الشعر قيادة الكلمة والمعنى

لايوجد أقوى من القصيدة لفهم الهوية والنفس

الشعر بلا شك دليل على وجود البشر، وإلا فمَن يفهم الشعر غير الإنسان؟ ومَن يكتب القصيدة غير الإنسان؟ فالحيوانات لا تعي الشعر، وحتى الآلة الموسيقية لا تؤلف القصيدة وبإمكانها أن تعطي معنى لها فقط من خلال ترجمتها لحناً، فمن دون قصيدة لن تكون هناك أغنية، وستكون الموسيقى مجرد أصوات من دون لغة.

ولأن الإصغاء إلى القصيدة يبطئ حركة العالم من حولنا، ويبسّط الأفكار التي نفكر بها إلى جمل قصيرة ومباشرة، فلا بد أن يهدأ القلق في أجسامنا مع هذا النمط الغنائي الذي يسلط الضوء على المشكلات ويجبرنا بمحبة أن نفكر بالإجابة المنطقية والمنهجية لها وإن كانت خيالاً، وكأن الشعر يمنحنا الفرصة أن نفهم أنفسنا، فلا يوجد هناك حُزن أكبر من عدم معرفة الذات، وليس أقوى ولا أعظم من الشعر يمنح الفهم الكامل للهوية وفهم النفس.. وحين يقول أحدهم شعراً ونشعر بتحسن، فهذا لأن الكلمات تتكئ على بعضها البعض وتدعم بعضها البعض، وتتشابك في معانيها وإيقاعها تماماً كالرقصة الجماعية، ولهذا الشعر عمل مزدحم خفيّ يرسم نفسه بموسيقى فطرية وألحان من بحور ونغم تنتجها روح الشاعر وصوته، ليغني الشعر نفسه، ويعالجنا ونحن نقرأ القصيدة بصوت عال ونختبر نبضنا أثناء الإلقاء، لندرك العاطفة التي تحملها لنا القصيدة وإن كانت مكررة، نمضي ونشعر بتحسّن وكأن القصيدة تعويذة.

القصيدة التعويذة

نقول تعويذة، فتراثٌ تليد وعميق قد مر على الإنسان، وإنه من المؤسف لم يعد ذكره وارداً اليوم، فقديماً كان حفظ القصيدة عن ظهر قلب تعويذة، حيث ما إن يشعر الفرد بسوء في مزاجه أو انزلاق في ظروفه أو خوف أو حتى حمى.. يرتل بصوت مسموع وواضح تعويذته من تلك القصيدة ليكررها لحناً حتى يهدأ رويداً رويداً. هذه عادة قديمة وعريقة في قراءة نصّ شعري طويل يختاره بعناية لوقت أزماته، وانتقاها لما فيها من اتساع صوري وتلميحات أو حكايات حكيمة من حياة أو حب.. نصٌّ يعدونه دواءً وشفاءً يجرعه المصاب قولاً، ليلامس وجدانه ويخفف مرضه ينهي غضبه، وبالتالي هي تعويذة من أدب.

تاريخ الشعر ومعناه

للشعر تاريخ عريق، ما زال وقعه حياً ولم يمت في كل المجتمعات، وإن ذكرنا أول قصيدة مشهورة عند العرب فكانت في الربع الأول من القرن السادس الميلادي وهي معلقة رائعة للأمير الكندي امرئ القيس الملقب بـ«جندح»، لكن وقبل ذلك بـ 1200 عام وفي اليونان تحديداً خرج الشاعر الأبرز هوميروس بملحمته الشعرية الفريدة والخالدة «الإلياذة»، وللعودة إلى الوراء فقبلها بـ 1300 عام كانت الملحمة الأقدم «جلجامش» في بلاد سومر العراقية.. بالإضافة إلى غير هذه العناوين الكثير عبر تاريخه.

