عدسة الأيام

ناصر الخيري.. أديب البحرين المتمرّد على التصنيفات الجائرة

صورة

الرعيل البحريني الأول الذي عاش في بدايات القرن العشرين من المؤكد أنه سمع بمثقف بحريني اسمه ناصر الخيري. أما الأجيال الجديدة في البحرين وأقطار الخليج المجاورة، فأغلب الظن أنها لم تسمع به أو تقرأ شيئاً عنه.

والحقيقة التي لا بد من التصريح بها ــ مثلما فعل المؤرخ البحريني الأستاذ مبارك الخاطر، هي أن «الكتابة عن ناصر بحد ذاتها تنفرد بصعوبات جمة ومعوقات كثيرة، منها عدم عثورنا على ما يثري الكتابة عنه من مخطوط أو مطبوع».

ومرد تلك الصعوبات ــ من وجهة نظري ــ أن الرجل دخل بأفكاره وتساؤلاته السابقة لعصره وأوانه، في صراع مرير مع رجال ومشايخ الدين المعاصرين له، بل مع مجتمعه البحريني الذي كان راضخاً حينذاك لسطوة هؤلاء المشايخ. فكانت النتيجة أن وأدوا كل ما يتعلق به، وعملوا على تهميشه وإسكاته، ومحو كل آثاره المكتوبة كي لا يقرأها من يأتي بعدهم ويتأثر بها.

وهكذا ظلت المعلومات عنه جد شحيحة، ما عدا بعض المعلومات التي استقاها المؤرخ الخاطر من حوارات أجراها مع أصدقاء الخيري الأحياء، ولاسيما أفراد بيت الفاضل الذي نشأ الرجل وترعرع بين جنباته، ثم ما عثر عليه الخاطر لاحقاً في الأوراق الخاصة بالشيخ الأديب محمد بن إبراهيم آل خليفة، وعدد آخر من معاصريه من أمثال أديب وشاعر الخليج المرحوم خالد الفرج، ورائد الصحافة البحرينية القديمة تاجر اللؤلؤ عبدالله الزايد.

معاناة خاصة

يقول مبارك الخاطر في مقدمة الكتاب الذي أصدره في عام 1982 عن الخيري تحت عنوان «ناصر الخيري الأديب الكاتب.. 1876 ــ 1925 حياته وآثاره»، أن الرجل تميز بمعاناة خاصة في مجال ثقافته التي اكتسبها بجهده الخاص، ثم بمعاناته الذاتية في الاستفادة من تلك الثقافة، موضحاً الجزئية الأخيرة بأنها نجمت عن حقيقة نشأته في أواخر القرن 13 وأوائل القرن 14 الهجريين في بيئة اجتماعية كان تصنيفه فيها أنه من فئة الموالي، الذين لا حول لهم ولا قوة، في الخروج من إطار ذلك التصنيف إلى أطر أوسع وأرحب كتلك التي كان يتمتع به أسياده آنذاك.

على أن ما يُحفظ لخيري، حقيقة، هو تمرده على ذلك التصنيف وقدرته على تخطي حواجزه ومعوقاته المنيعة، بدليل إصراره على طلب العلم ونيل المعارف بجهده الذاتي قدر ما استطاع، ناهيك عن نجاحه في تقلُّد عدد من الوظائف والأعمال من تلك التي جعلته في احتكاك مباشر مع التجار، وجعلته أيضاً يتقدم الصفوف في المؤسسات الثقافية والأعمال الأدبية، على الرغم من كل النظرات الفوقية التي كان المجتمع البحريني ينظر بها آنذاك إلى الخيري وأشباهه من الموالي.

تاريخ البحرين

ولعل أهم أعمال الخيري تجلى في وضعه مسودة عن «تاريخ البحرين العام»، وذلك في العقد الأول من القرن العشرين. هذه المسوَّدة أودعها صاحبها عند صديقه علي بن خليفة الفاضل، الذي سلمها بدوره للشاعر والأديب خالد الفرج الذي نقلها معه إلى القطيف ثم الكويت عند مغادرته البحرين نهائياً في عام 1928، تحاشياً لوقوعها في يد مستشار حكومة البحرين البريطاني السير تشارلز بلغريف.

