من يَزُرْ عاصمة المعز «القاهرة»، ويتجوّل في قلبها النابض بالحركة على مدار الساعة، فلا بد أن تقع عيناه على مبنى غريب على شكل قوس يـُسمى «مجمع التحرير»، ولا بد أن تقع عيناه، إنْ أوغل في السير قليلاً، على مبنى آخر غريب في طرازه العماري هو مبنى «دار القضاء العالي» الشامخ بواجهته المكونة من عدد من الأعمدة الأسطوانية الضخمة العالية التي تـُشعر المرء برهبة القضاء.
مجمع التحرير تم بناؤه في عام 1951 زمن الملك فاروق الأول على مساحة 28 ألف متر مربع بتكلفة إجمالية وصلت إلى مليون ومئتي ألف جنيه مصري، ليكون مكاناً لمجمع الإدارات الحكومية التي تخدم المواطنين، وعليه فإن المبنى يتكون من 14 دوراً بارتفاع 55 متراً، ويحتوي على 1356 غرفة، وبه صالات وممرات ومناور ونوافذ كثيرة.

ميدان التحرير
كتبت صحيفة الأهرام القاهرية (2015/12/18) في هذا السياق ما يلي: «تحوّل المبني إلى معلم جغرافي (حدد موقع وشكل المجمع كمركز ثقل في المكان ملامح ميدان التحرير والشوارع المحيطة)، ومعلم هندسي (بخلاف الارتفاع وعدد الحجرات، بناه على شكل قوس وجعل له فناء داخلياً كالقصور القديمة التي تتميز بها العمارة الإسلامية)، ومعلم اجتماعي (منذ الخمسينيات حتى يومنا هذا يندر أن تجد عائلة مصرية لم يتردد شخص واحد منها على المكان لقضاء مصلحة ما)».
عندما تم افتتاح المجمع عام1951 كان تحفة يحكي عنها الكاتب أحمد فرهود قائلاً: «أعتبر العمل في المجمع نوعاً من الوجاهة الاجتماعية، المنخرط فيه لا بد أن يكون متأنقاً، ذلك أنه ذاهب إلى مكان شديد الاحترام، وسيجلس إلى مكتب في غرفة مستقلة، معه زميل أو زميلان على الأكثر، وإذا طلب شاياً أو قهوة فإن النادل سيقدم له المطلوب وهو يرتدي جاكتة بيضاء وبنطالاً أسود، عمال النظافة لا يتوقفون عن العمل، والسعاة يرتدون بزات صفراء، ودورات المياه، شأنها شأن الممرات البالغة النظافة، ما يدفع المرء إلى التصرف بتحضّر».
أما دار القضاء العالي فقد بـُني على الطراز المعماري الإيطالي، وكان صاحب فكرته هو نوبار باشا (توفي عام 1899)، أول ناظر للنظار، (رئيس الوزراء بمصطلح اليوم) زمن الخديوي إسماعيل، لكن تنفيذه يعود إلى أربعينيات القرن العشرين بعد إلغاء القضاء المختلط على إثر توقيع حكومة حزب الوفد على اتفاقية مونترو سنة 1937، وهكذا صار المبنى مقراً للنائب العام ومحكمتي الاستئناف والنقض وقاعات المحاكم الأخرى ونقابة المحامين المصرية.
مصمم التوسعة
لكن هل تساءل أحد عن المهندس الذي قام بتصميم هذين المبنيين ذوي المكانة الأثيرة لدى المصريين ومن عاش في القاهرة؟ وهل تساءل أحد عمن وقف وراء تصميم العديد من المباني الهندسية الرائعة الأخرى داخل مصر مثل مبنى مصلحة التليفونات والتلغراف في شارع رمسيس، ومسجد صلاح الدين بحي المنيل القاهري، وخارج مصر مثل أعمال توسعة المسجد الحرام والمسجد النبوي في الأراضي السعودية المقدسة زمن خادم الحرمين الشريفين الراحل الملك فهد بن عبد العزيز، رحمه الله؟
إنه أستاذ الأجيال المعماري المصري المتميز محمد بك كمال إسماعيل الذي اختاره الملك فهد لتصميم مشروع توسعة للحرمين الشريفين، بعد أنْ اطلع جلالته على مجموعة المجلدات التي كان مهندسنا قد أصدرها قبل ستين عاماً تحت عنوان «موسوعة المساجد المصرية».
وفي هذا السياق، من المفيد العودة إلى حوار ردّ فيه مهندسنا على سؤال «لماذا اختاروك أنت بالذات؟»، فأجاب قائلاً إنه من الصعب الإجابة عن مثل هذا السؤال، ثم أردف وقال (بتصرف): «ربما أن جلالة الملك فهد، رحمه الله، عاين مسجد المرسي أبو العباس في الإسكندرية وأعجب بتصميمه، وربما أن شركة بن لادن التي كانت بيني وبينها صلة عمل هي التي اقترحت على خادم الحرمين الشريفين اسمي، لأنهم اختبروني وعرفوا أني قادر على العملية، لأنها عملية ليست بسيطة، خاصة أن كل معاملتهم كانت مع المصريين ولم يتعاملوا مع غير المصريين، فالذي صمم التوسعة السعودية الأولى في الخمسينيات كان مهندساً مصرياً، والذي قام بالتوسعة الثانية في عهد الملك سعود كان أيضاً مصرياً».
