عدسة الأيام

أحمد زكي.. ابن السويس الخالد في الذاكرة الخليجية

أحمد زكي ليس شخصية من الخليج العربي، لكن اسمه محفور في الذاكرة الجمعية لأجيال من أبناء المنطقة؛ بسبب دوره الثقافي والأدبي والعلمي، من خلال رئاسته لتحرير المجلة الثقافية الأوسع انتشاراً والأغزر مضموناً والأكثر تنوعاً في العالم العربي، وهي مجلة «العربي» الكويتية الشهرية المصورة.

كتب الأستاذ في جامعة الموصل الدكتور إبراهيم خليل العلاف في صحيفة «دنيا الوطن» الإلكترونية الفلسطينية 25/‏‏‏9/‏‏‏2016، قائلاً: إن هناك مسألة لابد من التأكيد عليها، وهي أن مجلة «العربي» «عاشت أفضل سني عمرها عندما كان أحمد زكي يرأس تحريرها» ثم أضاف: «كانت مجلة العائلة العربية بدون منازع، وكنا نقرأها طوال الشهر، ونعيد قراءة أعدادها ما بين فترة وأخرى، فلا نكلّ ولا نملّ منها ومن موضوعاتها».

ومثل هذا الكلام ربما يعرفه كل أبناء الجيل الذي عاش في الخمسينيات والستينيات والعقود التالية، غير أن ما قد لا يعرفه الكثيرون هو التفاصيل الدقيقة لسيرة الرجل الفذّ الذي وقف خلف هذه المجلة منذ اليوم الأول لانطلاقها عام 1958 حتى انتقاله إلى جوار ربه في 13 أكتوبر 1975، متحمّلاً كل مشاقّ السنوات الأولى لميلاد المطبوعة، وإرهاصات اقتناء مطابعها واستكتاب كُتابها ووضع لبنات إدارتها، وكتابة بعض مقالاتها واستطلاعاتها المصورة. هذا الرجل هو الأستاذ الدكتور أحمد زكي محمد حسين عاكف الشهير باسم أحمد زكي.

ومما لا يعرفه الكثيرون أيضاً أسباب خلود اسم الرجل في ذاكرة القراء الخليجيين والعرب، وهي أسباب أرجعها الكاتب محمد الجوادي في مقال له بمجلة «العربي» (عدد أبريل 2005) إلى تميز أعماله الفكرية بدرجة كبيرة من الإخلاص والتفاني والتجويد والإتقان المستمد «من عبقرية نادرة رُزقت التفوّق في الأدب والعلم، وفي البحث والعرض، وفي التفكير والتعبير، وفي الوصف والتذوّق، وفي النقد والتعليق.

وربما يعود السبب في هذا إلى أن صاحب هذه العبقرية كان حريصاً عليها، وعلى أن يوظفها من أجل الإنسانية، حتى لو بدا أنه وظّفها من أجل القومية أو الوطنية فحسب، ولكن النظر الدقيق يدلّنا على أن الإخلاص في العمل من أجل الرقيّ الفكري في المجتمع الإقليمي أو القومي يصبّ في النهاية في محصلة العمل من أجل الإنسانية والتعاون الدولي والتفاهم الإنساني وقبول الآخر...»

ويضيف الجوادي قائلاً في السياق نفسه: «لقد تميزت كتابات أحمد زكي في العلم بتعبير واعٍ عن إيمان عميق دون خلط للعلم بالدروشة أو الأهداف السياسية أو الأيديولوجية، كما تميّز عرضه بصفاء العبارة، ونضج الفكرة، وذكاء التناول، والقدرة على التصوير والتقريب والتبسيط، وقد كان واحداً من أبرز روّاد الثقافة العلمية الحديثة في جيله. وكان واحداً من أبرز الذين تولّوا ترجمة وتعريب عيون الآداب والعلوم والحضارة الأوربية ونشرها في لغة عربية جميلة».