ولا ندري شيئاً عما كتبه الرجل في تلك المسوَّدة، لأن المسودة الحقيقية مفقودة، وإنْ نشر البعض كتاباً في التاريخ في عام 2003 تحت عنوان «قلائد النحرين في تاريخ البحرين» نسبوه إلى الخيري.

لكن بشيء من التأمل في الردود التي كتبها أشخاص من أمثال الشيخ محمد رشيد رضا وفارس نمر ويعقوب صروف، على رسائل وتساؤلات وصلتهم من الخيري حول أحكام الحج والموقف من دولة الخلافة العثمانية وحقوق الموالي وغيرها، نجد أن الرجل كان متمرداً على الواقع العام وظروف عصره، ومشاكساً للأفكار التقليدية السائدة في مجتمعه، وعليه فلن يكون مستغرباً احتواء تلك المسوَّدة على مزاعم تاريخية لا تستند إلى قاعدة قوية، أو احتوائها على خطاب نقدي بنفس ثوري، خصوصاً في ظل الشعور الذي لازمه طوال حياته بالدونية بسبب تصنيفه الاجتماعي.

نشأة

الأديب الكاتب ناصر الخيري هو ناصر بن جوهر بن مبارك الخيري العيوني، الذي كانت أسرته من موالي أمراء البحرين والأحساء القدامى من الأسرة العيونية التي حكمت في الفترة ما بين سنة 1075 وسنة 1239 للميلاد.

ولد الخيري في فريج الفاضل بالمنامة في عام 1876 وتوفي بها في عام 1925، وكان صاحب بشرة قاتمة وقامة مربوعة. توفي والده وهو صغير، فتكفل برعايته جده لأبيه مبارك الخيري، ولهذا السبب نسب نفسه لجده وتسمى باسم ناصر مبارك الخيري.

أما دراسته فقد كانت في بداية الأمر في الكتاتيب التقليدية المعروفة خليجياً بـ«المطوع»، حيث تلقى دروساً في القرآن الكريم قبل أنْ ينقله جده إلى «مدرسة الشيخ أحمد المهزع» الدينية التي أظهر الخيري فيها نبوغاً وسط أقرانه، ولاسيما في دروس اللغة العربية التي عزز معرفته بأصولها وقواعدها من خلال التردد على مجالس العلماء في بيوتهم وفي المساجد.

وحينما أسس المبشرون البروتستانت مدرستهم في المنامة في عام 1894 تحت اسم «مدرسة الإرسالية الأمريكية American Mission School» التحق بها ليمضي فيها قرابة الثلاثة أعوام، درس خلالها اللغة الإنجليزية حتى أتقنها، علاوة على العلوم الحديثة، قبل أن يتخرج فيها وهو في سن الحادية والعشرين.

حياة عملية

في سنة 1903 بدأ الرجل حياته العملية كاتباً لدى أحد تجار المنامة البارزين وهو الحاج عبدالله بن جمعة بن إبراهيم الذي كان يتاجر باللؤلؤ والأصداف والأخشاب، وكانت له علاقات وصلات واسعة بوكلاء تجاريين مقيمين في المنامة من الشرق والغرب.

ومما لا شك فيه أن عمله هذا قربه من الوكلاء التجاريين الذين كان رب عمله يتعامل معهم، وأكسبه مهارات ومعارف مهمة ساعدته على كتابة مسودته عن تاريخ البحرين، بل ساعدته أيضاً على الإفلات من عقوبة بجدع أنفه، وذلك حينما تدخل روبرت ونجهاس، الوكيل التجاري الألماني بالمنامة لدى قاضي البحرين الشيخ قاسم المهزع، كي يسقط عنه تلك العقوبة القاسية التي صدرتْ ضده بسبب رسالة أرسلها إلى الشيخ محمد رشيد رضا في مصر، تضمنت أسئلة جريئة حول أحكام الحج وطقوسه.

سند تنويري

وفي عام 1914 كان الخيري على موعد مع منعطف آخر في حياته. ففي تلك السنة انتقل للعمل لدى الشيخ محمد بن عيسى بن علي آل خليفة المعروف بالشاعر الوائلي نسبة إلى تغلب بن وائل من قبيلة عنزة، حيث ارتبط الرجلان بعلاقة فكرية قوية، خصوصاً وأن كليهما كان من الأدباء العاشقين للشعر والتاريخ ومن ذوي التوجهات التنويرية.