جائزة
وكان المشروع الذي وضع الملك فهد حجر أساسه في 4 نوفمبر 1984 وتم البدء بتنفيذه في 2 أكتوبر 1985 يستهدف توسعة الحرمين الشريفين بنحو عشرة أضعاف دون المساس بالتوسعات السابقة.
فقام المهندس إسماعيل بالعمل المكلف به خير قيام بدليل حصوله لاحقاً على جائزة الملك فهد للعمارة الإسلامية. غير أن هذه الجائزة لم تكن الأولى التي يحصل عليها مهندسنا، فقد نال قبلها وشاح النيل ولقب «البكوية» من الملك فاروق الأول لإنجازاته المعمارية المتميزة.
الأمر المؤسف حقاً -وهذا يتكرر كثيراً في عالمنا العربي- أن عبقرياً في مجاله كهذا، ورجلاً نابغاً منذ سنوات دراسته الابتدائية فالجامعية فما فوق الجامعية لم تسلط عليه الأضواء ولم يعرفه الكثيرون سواء داخل بلده أو خارجه، خصوصاً أنه لم يسعَ يوماً وراء الأضواء ولم يلهث قط وراء تكريم أو سلطان، فعاش منسياً إلى أن وافته المنية في الثاني من أغسطس 2008 عن عمر قارب المئة عام. ودليلنا على عدم معرفة الناس بهذه القامة، بسبب تجاهل الإعلام له، أنّ من صلّوا على جثمانه لم يتجاوزوا الصفين من المصلين.
سيرة حياة
المهندس محمد كمال إسماعيل -الذي سنروي هنا سيرته وإنجازاته استناداً إلى ما كــُتب عنه في موقع «الموسوعة العربية الحرة»، وموقع «اتحاد النسابين العرب»، وصحيفة الأهرام القاهرية، ومجلة روائع الفكر (ديسمبر 2015)، وما قاله في حلقات تلفزيونية بثتها قناة WMV ــ ولد في بلدة «ميت غمر» بمحافظة الدقهلية لأسرة مصرية بسيطة في 13 سبتمبر 1908، ودرس في مدرسة بلدته الابتدائية، حيث كان متفوقاً ولافتاً لأنظار معلميه، ثم حدث أنْ انتقلت عائلته إلى الإسكندرية فترعرع في ظلال هذه المدينة التي كانت آنذاك كوزموبوليتية الطابع، ومنفتحة على مختلف الثقافات، وتزينها المباني الأوروبية التصميم، وتستنشق هواء البحر الأبيض المتوسط النقي.
في الإسكندرية، أنهى الرجل مرحلة دراسته الثانوية بمدرسة العباسية، وما إن حصل على شهادة التوجيهية العامة إلا كان قرار السفر إلى القاهرة للالتحاق بجامعة فؤاد الأول (جامعة القاهرة حالياً) قد اختمر في عقله. وبالفعل ذهب إلى القاهرة واستطاع بفضل درجاته العالية أن يسجل بسهولة في كلية الهندسة التي كان اسمها آنذاك «مدرسة الهندسة الملكية». وقتها لم يكن بكلية الهندسة سوى سبعة دارسين هو أحدهم، وكان الكادر التعليمي فيها مكوناً من أساتذة كبار من إنجلترا وسويسرا ممن درّسوه فنون العمارة العالمية.
لكنه على الرغم من تتلمذه على أيادي أساتذة غربيين، وعلى الرغم من تلقيه دروساً مكثفة حول أنماط العمارة الغربية، فإن بوصلة اهتماماته كانت متجهة نحو العمارة الإسلامية، خصوصاً أنه كان يدرس في القاهرة.. المدينة التي تعتبر كالكتاب المفتوح على مثل هذه العمارة لضخامة ما تحتضنه من مساجد وجوامع وآثار إسلامية تنتمي إلى مختلف الحقب التاريخية.
بعد حصوله على بكالوريوس الهندسة المعمارية من جامعة فؤاد الأول في مطلع ثلاثينيات القرن العشرين، سافر الرجل إلى فرنسا في بعثة دراسية لنيل شهادة الدكتوراه، فحصل عليها من «مدرسة بوزال» في عام 1933، ثم أتبعها بشهادة دكتوراه أخرى في الإنشاءات.
صفات إنسانية
يرتبط اسم المهندس محمد كمال إسماعيل بكلمة «أصغر»، فقد كان أصغر من حصل على شهادة الثانوية العامة في تاريخ مصر، وأصغر من دخل مدرسة الهندسة الملكية، وأصغر من تخرج فيها، وأصغر من تم ابتعاثه إلى أوروبا لمواصلة دراسته العليا، وأصغر من حصل على وشاح النيل ورتبة البكوية من عاهل مصر، وأصغر من نال شهادة الدكتوراه في تاريخ بلاده.
