن يدق طبول التشاؤم، ولا يلتفت إلى مَن يزرع الأشواك في طريقه، وكيف وهو بحق صاحب فلسفة زرع الورود وسط الأشواك، وليس زرع الأشواك وسط الورود. وظهر جلياً للعيان أكثر من مرة أنه لا يؤمن بالأرواح الشريرة والأنفس الخبيثة، ولطالما وقف أمام هذه الأشكال التي أبدت نوايا حسنة، وما أخفته كان غير ذلك، فظل سموه يردد مع أبي القاسم الشابي:
أنفوس جميلة كطيور الـ
ـغاب تشدو بمسترقّ النشيد؟
طاهرات كأنها أرج الأز
هار في مولد الربيع الجديد
وقلوب وضيئة كنجوم اللـ
ليل ضواعة كغصن الورود
أم ظلام كأنه قطع الليـــــ
ـل وهول يشيب رأس الوليد
وخضم يموج بالإثم والمنـــ
ـكر والشر والضلال المديد
إن قصيدة «هامة المجد» ترسم في الواقع قمة التفاؤل بالحياة، وقمة الفخر بما أنجزه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، خلال خمسين عاماً من المسيرة المباركة، فكان سموه ولا يزال القائد الذي يقول:
«أنا فخور بديني، فخور بوطني، فخور بأمتي، فخور بقائدي الشيخ زايد بن سلطان، وفخور بوالدي الشيخ راشد بن سعيد، وبشقيقي الشيخ مكتوم بن راشد، وفخور بأسرتي وبجميع بنات وأبناء الإمارات، وأبناء وبنات الأمة العربية». وسموه مَن قال أيضاً: «مَن يقود مِن رأس الهرم سيقود رأس الهرم».
وهو القائل أيضاً: «إن لم تكن في الطليعة فأنت في الخلف»، إذاً فإن سموه هو الرؤية والروية، وهو التفاؤل والأمنية، يعمل بروح قائد الفريق ولا يحب الإمّعية. نعم.. إلى مثل هذه المبادئ الكبيرة والقيم العليا، تشير قصيدة هامة المجد التي صاغها قلم سمو الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم في والده، وليس هنالك أقدر من سموه، إذا أردنا أن نتعرف إلى شخصية صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم الحاكم الحكيم، والفيلسوف العظيم، والشاعر الملهم، والفارس، والرياضي، والمثقف، والخبير في مختلف نواحي الحياة.
يا هامة المجد شوق مسرّجات الامهار
خزاين العِز في كفّك مفاتيحها
ومن يعسف الخيل ذات العز والانتصار
إللي تسابق على مضمارها ريحها
يقدر يعسف الظروف الكايده باقتدار
وترجح له الكفّة إلى رام ترجيحها
هذه الأبيات الثلاثة تكفي للتعرف إلى شخصية صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، فهو الذي قال عن نفسه إنه وُلد على ظهر الخيل، وقال سموه: «ما كل من ركب الخيل خيّال»، «ولا كل فارس يركب الخيل خيّالْ»، إذاً من هو الفارس؟
الفارس في نظر صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، مَن يعرف ما الذي يعنيه أن يكون على ظهر جواده، وإذا اتفقنا على تفاني سموه في حب الخيل، واتفقنا أيضاً على أن الخيل هي مصنع الرجال، علمنا أن صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم هو أسعد الناس في هذه الحياة، وهو الأقدر على إسعاد الناس من حوله؛ لأنه الفارس بحق، ولا نستمع إلى غيره لو قال غير هذا.
إن سمو الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم يرى في والده التقدمية في الإصرار، والأشجعية في الإبهار، وقد نتج على يدي سموه في ظل هاتين الصفتين كل أنواع الانتصار والازدهار، بفضل رؤيته بعد فضل الإله الواحد القهار.
ويرى سموه أيضاً أن والده وحيد زمانه فلا يشبهه من الزعامات أحد، ولا ينافسه من القيادات أحد، فهو بفضل الله الإعصار الذي لا يعرف الانهزام أمام الرياح العاتية، وأنه صاحب الفضل وصاحب اليد البيضاء على كل ذي فضل، ألا والنعمة زوالة إن لم تشكر أنت صاحبها، لذلك يقول شاعرنا:
من قو باسك ما يعرف عزمك الانهيار
وما كل كفٍّ يهز القلب تلويحها
والشجره اللي بفضلك صار فيها ثمار
اليوم يبست ولا بل المطر سيحها
ثم بعد ذلك يجدد الفخر بقيادة الوالد وبزعامته وصلابته وصموده أمام المصائب والمتاعب، فهو بهذه القصيدة الفريدة من نوعها، يبث فينا روح التفاؤل تأسياً بروح هذا القائد المغوار الذي لا يعرف الفشل ولا المستحيل فيقول:
لمّحت لك والمعاني كنّها جمر نار
ويا سيّد القاف ما يجهلك تلميحها
نظرة عيونك تدل الدرب واهل القرار
على خطى فكرتك تضوي مصابيحها
ياللي ما يمحي كلام الليل عندك نهار
الجملة الواضحة ما احب توضيحها
يقول الشاعر: إن عظمتك ليست على الناس بخافية، وأنت لا تحتاج إلى أن تقيم برهاناً يدل على نجاحاتك وإنجازاتك وقدراتك، ذلك أن أفعالك تسبق أقوالك، وأقوالك ترسم حدود اللا حدود في مملكة طموحاتك وآمالك.
ويكفي اليوم أن العالم يطبق رؤيتك، ويستلهم استراتيجيتك، ويرى فيك القدوة والمثال الأمثل، والأعظم والأحزم من هذا وذاك، فلكل شيء عندك بداية ونهاية، ولكل عمل هدف وغاية، ولكل التفاتة لك معنى كبير، وأنت تقدّر لكل مَن يستحق ما يستحق، من غير ظلم ولا إجحاف، ومن يتعدى حدوده فلا يلومن إلا نفسه.
إذا اشتبكت دموع في خدود
تبيّن مَن بكى ممن تباكى
فصدقت سموك لما قلت: «ما كل من ركب الخيل خيّال»، «ولا كل فارس يركب الخيل خيّالْ»، لماذا لأنه رب خيّال تبرأت الخيل من أفعاله، فالخيل مصدر المعرفة والتنوير، والخيل معدن القيم والأصالة وحسن التدبير. ألم يقل صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم: «أنا أتعلم من الناس من حولي وأتعلم من جيادي، ومن يعرف كيف يسعد الجياد يعرف كيف يسعد الناس، ومن يعرف كيف يحترم الجياد يعرف كيف يحترم الآخرين، ومن يتقن رفع معنويات الخيل سيتقن رفع معنويات الناس».
ألا فالفروسية رياضة، والرياضة منظومة أخلاق وقيم عند أهل البصر والبصائر، ولكن ماذا نتوقع اليوم من بعض الناس إذا كان بليد المشاعر، وكان كما قال شاعر الحكمة أبوالطيب المتنبي:
وما انتفاع أخي الدنيا بناظره
إذا استوت عنده الأنوار والظلم