تفوق دراسي

وُلد أحمد زكي بمحافظة السويس يوم 5 أبريل 1894، والتحق بمدرسة السويس الابتدائية، لكنه أكمل مراحلها في مدرسة «أم عباس» الابتدائية بالقاهرة؛ بسبب انتقال أسرته عام 1900 إلى العاصمة المصرية. وحينما أتمّ المرحلة الابتدائية عام 1907 التحق بالمدرسة «التوفيقية» الثانوية التي حصل منها على شهادة الثانوية العامة عام 1911 بتفوق بدليل أن ترتيبه كان الـ13 على القُطر المصري.

المرحلة التالية من مشواره الدراسي كانت التحاقه بمدرسة «المعلمين» العليا، على الرغم من أن شهادتها لم تكن تعادل درجة بكالوريوس العلوم البريطانية على نحو ما تحقق بعد 10 أعوام، فتخرج في هذه المدرسة عام 1914 في دفعة ضمّت العديد من أعلام مصر من أمثال: محمد فريد أبوحديد، ود. محمد عوض محمد، ود.عبدالحميد العبادي، ود. محمد شفيق غربال، ومحمد بدران، ود. محمد أحمد الغمراوي، ومحمد كامل سليم، ومحمد عبدالوهاب خلاف، ومحمد عبدالمنعم أبوزهرة.

بعد تخرجه في مدرسة «المعلمين»، عمل مدرساً بالمدرسة «السعيدية» الثانوية.

وفي هذه الأثناء تمّ ترشيحه للسفر في بعثة دراسية إلى بريطانيا لإكمال تعليمه العالي، غير أن شيئاً من هذا لم يحدث بسبب رسوبه في الفحص الطبي، الأمر الذي أجبره على العمل في مدرسة إعدادية-ثانوية غير حكومية بحيّ الظاهر القاهري لبضع سنوات من العقد الثاني من القرن 20.

وقد زامل في تلك المدرسة بعضاً من أعلام الأدب في بلاده مثل: عباس محمود العقاد، وأحمد حسن الزيات، قبل أن يتركها ليعمل ناظراً لمدرسة «وادي النيل» الثانوية في حي باب اللوق.

كان بإمكان أحمد زكي أن يبقى في وظيفة الناظر المعتبرة آنذاك، وأن يكتفي ببعض الأعمال الجانبية كممارسة الكتابة والعمل ضمن «لجنة التأليف والترجمة والنشر» التي أبصرت النور عام 1914، وكان هو واحداً من مؤسسيها، وأن يستثمر بروزه في الحقل التربوي لنيل مناصب عليا في الدولة على نحو ما حدث مع بعض أقرانه، لكن روح التعطش للعلم دفعته في عام 1919، حينما كانت ثورة سعد باشا زغلول مشتعلة، إلى الاستقالة من وظيفته والسفر إلى إنجلترا لاستكمال دراسته في تخصص الكيمياء على نفقته الخاصة.

وهكذا التحق الرجل أولاً بجامعة «نوتنغهام» (Nottingham University)، التي زامل فيها من سوف يصبح أول علماء الذرة المصريين (علي مصطفى مشرفة)، ثم ترك تلك الجامعة إلى جامعة «ليفربول» في وقت وافقت فيه الحكومة المصرية على إلحاقه ببعثتها الحكومية.

وفي عام 1923 حصل من الجامعة الأخيرة على بكالوريوس العلوم ثم دكتوراه الفلسفة في الكيمياء عام 1924. وهنا أيضاً كان بإمكان صاحبنا أن يكتفي بهذه الدرجة العلمية التي لم يكن الحاصلون عليها في بلده يتجاوزون أصابع اليدين آنذاك، خصوصاً أنه كان أول مصري يحصل عليها في تخصص الكيمياء، لكنه فضل أن يمضي قدماً، فانتقل إلى جامعة «مانشستر» لمواصلة أبحاثه العلمية.

