أمس واليوم

في معرض «فن البحرين عبر الحدود»..الباب بين الحقيقة والمجاز

استقبل معرض «فن البحرين عبر الحدود» قبل أسبوع، أهم فناني العالم في مركز البحرين الدولي للمعارض والمؤتمرات؛ بهدف رؤية تشكيلة من أجمل الأعمال الفنية، سواء من فناني البحرين ودول الخليج والعرب أو العالم، وذلك من أجل بناء الجسور الإبداعية، وبغية الارتقاء بالفنون في منطقة الشرق الأوسط، انطلاقاً من مملكة البحرين.. وفي كنف سحر المكان، كان العنوان هو ما أثار انتباهنا وهو «فن الباب»، ليأخذنا الباب المعلق على عتبة المعرض إلى معناه من حيث حرفته التي ما زالت قائمة في البحرين إلى معناه الإنساني والثقافي.

عتبة

جاء اهتمام معرض «فن البحرين عبر الحدود» بالباب في محله، فناً وفلسفة ومعنى، فنحن نلفظ هذه الكلمة عدة مرات في اليوم، باستخداماتها المتعددة، فإلى أين يفضي بنا الباب في دخولنا وخروجنا وهو يقرأ لنا الوقت من خلال أجسادنا العابرة والمتغيرة؟ أو دعونا نسأل أيضاً، ما هو الباب في وصله وفصله بيننا وبين الآخر؟ وعن الباب بوصفه الأمان، وما معنى بيت بلا باب أو مفتوح على الدوام؟ لم يصنع الباب إلا ليكون عبوراً اجتماعياً مهماً أدى بالإنسان إلى اختراع باب داخلي وفكري.. يقرر من خلاله ما يريد، أما من عند هذه العتبة إن قمنا بمراجعة سيرته يصبح الباب تاريخاً وخريطة من أجساد وأعداد وصفات ومعانٍ، ضمن التقاليد العريقة، ليصبح الباب عنواناً.

فن

المعرض ومنذ أول عبورنا فيه، كان الباب الخشبي البحريني العتيق معلقاً يستقبلنا بنقوشه وحفره، يقف الجميع أمامه مشدوهاً لجماله الفني ويلتقطون الصور أمامه كباراً وصغاراً، متسائلين اليوم، من الذي اخترع الباب يا ترى؟ هذا المعبر الذي يعبُر بنا في الحياة وبقراراتنا العديدة لنفضي من باب واقعي إلى وهمي ثم إلى داخلنا وخارجنا.. في اتجاهاتنا المتعددة.

كانت استضافة فنية راقية من مملكة البحرين من خلال معرضها العالمي الرابع الذي رحب بالزائرين من شتى أنحاء العالم فناً ومعنى باستنطاقه الباب، كان الباب الفني المعلق في مدخل المعرض يتحدث عن وجوده بنضارة وعنفوان، فمن جهة، كان عنوان المعرض هذا العام «فن الباب» أو «آرت باب» ليستقبلنا هذا الباب البحريني صنعاً للدخول من خلاله إلى رؤية الأعمال الفنية الإبداعية الأخرى، بوصفه استقبالاً في بيت القلب، ومن جهة أخرى، يكشف لنا بأن المملكة ما زالت محتفظة بحرفتها في صناعته لوحة تراثية وإرث من فن وإبداع.

هوية

إن فكَّرنا بالباب في حجمه وعرضه ونوعه وشكله، فهو بحد ذاته يعبر عن شخصية أصحابه ومن صنعه، إضافة إلى هوية المكان وأفكار أصحابه ومعتقدهم.. وهذا يدخلنا إلى أن الطرقَ قبل الدخول، وهنا صوت الباب المتعلق بالأذن واللغة والروح وهو محشور في الجدار، بكسوته الفاخرة أو البسيطة، ونختبر هنا قوة الباب المتمثلة بالقيادة، حيث يقودنا معتقدين بأننا نقوده، وتكمن تلك القوة في الحراسة التي هي دليل الطمأنة والسكون.

وفوق أرض قلقة حتى يومنا هذا أصبحنا نحتمي من خلال الأبواب الإلكترونية ونصر على أمننا وخصوصيتنا، ليبقى الباب الحارس، وهو من يحدد معنى التهذيب في أرواح هذه المجتمعات البشرية بأفرادها وأساليبهم، سواء في دفعهم الباب للدخول أو طرقهم للاستئذان.

وقلائل هم من فهموا أن الباب يدافع عن وجودنا كأفراد حين كنا نغلقه إلى الصباح ويظل موارباً حتى الغروب، وعن مدى دلالة فهمه على الكرم والأمان والاستعداد، ومروراً بموقف الباب الأخلاقي والشجاع والمهم، انتهاءً إلى باب خائف يفضي إلى نفسه، فمن يصغي إلى الأبواب يعدها أنموذجاً إيقاعياً وتعبيرياً من باب يفضي إلى راحته وباب إلى عزلته وآخر إلى صمته وغيره إلى جبروته، وحتى الباب البسيط الذي لا يرى ونغفل عنه يأتي يوم ويحرك القلب.