ومقارنة بين الأمس واليوم فقد كان الشعر في المجتمعات القديمة ذا قيمة كبيرة، بوصفه ترياقاً لليأس يرددونه بعد الشعور بالإرهاق والوحدة أو الظلم، من أجل أن يأتيهم ذلك الخيط الرفيع من النور يمر بحياتهم كبشر وفي كل حالاتهم، يتنفسون الحكمة في المعنى في تلك البحور، ويعيشون لحظات فرح مع لحن اللغة بإيقاع لغوي ونقطة التقاء وشيء سحري يمنح يقظة فكرية مع مفاهيم فكرية، أو الشعور بحزن شفيف يعزي من تجربة غزلية مكسورة، أو اعتزاز وفخر وربما نقد وهجاء أو تعبير للمشاركة في مواقف سياسية كبرى.. وأفكار لا تعد ولا تحصى، لنشاط يومي لا ينتهي، ليبقى الشعر عطاءً يهتف لإمكانيات إنسانية واسعة.

الشعر اليوم

لكن ما أهمية الشعر في حاضرنا يا ترى مع كل هذه التسالي التي لا حدود لها؟ فهل الشعر اليوم يربط بيننا وبين إنسانيتنا كما الماضي؟ وهل الصدى العميق من ذبذباته ما زال موجوداً؟ وهل ما زال مصدراً للإلهام وللمظلومين وردعاً للظالمين ووعظاً للغافلين ونضالاً للفرسان والشباب؟ هل لا زال الشعر درساً للحياة؟ وكيف نعامله لنجعله درساً لنا في الشدائد والمحن؟ خاصة في هذا العصر الذي نشهد فيه تحول الإنسان التكنولوجي، وكذلك الشباب مثالاً حين يحبطون وحين لا يجدون ما يكفي من كلمة تنير مستقبلهم ويتحول لمنفعل..

هل يجري الناس اليوم خلف الشعر؟ وهل ما زالوا يبحثون عن أجمل قصيدة لتهدئة أرواحهم؟ أم أن التكنولوجيا اختصرت وانتصرت؟ على الرغم من أنه لا أقوى من الشعر كرسالة حاضنة ومهدئة، فكل ما يعانيه وما يكدره يكدر أي إنسان بعيد لا يعرفه، كدر وفكر إنساني مشترك، فثمة من يشاركه، هذا حين يقدم الشعر بمفهومه الأساسي الإنساني الوجداني الراقي، فالأصل في أدب الشعر أن لا غاية في أساسه، بقدر ما هو ثوب عاطفي نقي، شيء يخطف الشدة من صحاري القلب ويشفي الرجل الحر والشريف من اللعنات التي ترمى عليه، وأبيات بأغراض سامية من قول الحقيقة للتخلص من الأمراض والسموم، ليبقى الشعر علامة من علامات الضمير المسؤول، حقيقة ممزوجة بالوعي لمعاداة التناقض والتشاؤم والعيوب والنفاق وعلامات القصور.

مواقف شعراء الحداثة

ونجد المواقف الشعرية الإنسانية القومية كمثال عليهم في أمريكا اللاتينية حين قاد الشاعر خوسيه مارتي، أحد أكثر الشعراء شهرة وحباً من شعبه، الحركة لتحرير كوبا من الهيمنة الاستعمارية.. ليعتبره الكثيرون رسول الاستقلال الكوبي، وبطلاً قومياً، مروراً بفرنسا، حين كتب الشاعر رينيه شار شعراً مختلفاً ومخالفاً أثناء القتال من أجل المقاومة في إيطاليا، وكذلك موقف الشاعر الإسباني فيدريكو غارسيا لوركا الذي تم إعدامه، فكان إعدامه من أسوأ الجرائم التي أرتكبت بحق مثقف، وانتهاء بالشعراء في روسيا أمثال الشاعرة آنا أخماتوف التي عاشت حياة بائسة بسبب الكلمة. والشعر في هذه الحالات دائماً هو الغياب الذي يبحث عن وظيفته في الكلمات.