وهناك أمضى نحو عامين انتقل على إثرهما إلى جامعة «لندن» التي حصل منها في عام 1928 على درجة الدكتوراه في العلوم التي كانت آنذاك أرفع الدرجات العلمية التي تمنحها الجامعات. فكان ثالث مصري يحصل عليها بعد علي مصطفى مشرفة وعبدالعزيز أحمد.

بروفيسور

بعد عودته من إنجلترا عـُين أستاذاً مساعداً للكيمياء العضوية في كلية العلوم بجامعة «فؤاد الأول» (القاهرة حالياً)، ثم تمت ترقيته عام 1930إلى درجة أستاذ (بروفيسور) فكان أول أستاذ مصري في الكيمياء، ثم انتخب وكيلاً لكلية العلوم فعميداً لها، غير أنه تم إبعاده عن العمادة عام 1936، على غرار ما حدث للدكتور عبدالرزاق السنهوري في عمادة كلية الحقوق.

على إثر ذلك اختير ليكون مديراً لمصلحة الكيمياء المصرية، حيث عمل باقتدار على تمصير هذه المصلحة وتأصيل الاعتماد على الكيمياء والتحليل الكيميائي في المجتمع المصري بما يمنح المصلحة دوراً ملموساً.

وفي عام 1945 تم تعيينه مديراً لمجلس«فؤاد الأول للبحوث العلمية» بدرجة وكيل وزارة، فانخرط لمدة 6 أعوام في عقد الخمسينيات في رسم وتنفيذ سياسة علمية وتكنولوجية محكمة، شملت إقامة مبان ومختبرات في حي الدقي بالقاهرة، وهي المختبرات التي أطلق عليها فيما بعد اسم «المركز القومي للبحوث العلمية»، وإرسال البعثات العلمية إلى الخارج في التخصصات التكنولوجية، وتأسيس روابط علمية وبحثية وقانونية مع المعاهد الشبيهة خارج مصر.

ومما يجدر بنا ذكره أن الرجل بمجرد عودته من إنجلترا، وهو في النصف الأول من عقده الثالث، ملأ ساحات جامعته الناشئة نشاطاً، من خلال مشاركته الطلبة في مختلف الأنشطة بكثافة، فصار واحداً من 10 أسماء كان لها أكبر الأثر في بث الروح الجامعية الصحية في أول جامعة مصرية حديثة.

وبالتزامن راح يغذي صفحات مجلة مصر الثقافية الأولى «مجلة الرسالة» التي أسسها صديقه محمد حسن الزيات عام 1933، بكتاباته وترجماته ومقالاته المكتوبة بأسلوب جذاب، وطريقة مبسّطة من أجل أن تعم الفائدة ويتأسس تيار من الوعي العلمي الأصيل. كما نال في هذه الفترة عضوية مجمع اللغة العربية الذي بدأ العمل عام 1934 (بعد وفاته خلفه في عضوية المجمع الدكتور حسن علي إبراهيم، أستاذ الجراحة العامة بكلية طب القصر العيني).

ومما لا شك فيه، أن هذه الأمور حققت للرجل تشعباً في علاقاته بالمجتمع الثقافي والتربوي والطلابي والصحفي، فزاد تلامذته والمعجبون به. بل إن الجمهور المصري المعجب به تضاعف حجمه وعدده حينما ترأس تحرير مجلة «الهلال» في الفترة 1946 ــ 1950 كعمل جانبي، واستطاع أن يحدث فيها ثورة في الشكل والمضمون بدليل ارتفاع أرباحها وعوائدها، خصوصاً أنه استثمر ثقافته العامة وعلمه الغزير وإطلاعه الواسع وملكاته الإبداعية في كتابة مقالات يمتزج فيها العلم بالأدب.

فعلى الرغم من تخصصه في الكيمياء، فإن ثقافته في التاريخ والسياسة والأدب واللغة أضفت على كتاباته طابعاً موسوعياً، أضف إلى ذلك قدرته العجيبة على تبسيط الموضوعات العلمية المعقدة لتناسب فهم غير المختصين بأسلوب شيق ولغة عربية سليمة.