أسئلة

نكتب هنا وما زال الوقت باكراً لإغلاق الباب، باعتبار الباب إنساناً معرفياً نتحدث عنه ومعه، وبالتحديد عن أسرار أبوابنا الخشبية في دول الخليج كتجربة حرفية متينة الصنع، نتأملها لنتأمل ما بنا، لنشير شأن الكثيرين ونقول هل نحن محتشمون وفق الثقافة التقليدية؟ أم محافظون ضمن ثقافتنا الدينية؟ أم رمزيون وفق فنوننا وإرثنا؟ لذا كان «فن الباب» كمسمى للمعرض الفني البحريني عنواناً عميقاً يتجلى فيه تاريخنا وتاريخ الآخر من شرف ومكانة واحتشام وطباع وحاجة بشرية طبيعية تدخل في جوهر المكان ومعناه بحيث لا يمكن إلغاؤه.

أخيراً، «باب» البحرين منصة جديدة وهوية تجارية للفن البحريني وبمعايير كبيرة للوصول إلى قلوب الآخرين وفكرهم ومنطقهم، والعبور من باب لتنظيم المعرض والعروض الفنية منذ عام 2005 في دبي ولندن وعمّان؛ لتعزيز المشهد الفني على مستوى المنطقة.

باب المعرض وباب الشيخ عيسى

يصعب على كل من يزور مملكة البحرين أن يغفل الحداثة بأبعادها التوسعية الحديثة مثل غيرها من الدول المجاورة، لتأخذ الحداثة المعمارية الشكل المعاصر الحالي لها، لكن تبقى الأبواب البحرينية القديمة في المحرق بعراقتها، وبالتالي يأخذك الباب في عتبة المعرض إلى باب بيت الحاكم السابق للبحرين، المعروف ببيت الشيخ عيسى بن علي آل خليفة بأبوابه النادرة في طرازها ونقشها، من مدخله إلى جملة الزوايا في طوابقه وأجنحته.

التبويب بين الجمال والمجاز

قد تكون للأبواب أغراض جمالية في القصور، أما في الأدب والفنون فتبقى معانيها مجازية، إلا أن التبويب يحتل الكتب كنظام جميل ومقسم من باب إلى قسم، وكأن القارئ على موعد في بيت من فكر يحمل أبواباً من آراء، قد وضعه المؤلف وبوّبه تبويباً سهلاً قبل نشره، وبالتالي يصبح من حق القارئ فتح باب الكتاب وعرض القضايا التي فيه كموضوع للنقاش، فمن باب أولى أن يناقشه بعد قراءة، ما جاء في بابه بعد أن أدلى بدلوه في باب الفصل بعقل وقلب مفتوح.

مقاربة «إثنولوجيّة»

عبر معرض فن البحرين عبر الحدود في دورته الرابعة وبجذبه الباب وتاريخه، جعلنا نطلع على تاريخ الأبواب من خلال البروفيسور الفرنسية باسكال ديبي وكتابها «الباب مقاربة إثنولوجيّة» والمترجم برعاية هيئة البحرين للثقافة والآثار، والمعروض في مكتبة متحف البحرين الوطني، في تعريفها تاريخ وجوده وفتحه وإغلاقه، وأخيراً، كتبنا هذا المقال ونحن نشهد على امتداد عمرنا أننا ننتظر أمام وخلف الأبواب خشية واشتياقاً وترصداً؛ كي نخمن الخبر السعيد والخطر المقبل. ليبقى بابنا حاجزاً حيناً، وأفكاراً حرة حينما نريد، ووسيلتنا لمعرفة الآخر ثقافة ووجوداً.

نسخة محدودة

شأننا شأن الكثير من المتذوقين للفن، أصبنا بأعراض حب الفن منذ الصغر، وهذا ما يدعونا للخوض في جماليات الباب المعروض في واجهة معرض فن البحرين عبر الحدود وبشكله المرئي، لنعلم بأنه باب نادر حتى في عدده، بل ومن ضمن قطع قليلة جداً، وهذا من ضمن أسباب شهرته اليوم على شاشات العرض، إضافةً إلى ما في قالبه من تقليدية وفي تنفيذه من أبعاد فنية متجذرة، فتحقق في ثنايا التعبير للتصميم التقليدي البحريني، فهو فن خشبي، ونحت في عموده الأوسط، وكذلك تغطية الباب بالألواح الجانبية الستة، مع التصميم اليدوي بمساميره النحاسية الستة قديمة الطراز العالقة في جسد الباب، والنحاس معدن لا يتغير لونه عبر الدهر بسبب خواصه الكيميائية.

ليأتي هذا الباب القادم من المحرق متوجاً كتكريم للمملكة، وكابتكار فريد من نوعه بعد دمج القطع بشكل فني حديث ومبتكر يستحق العرض للنظر فيه من زاوية الحكايات الأزلية الصامتة في قلوب المحبين بقيمته الباقية.

1997

شهد معرض البحرين عودة عرض أعمال الفنان الروسي زوراب تسيريتيلي، أبرز رواد الفن الجورجي لأكثر من 40 عاماً، والمشهور بعمله تمثال المعلم العظيم بطرس عام 1997.

2003

في هذا العام أصدرت الباحثة الفرنسية جنيفييف كالام غريول، كتاب «القفل»، تفسر فيه مكانة القفل والباب في المعتقدات المادية لدولة مالي، في القفل بين الفتح والغلق في جلب الثروات.

2019

استضاف معرض فن البحرين عبر الحدود في 2019، مجموعة بارزة من المعارض والفنانين، وتشكيلة مميزة لأعمال مبدعين بحرينيين، وأعمالاً فنية من مختلف أنحاء العالم تحت اسم «آرت باب».

طباعة Email
تعليقات

تعليقات