يعود موسم أصيلة الثقافي الدولي هذا العام حافلاً بفعاليات متنوعة وغنية كعادته في سائر الدورات السابقة، فقد انطلقت في مدينة أصيلة شمالي المغرب، مساء أول من أمس، فعاليات الدورة الـ41 لهذه التظاهرة الإبداعية السنوية، تحت رعاية العاهل المغربي الملك محمد السادس، في حفل رسمي بمكتبة الأمير بندر بن سلطان بالمدينة، تميز بحضور شخصيات فكرية وثقافية وأكاديمية بارزة من المغرب ودول عدة من جهات العالم الأربع.

في مستهل الحفل تحدّث الأمين العام لمؤسسة منتدى أصيلة، محمد بن عيسى، مشيداً بالرعاية السامية التي ما فتئ الملك محمد السادس يوليها لهذه التظاهرة الثقافية، مشيراً إلى أنها ذللت صعوبات واجهت موسم أصيلة، وحفزتنا في سائر المحطات بطاقة متجددة. وأكد ابن عيسى في كلمته أن أصيلة صارت مؤسسة ضمن النسيج الوطني العام، ومؤَسِّسة لفعل ثقافي نوعي، في أهدافه وغاياته، عبر تقوية أواصر المعرفة وتوظيف الإبداع، وذلك بتوفير أرضية في بلدنا العربي - الأفريقي للتعارف والتبادل بين النخب شمالاً وجنوباً، شرقا وغرباً. وأضاف: «لقد وظفنا العمل الثقافي لتحقيق التنمية المحلية، ما يضمن مورداً يحسِّن نوعية حياة الناس، ويسهم في تغيير أوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية، وهذا التحول واضح لمن عرفوا أصيلة في ماضيها وحاضرها». واعتبر أن الاستثمار في الحقل الثقافي والمجال الفني هو أداة ناجعة لتحسين الصورة المميزة للإنسان العربي والأفريقي، وإنسان عالَم الجنوب عموماً.

تظاهرة عريقة

وفي كلمته خلال الحفل، اعتبر وزير الثقافة والاتصال المغربي محمد الأعرج أن هذه التظاهرة العريقة تستمد إشعاعها من تعاطيها المستمر مع القضايا الكبرى التي تواصل طرح تحدياتها على المستويات الوطنية والدولية. وأكد أن الوزارة لم تتردد في اعتماد شراكة تنظيمية مع المنتدى لضمان استمرار وإشعاع هذا المنبر الفكري الذي يجعل مدينة أصيلة كل سنة فضاء للتداول. ونوه ببرنامج الدورة الـ34 لجامعة المعتمد بن عباد الصيفية التي ستناقش قضايا الديمقراطية وغيرها، موضحاً أن هذا البرنامج سيجعل من أصيلة، طيلة أيام الموسم، فضاء نابضاً بالحركة الثقافية وبفضائل الحوار والتبادل الفكري البنّاء.

من جانبها، أكدت كاتب الدولة لدى وزير الخارجية والتعـــاون الدولي، مونية بوستة، أن موسم أصيلة الثــقافي يعد من بين التظـــاهرات الدولية المتميزة التي تجـــمع بيـــن الفكر والفلسفة والفنون والموسيقى والأدب في فضاء واحد. وأضافت أن هذا الموسم الثقافي يسهم منذ 41 سنة في تحقيق إنجازات تنموية وبيئية وسياحية وثقافية بمدينة أصيلة، مبرزةً أن هذه الإنـــجازات تندرج في سياق جهد جماعي أفضى إلى تأهيل العديد من البنيات التحتية والمؤسسات الثقافية والتربوية للمدينة.

برنامج متنوّع

وأفادت مؤسسة منتدى أصيلة التي تنظم هذا الحدث الثقافي بأن الفعاليات بدأت فعلياً في 16 يونيو الجاري بورشات الصباغة والجداريات على جاري العادة في كل موسم. وأشارت المؤسسة إلى أن جامعة المعتمد بن عباد الصيفية أصبحت شبيهة بمركز أبحاث ودراسات، وأصدرت كتباً ومنشورات، ووثقت الندوات والتظاهرات الفنية والفعاليات التي احتضنتها. وستستضيف، في إطار دورتها الـ34 ضمن موسم أصيلة، مجموعة من الندوات والاجتماعات الفكرية والعلمية والإبداعية. وأوضحت أن برنامج الجامعة الصيفية سيضم العديد من الأنشطة، بما في ذلك سلسلة من الندوات حملت عناوين «العبء غير المحتمل للديمقراطية.. أي طريق إلى الخلاص؟»، و«التنمية المستدامة والإكراهات في بلدان نصف الكرة الجنوبي»، و«التماسك الاجتماعي والتنوع في أنظمة التعليم العربية»، و«الشعر العربي في سياق مشهد ثقافي متحول»، و«الإبداع الأفريقي في أفريقيا وفي المهجر».

حنين إلى الشعر

بدا من البرنامج أن القائمين على الموسم استبد بهم الحنين إلى البدايات الجميلة والحالمة، فتمت دعوة أجيال من الشعراء ممن طبعوا بإبداعهم مسار الشعر العربي الحديث، وبينما ستقام ندوة «الشعر العربي في سياق مشهد ثقافي متحول» يتحدث فيها كل من: محمد الأشعري، صلاح فضل، شرف الدين ماجدولين، ومحمد بن عيسى، يشارك شعراء في قراءات على مدى يومين، وهم: إكرام عبدي، زهير أبو شايب، المهدي أخريف، سلطان العميمي، خالد بلقاسم، إبراهيم بو هندي، شوقي بزيع، قاسم حدّاد، ربيعة جلطي، مباركة البراء، عمر الراجي، صلاح جرار، وعلي عبدالله خليفة.

رهان التشكيل

ولأن مشروع أصيلة، هو في جوهره رهان ثقافي تشكيلي وإبداعي شامل، يشهد الموسم هذا العام ورشات في الفن بمشاركة رسامين ونحاتين من المغرب، وفرنسا، والمملكة العربية السعودية، وساحل العاج، وغانا، وفرنسا، والبحرين، والعراق، والأرجنتين، وتونس، وإسبانيا، وإيطاليا، واليابان والأرجنتين.

يتميز الموسم هذا العام بإقامة ورشات «فضاء للرسم للأطفال»، و«الكتابة والإبداع لفائدة الأطفال»، و«رسم الجداريات» التي ستشهد مشاركة فنانين من المغرب والمملكة العربية السعودية، علاوة على «جداريات الموسم» بمساهمة مجموعة من الأطفال. وفي سياق البرنامج المتنوع للدورة الحالية، يستضيف جناح من مركز الحسن الثاني للملتقيات معرضاً مخصصاً للدورة الثالثة من «ربيعيات»، ربيع أصيلة 2019، والذي سيتضمن أعمال فنانين يشاركون في ورشة «ربيعيات الفنون»، التي تنظم خلال شهر أبريل سنوياً.

أما «فضاء المعارض» في قصر الثقافة (الديوان)، فيستضيف بين جنباته معرضاً خاصاً سيتم تكريسه للفنانين الشباب أبناء أصيلة، بالإضافة إلى معرض للأعمال الفنية من إبداع «أطفال الموسم».

حضور أفريقي

كما في المواسم السابقة، خصصت الدورة الحالية فضاءات لما أبدعه بنات وأبناء القارة الأفريقية في أوطانهم وفي المهجر من صنوف الإبداع، تتمثل بمعارض ولقاءات حوارية وأمسيات فنية متنوعة، حيث يحتضن مركز الحسن الثاني للملتقيات، للمرة الأولى، معرضاً لأعمال الفنانين الأفارقة الذين شاركوا في ورشة الفنون لمدة 40 عاماً، أي منذ انطلاق الموسم عام 1978م.

وسيستضيف الموسم مجموعات من الموسيقيين والمغنين من المغرب، وفرنسا، وإسبانيا، والسنغال ومالي، وغانا، وأنغولا، والرأس الأخضر.