 

أما شعراء الشرق الأوسط المعاصرون من العرب أمثال بدر شاكر السياب وأدونيس وغازي القصيبي ومحمود درويش.. فقد وصف الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر أعمالهم بأنها من الأدب الملتزم في أفكارهم المطروحة.

(يبقى أن نتحدث عن موقف الشعراء قبل سنوات، وبالتحديد فبراير عام 2003 وما حدث في البيت الأبيض عندما ألغت السيدة لورا بوش ندوتها حول «الشعر والصوت الأمريكي»، بعد أن علمت أن بعض الشعراء في قائمة الضيوف رفضوا الحضور احتجاجاً على الحرب في الشرق الأوسط، ليقدم أحد الشعراء عريضة يجمع فيها القصائد المحتجة، بعد أن قالت المتحدثة عن البيت الأبيض إنه من غير المناسب تحويل حدث أدبي إلى منتدى سياسي، هذا الموقف كان أملاً لعودة مكانة الشعر ولو كموقف شريف ضد الحرب، فكان من نتائج الموقف «تأسيس حركة الشعراء ضد الحرب».

من الصعب اليوم زواج الشعر بالسياسة، فهو مهمة صعبة للغاية، ولم يعد كما كان حين ينخرط الشاعر الكبير في الشارع ويعيش بين الناس ليعزف مفرداته حول معاناتهم. ولم يعد بعد أن كان الشعراء مفكرين وأدباء حقيقيين وأصحاب كلمة تؤرخ الذاكرة العامة، وتثير الإنذارات كحارس للأخلاق العامة.. وليس مجرد كلمة يقولها من أجل أنه قال، لذا فإن قيمة الشعر ببساطة هي قيمة الإنسان والأرض.)

 

قدر الكلمة

للشعر قيادة الكلمة، وهو يمنح الشاعر مكانته في مهمة التحدي وإعلان الأمل، والإنحياز للحياة، وتحدي الظلامية؛ وبهذه المهمات والنزعة التي تتولد في نفس الشاعر، يتم توليد المعنى الجديد أو ربما اكتشافه، ومن لا يولد معان جديدة أو يبتدعها أو ويعجز عن استظراف لفظ وابتداعه، كما يقول ابن رشيق في كتابه «العمدة»، فإن الشاعر هنا ليس حقيقياً.

يبقى الشعر جيداً للتعلم التنموي، للطفل تحديداً ومهاراته الشفوية والكتابية ومعرفة إيقاع الكلم والمحادثة والفهم بجانب ما يتلقاه من معرفة، فالتعبير الشعري يعطي جمالاً بديلاً للشخصية ويصنع أساساً للاتصال اللفظي، مع ثبات اللسان وعدم الاندفاع.. فالشعر لمن يقرأه يساعده على تحسين تفكيره، وازدهار أفكاره التي لم يكن يعرف أصلاً بوجودها، بالإضافة إلى حين تأتي الفكرة الجديدة البديلة للقديمة فإنها تمنح طريقة المعالجة الحديثة.

كما يهمنا أن نشير إلى أن الشعر علاج للقارئ وعاطفته والاكتئاب والقلق، وبالتالي يستخدمه الأطباء النفسيون لعلاج المرضى من الأمراض النفسية وحتى العقلية بتسميعهم إياه، ويصبح الشعر أي هذا المورد الإبداعي يجب استخدامه واستغلاله، ناهيك عن قيمته الكبيرة، فمن نحن بلا شعر ومجتمع بلا شاعر، حتماً سنبدو كالآلات المتحركة ونحن نعيش بلا استعارات وتشبيهات وكنايات، فإن اختفى الشعر اختفت قيمة اللغة نفسها.

ما يصنعه الشعر فهو بلا نهاية، من تغيير في حياة البعض تغييراً حرفياً وكشف مستمر لما يجري في الحياة ودروس لا حصر لها، والحكمة العميقة وتعزيز المحبة بين البشر وتقريب التجارب الإنسانية، فقط من خلال أبيات قصيرة لكنها استراتيجية الفعل والمعنى فتساعد على فهم الناس، ونحن اليوم في عصر وصلنا إليه لسوء التفاهم بين بعضنا البعض وفي مختلف أنحاء العالم، والدليل هي الحروب بين البشر، ولا سبيل أمام الناس سوى قراءة الشعر الذي يمنح الإنسان احتضان معانيه والابتعاد عن الكراهية والعنف والقبح والفوضى.