هنا استعان الخيري بالشيخ محمد بن عيسى صاحب المعرفة الواسعة بتاريخ البحرين قديمه وحديثه من أجل أن يضيف الكثير من الوقائع التاريخية إلى مسودته عن تاريخ البحرين، مثلما قيل.

وفي عام 1918 تم تعيين الخيري موظفاً في بلدية المنامة، حيث بقي يعمل هناك لغاية عام 1921، وهي السنة التي نقله فيها المعتمد البريطاني في البحرين ميجور كلايف كيرباتريك ديلي إلى دار الحكومة كي يعمل موظفاً في قسم القضايا الخاصة بالقضاء المدني. غير أنه بعد نحو ثلاثة أعوام قضاها في هذه الوظيفة، أي في عام 1924، أصيب بمرض عضال أقعده عن العمل ليتوفى رحمه الله بعد عام.

قدرات استثنائية

الذين عرفوه عن كثب مثل الأديب والتاجر أحمد بن حسن إبراهيم، وعلي بن خليفة الفاضل، وخالد محمد الفرج أشادوا به كثيراً لجهة قدراته الاستثنائية في حفظ القصائد والأعمال النثرية عن ظهر قلب، وتذكر الحوادث والوقائع التاريخية، وإدهاش مستمعيه بالسرد الممتع.

ومن مآثر الخيري التي لا تـُنسى أنه كان ضمن الشباب البحريني المؤسس لأول نادٍ أدبي في البحرين وعموم الخليج، ألا وهو «نادي إقبال أوال» الذي ظهر في المنامة سنة 1913 وتولى الخيري بنفسه إدارته لمدة قصيرة لم تتجاوز السنة.

كما كان الخيري ضمن مؤسسي النادي الآخر التي تأسس في المحرق سنة 1920 تحت اسم «النادي الأدبي»، بل وكان خطيبه أيضاً في مناسبات الاحتفاء بضيوف البحرين من أمثال الزعيم التونسي عبدالعزيز الثعالبي، والشيخ محمد الأمين الشنقيطي، والرحالة اللبناني - الأمريكي أمين الريحاني، والتربوي المصري حافظ وهبة.

وفي هذا السياق قال عنه الأديب الشيخ محمد بن عيسى آل خليفة ما معناه أن الخيري كان شغوفاً بالنادي الأدبي بصفة خاصة، حيث ما إن يفرغ من عمله بدار الحكومة مساء، إلا ويستقل مركباً إلى المحرق إنْ كان الإبحار متاحاً.

ونظراً لصعوبة العودة إلى المنامة بعد سهرات أدبية طويلة وحوارات ممتعة مع أصدقائه في النادي الأدبي، فقد كان يضطر في أحايين كثيرة للمبيت في المحرق في بيت الشيخ الأديب إبراهيم بن محمد آل خليفة، أو في منزل المرحوم أحمد الشيراوي (والد وزير التنمية والصناعة الأسبق الأستاذ يوسف الشيراوي) الذي سـُجل عنه قوله: «أنه كثيراً ما صحب ناصر للمبيت في منزلهم عقب الانتهاء من السهر في النادي الأدبي».

قراءات

وبالعودة إلى مسار الخيري الدراسي، نجد أن بدايته الحقيقية كانت في مدرسة الشيخ أحمد المهزع الدينية التي تأسست في مطلع القرن العشرين. في هذه المدرسة قرأ الخيري لأول مرة كتابات الشيخين جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده في جريدة «العروة الوثقى» والتي كان الشيخ المهزع قد حملها معه إلى البحرين بعد عودته من دراسته بمصر.

تأثر الخيري بأفكار الأفغاني ومحمد عبده الإصلاحية إلى درجة أنه لم يقرأ كتاباتهما فحسب، بل وقام بنسخها أيضاً بخط اليد.

وحينما افتتح القس والرحالة والباحث الأمريكي الشاب صموئيل مارينوس زويمر Samuel Marinus Zwemer مدرسة الإرسالية الأمريكية بالمنامة قريباً من موقع منزل الخيري في فريج الفاضل، التحق بها مع غيره من الشباب لدراسة اللغة الإنجليزية، خصوصاً وأنّ الشيخ أحمد المهزع سمح لهم بذلك من باب «من عرف لغة قوم أمن شرهم».