وقبيل أن ينهي صاحبنا العقد السادس من عمره حدث ما أكد استحقاقه لمنصب طال انتظاره لمن كانوا في مثل ألمعيته. ولم يكن ذلك سوى توزيره عام 1952 في حكومة حسين سري باشا بمنحه حقيبة الشؤون الاجتماعية.

وفي أعقاب ثورة 23 يوليو 1952، اختار الضباط الأحرار أحمد زكي ليكون الرئيس السادس لجامعة القاهرة من بعد أصدقائه: أحمد لطفي السيد، وعلي باشا إبراهيم، وإبراهيم شوقي، ومحمد كامل مرسي، ومحمد عبدالوهاب مورو. بقي الرجل في منصبه مديراً لجامعة «القاهرة» إلى أن بلغ سن التقاعد القانونية عام 1958.

في هذه الفترة كانت إمارة الكويت تفكر في إطلاق مجلة ثقافية عربية رصينة تربط مشرق الوطن العربي بمغربه، فبعثت الأديب الشاعر أحمد السقاف في جولة للبلاد العربية بهدف البحث عن شخصية مؤهلة لقيادة مشروعها، فقابل عدداً من أعلام الفكر في بغداد وبيروت والقاهرة ودمشق، لكنه لم يجد في النهاية أفضل من شخصية أحمد زكي الموسوعية.

قواعد مهنية راسخة

والحال أن أحمد زكي قَبِل العرض وسافر للكويت، وأسس مجلة «العربي» على قواعد مهنية راسخة، وأطلق عددها الأول في ديسمبر 1958 باستطلاع ملون فريد عن البحرين، واستكتب فيها الكثيرين من معارفه من عمالقة العلم والأدب والفن، وجلب لها عدداً من أكفأ الفنيين من دار أخبار اليوم (مثل المصور أوسكار متري والمخرج الفني سليم زبال)، فحققت نجاحاً كبيراً وأصبحت من أوسع المجلات العربية المشعة بالفكر والثقافة والعلم انتشاراً.

وكان الرجل إلى جانب توليه منصب رئاسة تحرير المجلة والإشراف على أعدادها وإخراجها، يكتب في كل عدد من أعدادها مقالين أو ثلاثة في شتى الموضوعات العلمية والسياسية والمستقبلية. وكانت مقالاته من أمتع أبواب المجلة.

ولعل الذين كتبوا عن المجلة وأعدادها الـ 250 التي صدرت في ظل رئاسة تحرير أحمد زكي لم يبالغوا حينما وصفوها بالمجلة الأخطر والأبرز على الإطلاق، والموسوعة الحية الخالدة في تاريخ العرب الحديث، خصوصاً أنها استمرت تصدر منذ عام 1958 حتى اليوم.

مؤلفات وترجمات

للدكتور أحمد زكي بعض المؤلفات التي بدأها بكتاب «مبادئ الكيمياء» في جزأين بالتعاون مع زميله الدكتور أحمد عبدالسلام الكرداني، فكان هذا الكتاب الذي صدر سنة 1915 وأعيدت طباعته عدة مرات أول مرجع عربي حديث في الكيمياء. أما الكتب التي ترجمها فقد شملت: «غادة الكاميليا»، «جان دارك»، «قصة الميكروب»، «كيف كشف رجاله».

وله أيضاً كتب «سلطة علمية» (مجموعة من أحاديثه الإذاعية)، «مع الله في السماء» (15 فصلاً حول علوم الفضاء والكون والفلك)، «بين المسموع والمقروء» (مجموعة قصصية)، «مع الناس» (مجموعة من المقالات التي عبرت عن فكره الاجتماعي والإصلاحي وفهمه للمجتمعات البشرية والمفاهيم المتنوعة السائدة)، و«مع الله في الأرض» (42 مقالاً من مقالاته العلمية في مجلة العربي).

هذا علاوةً على كتاب نشره في عام 1953 بعنوان «مجلس فؤاد الأول الأهلي للبحوث، ماضيه وحاضره ومستقبله».

طباعة Email
تعليقات

تعليقات