 

القصيدة وغاية الانفتاح على الآخر

القصيدة تنتمي إلى عالم العواطف وهي نابعة من الإحساس والخيال، وتأتي كتجربة فنية للحجة والإثبات باتباع الشاعر مسارات عاطفية وخيالية حساسة جداً، وإن لم تكن القصيدة شكلاً من أشكال المعرفة العلمية، لكنها تلعب دوراً أساسياً في تشكيل عاطفة الفرد لمجرد نقل الشاعر الفكرة الإنسانية والمعرفية والدنيوية في لغة حسية راقية، وبهدف وحيد ضروري وهو الانفتاح على الآخر وتصبح الرابطة بيننا نحن البشر أجمعين أقوى وأشد، وهذه غاية الإبداع الفني أي تكوين الروابط القوية بين البشر تتجاوز اللغات والمعتقدات والثقافات، لذا فإن الشعر ركنٌ من أركان العلوم الإنسانية.

 

الشعر القديم والعلوم الإنسانية

لا تزال كليات العلوم الإنسانية العربية تغطي تخصصات الأدب مثل الفلسفة واللسانيات والتاريخ والشعر القديم، والتركيز على انفتاح العقل والحياة البشرية الأخرى، وفرنسا والبلدان الناطقة بلغتها مثالاً، فإن النظام التعليم الفرنسي في كلية العلوم الإنسانية تعلم الكلاسيكيات من دراسة اللغة القديمة وقراءة هوميروس وفرجيل والأوائل بهدف الحصول على رؤية متسعة وحياة مسالمة مع الحضارات الأخرى، بينما في الثقافات الأفريقية فالكلاسيكيات دراسة البدايات وتراث الأزمنة القديمة للقدرة على تكيف العيش في الأوقات الحالية، ليبقى الشعر أساس هذه الدراسة المبتكرة والخلاقة ويبقى المجتمع حياً.

 

أدب القصيد والتواصل الرقمي

اليوم وفي ظل التقنية المختصرة الكلم، والصور البهية بات الشعر مختصراً ليصل، واللغة العربية التي ضعفت في مدارسنا، آن أوان التركيز على حفظ الطلاب انتقاء المعلقات الشعرية منذ المراحل الأولى للحفظ على جودة اللغة والنطق، ولتكوين الشعراء الكبار وهم صغار، لمواجهة واقع اليوم لعالم غير مفهوم، عالم يجد نفسه متجذراً أحياناً وأحياناً مهدداً، إذاً لا بد من الشاعر الخلاق الجديد ليمثل جيله ولحماية خطر التهديدات اللغوية من جميع الجهات التجارية، ليستعيد الإنسان هويته والشاعر مكانته ومكانه في قلب المجتمع.

 

1912

في هذا العام سجلت الشاعرة الروسية آنا أخماتوف موقفاً من خلال ديوانها ضد السياسة غير المنصفة لشعبها، لتعاني بعدها من دفع الثمن بتشتت عائلتها بعد إعدام زوجها الشاعر.

 

1942

وُلد في هذا العام الشاعر الفلسطيني محمود درويش الذي كان شعره وطنياً وإنسانياً عن فلسطين وأرضها السليبة.

 

1952

توفي في هذا العام الشاعر الفرنسي بول إيلوار، وقد كتب شعراً مختلفاً ينبذ القتال والحروب وينادي بالسلام وهو مُصاب بعد أن شارك في الحرب العالمية الأولى.

 

reem.alkamali@albyan.ae

صفحة متخصصة بعلوم التاريخ والتراث والفنون في الإمارات والعالم

طباعة Email
تعليقات

تعليقات