من الذكريات
ومن القصص التي رويت عنه، أثناء قيامه بالإشراف المعماري على مشروع توسعة الحرمين الشريفين، أنه حرص على أن تكون أرضية الحرم من الرخام الذي يمتص الحرارة تماماً، مراعاة لراحة المُحرمين، فلم يجد ضالته إلا في جبل صغير باليونان، فذهب إلى هناك شخصياً وتعاقد على شراء الكمية الكافية من هذا الرخام الأبيض المعروف باسم «تاسوس»، ثم وصلت الكمية إلى مكة وتم تركيبها في كل أرضية الحرم المكي.
وحينما طلبتْ منه الحكومة السعودية تغطية أرضية الحرم النبوي أيضاً بنوعية الرخام نفسها، سافر إلى اليونان مجدداً للغرض نفسه، لكنه فوجئ بأن الشركة باعت الكمية المتبقية عندها من ذلك النوع من الرخام.
يقول المهندس: «حزنت كما لم أحزن في حياتي، حتى إني لم أشرب قهوتي وغادرت مقر شركة الرخام، وحجزت على طائرة اليوم التالي للعودة». ويضيف مستدركاً: «عندما خرجت من مكتب رئيس الشركة وجدت السكرتيرة فسألتها: من اشترى الكمية المتبقية؟ قالت لي: هذا أمر مرّ عليه سنوات طويلة ويصعب الرجوع إلى المشتري، قلت لها: ما زال أمامي يوم في اليونان، أرجوك ابحثي، وهذا رقم تليفون فندقي. تركت الرقم وذهبت وأنا حزين.
في اليوم التالي وقبل ساعات قليله من ذهابي للمطار وجدتُ السكرتيرة تتصل بي وتقول: تعال إلى الشركة، فعندنا عنوان المشتري. كان عندي بعض الساعات المتبقية على السفر، فذهبت مرة أخرى للشركة وقابلتُ السكرتيرة فأعطتني عنوان الشركة التي اشترت الرخام.
وجدت المشتري شركة سعودية فطرتُ مباشرة إلى السعودية ثم من المطار إلى الشركة التي اشترت الرخام ودخلتُ على رئيس مجلس إدارتها وسألته ماذا فعل بالرخام الذي اشتراه منذ سنوات من اليونان.. قال: لا أذكر.. اتصل بالمخازن وسألهم عن الرخام الأبيض اليوناني فقالوا له: كل الكمية موجودة كما هي».
ويستطرد المهندس فيقول: «بكيت كالطفل وسألني صاحب الشركة لماذا تبكي.. حكيتُ له القصة كاملة، وقلتُ له: هنا شيك على بياض اكتب المبلغ الذي تريده.. قال صاحب الشركة عندما علم أن الرخام للحرم النبوي: والله الذي لا إله إلا هو لا آخذ درهماً واحداً.. الرخام كله في سبيل الله».
حياة خاصة
مما يجدر بنا ذكره في الختام أن مهندسنا انغمس في مهنته وأعبائها، فلم يفكر في الزواج وتأسيس أسرة إلا في عام 1952 حينما كان قد بلغ الرابعة والأربعين، فأنجبت له زوجته ابناً واحداً، وأنجب له الأخير حفيدين. وبرحيل زوجته في سنة 2002، وفقدانه لكل أصدقائه، زادت عزلته ووحدته إلى أن وافته المنية قبل إكماله العام المئة من عمره بسنة.

شواهد معمارية وجهد بحثي كبير
حينما عاد محمد بك كمال إسماعيل إلى مصر في أواخر الثلاثينيات مكللاً بالدرجات العلمية التي لم يسبقه إليها أحد من أقرانه، التحق بالعمل في «مصلحة المباني الأميرية»، شاغلاً منصب مديرها العام في عام 1948، علماً بأن هذه المصلحة كانت تشرف آنذاك على بناء وصيانة جميع المباني والمصالح الحكومية للدولة المصرية.
ومن أهم ما قام به في هذه الفترة تصميم مبنى دار القضاء العالي، ومبنى مصلحة التليفونات، ثم لاحقاً تصميم «مجمع التحرير» الذي أدّى بشكله المقوس دوراً في تحديد شكل «ميدان الإسماعيلية» (ميدان التحرير حالياً) وما تفرع عنه من شوارع وطرقات.
كما قام في هذه الأثناء بإهداء المكتبة العربية كتاب «موسوعة المساجد المصرية» الواقع في أربعة مجلدات، الذي يعتبر كتاباً نفيساً -بل نادراً بسبب نفاد الكمية التي طبعت منه- ونافذة للأجيال المتعاقبة ليتعرفوا من خلالها إلى تصاميم المساجد المصرية وطرزها وسماتها المعبرة عن كل مرحلة من مراحل الحضارة الإسلامية.