وقتها كان الخيري قد بلغ الثامنة عشرة. وفي حين ترك زملاؤه المدرسة بعد عام واحد لما شاع وقتها أن المدرسة تحاول تنصير البحرينيين، بقي صاحبنا فيها طالباً حتى سن الحادية والعشرين، عندما تركها ليبدأ مسيرته المهنية.

غير أن الخيري، حتى بعد تركه تلك المدرسة المثيرة للجدل، راح يتردد عليها يومياً من أجل التثقف في مكتبتها العامرة بالمؤلفات في شتى مجالات المعرفة، ولاسيما تلك المتعلقة بعلوم العصر ومنجزات الحضارة الغربية من علوم ومخترعات واكتشافات.

على أن ما جعله يتوقف عن ارتياد تلك المكتبة لاحقاً هو شعوره بوجود توجه من قبل القائمين على المكتبة لدفع المترددين عليها على قراءات معينة، أي دون ترك الحرية له ولغيره من أقرانه الشباب لجهة اختيار ما يشاؤون قراءته من كتب وصحف.

فراغ ثقافي

بانقطاع الخيري وزملائه عن مكتبة الإرسالية الأمريكية شعروا بفراغ ثقافي كبير، كما شعروا بأن رفقتهم بدأت تتفكك، الأمر الذي دفعهم إلى تأسيس مكتبتهم الخاصة في عام 1913 ضمن نادي «إقبال أوال»، حيث حرصوا، قبل كل شيء، على أن تحتوي مكتبتهم هذه على مجلات علمية وأدبية وسياسية واجتماعية من تلك التي كانت تصدر في مصر وتصل إلى البحرين عبر مدينة مومبي الهندية أو عن طريق البريد العربي. من أمثلة تلك المجلات مجلة «المقتطف» التي ظلت ترد إلى الخليج منذ ثمانينات القرن 19، وحتى احتجابها في أوائل خمسينيات القرن العشرين.

هذا علماً بأن تعلق الخيري بالمقتطف جاء متأخراً. إذ لم يبدأ الاهتمام بها ومراسلتها إلا في عام 1910 مع أنه بدأ الإدمان على قراءتها قبل ذلك التاريخ بسبب توافرها على طاولة المبشرين الأجانب في المنامة إلى جانب مجلة «المنار». ناهيك عن توافر المجلتين في مجلس الشيخ إبراهيم بن محمد آل خليفة بالمحرق، ومجلس تاجر اللؤلؤ مقبل عبدالرحمن الذكير في المنامة.

قال معاصرو الخيري الأحياء إنّ صاحبنا كان يفضل «المقتطف» على «المنار» دون إهمال قراءة الأخيرة، لذا كان جلّ مراسلاته مع أصحاب «المقتطف»، علماً أن مراسلاته تلك تميزت طبقاً لما ذكره المؤرخ مبارك الخاطر في الصفحة 32 من كتابه آنف الذكر بـ«صدورها عن أديب مؤرخ يفهم جيداً ما يريده من طرحها»، وكان هدفه منها أن تعينه على فهم أفضل للشائك من المعضلات التاريخية والمسائل الفقهية.

علاقات مهمة

لم يقتصر ناصر الخيري بعلاقاته وصداقاته على رموز المجتمع الثقافي البحريني، بل ارتبط بعلاقات جدية مع مثقفي عصره من العرب، فراسل محمد رشيد رضا صاحب مجلة «المنار»، والأستاذين فارس نمر ويعقوب صروف صاحبي مجلة «المقتطف»، وكانت له معرفة جيدة بأمين الرافعي، ومحمد علي الطاهر صاحبي جريدتي «الأخبار» و«الشورى». إذ كان يرسل إليهم رسائل يستفسر فيها عن كل أمر يصعب عليه فهمه.

ومن أمثلة ذلك رسالة وجهها إلى أصحاب «المقتطف» في 1910 يستفسر فيها عن «بيع الرقيق وعما إذا كان ذلك فضيلة أم رذيلة؟»، ورسالة أخرى في العام نفسه حول الفيلسوف إسحاق الكندي، الذي اشتهر بعلم المنطق وكان أول الفلاسفة العرب والمسلمين الذين اجتهدوا في التعريف بالفلسفة اليونانية، ورسالة ثالثة عام 1911 استفسر فيها عن «حقوق غاصة اللؤلؤ في الخليج»، ورسالة رابعة في 1911 حول «مالية الدولة العثمانية».

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات