حديث المُقَلْ.. وجدانيات محمد بن راشد في رائعته «حدّثيني»

صورة

لصاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء حاكم دبيّ، رعاه الله، قصة عذبةٌ طويلة مع الحياة، تتجلى على أنحاء مختلفة تتكامل فيها صورته الإنسانية الرائعة، فقبل مدة ليست بالقصيرة أتحف سموه القُرّاء الكرام بتلكم السيرة الذاتية «قصّتي» المفتوحة على أفق الزمن كقصة غير مكتملة اشتملت على البديع الجميل من المواقف والعواطف الكبرى والتحديات الصعبة، والمشاعر الرقيقة التي تكشف عن الغور العميق لنفسيته وإنسانيته ومحبته للحياة الصافية الصادقة، وقد تبارت الأقلام المُحبة للكشف عن بعض الجواهر الفريدة لتلك السيرة الرائعة تنويهاً بمنزلة سموّه في النفوس، واعترافاً بجهوده الموصولة في خدمة الوطن والارتقاء بإنسانه نحو أفقٍ يتغيّاه سموه، ولا يجد محيصاً عن بلوغه مهما كانت التحديات.

فارس القوافي

ها هو صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، يُطلّ علينا بطلعته البهية في رائعة تسيل رقة وعذوبة يتغنى فيها بالجمال، ويحتفي احتفاء الفرسان بالدلال، تختال فيها الحروف وهي تتنقل في إيقاع حرف اللام الذي جعله قافية لقصيدته الجميلة، ليؤكد لنا دائماً أنه فارس القوافي وشيخ القصائد الفاتنات، وهي سُنّةٌ يحبها العُشّاق ويجدون في أوجاعها لذّة تستكين لها النفس حتى لو كانت نفس فارس عالي المقام جليل الهيبة، ورحم الله ذلكم الفقيه الكبير الجليل ابن داود الأصبهاني الذي عقد باباً بديعاً في كتابه الباهر «الزهرة»، عنوانه «التذلّل للحبيب من شيَم الأديب»، افتتحه ببيتين رقيقين لأبي نُواس يقول فيهما:

يا كثيرَ النَّوْحِ في الدِّمَنِ

                 لا عليها بل على السّكَنِ

سُنّةُ العُشاق واحدةٌ

                      فإذا أحببتَ فاستكنِ

ويا لروعة الجناح الخفيض حين يخفضه الفارس المهيب للحبيب الجميل.

حدثيني عن حديث المُقل

             وعن الشوق وليل الغزل

لكِ ثَغْرٌ حُسنه يُذهلني

             وحديثٌ فيه طَعْمُ العسل

بهذه الرقة الفاتنة يفتتح سموّه هذا المعين الصافي بهذه الحروف الرقيقة، مستدعياً حبيبة القلب للحديث عن أسرار الحب الكامنة في الطرف الكحيل، فالحب الساكن في الأعماق إنما مبدؤه لحظة إعجاب يلتقطها الطرف من عين نجلاء تفعل السحر في القلب والروح، وتشعل في الوجدان حريقاً لا ينطفئ إلا بالوصل واللقاء، فهو يطلب إليها أن تُسعفه بحديثها العذب فتحدثه عن نداء العين للعين، وعن صدى الشوق في القلبين اللذين عاشا أجمل اللحظات في ليل الغزل وروضة السعادة، وتزداد لغة القصيدة رقة وعذوبة في البيت الثاني، حيث يُفصح الشاعر عن سبب هذا التعلق بهذه الحبيبة الفاتنة الطرف، فإذا القصة قصة ثغر ساحر المبسم يسحر القلب ويذهل الروح من حسنه وجماله، فإذا أضيف إلى ذلك عذوبة الحديث الذي هو أحلى في الروح من طعم العسل اكتملت دائرة الإعجاب والشوق والحنين، وللبداوة إحساس عجيب بجمال الرّمش والمقلة عبّر عنه بعض شعرائها بقوله:

أمّ العيون السود والرمش فتّان

              اللي رمتني بحبها يا حلاها

غمّازتين الخدّ والخدّ مليان

        وطول الشعر لو طاح كله وراها

ملمح جمالي

ثم تنساب القصيدة نحو ملمحٍ جماليّ آخر من جمال الحبيبة تجلى في خدّها الأسيل الأصيل، الذي هو من أروع علامات الجمال في المرأة الحسناء، ومنذ عهد امرئ القيس والشعراء يتغنّون بجمال خد الحبيبة ولونه الأزهر المشرب بالحمرة والبياض كناية عن الحياء والخجل، وهو ما عبّر عنه سموه أروعَ تعبير في قوله:

لك خدّ لونه من خجل

           آه ما أجمل لونَ الخجل

وهذه صورة بديعة تمّ فيها تشبيه الحسّي بالمعنوي، فالخجل ليس شيئاً محسوساً، بل هو من المعاني النفيسة الكريمة الدالة على عفّة المرأة وصيانتها لنفسها، وهذا تشبيه نادر أثنى عليه النقاد ورأوْا فيه أمارةً من أمارات الاقتدار الفني والإبداع الشعري الرهيف، وهو ثمرة الإحساس الصادق والتبجيل العالي للحبيب، هذا الحبيب الذي يمارس الإعراض دلالاً واختباراً، ويستحثّ فارس القلب على طلب الوصال تأكيداً لرسوخ المنزلة وصدق المشاعر وهو ما جاء في البيت التالي في قول سموه:

عجّلي بالوصل يا مؤنستي

              فأنا المقتولُ إنْ لم تصلي

ويا لروعة هذا التعبير الرقيق الناعم «مؤنستي» فهو يستوعب كل مشاعر الدفء والحب التي يبحث عنها الفارس في قلب الحبيبة، فهل بعد أُنس الروح بالروح من مطلب؟ وهل بعد سكينة القلب من غاية؟

وتأكيداً للوعة الحنين يؤكد صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، أنّ هذا الهجر هو القاتل، فإذا أصرّت الحبيبة على الهجر والجفاء فإنه سيكون قتيلَها الذي لا دِيَةَ له، لأن قتيل الحب لا دية له منذ أن جرى دم الحب في عروق العشاق، بل إن الشعراء الفرسان هم الذين لا يسمحون لذويهم بطلب الثأر من الحبيبة، وقد عبر عن هذا المعنى الرهيف اللطيف الشاعر العباسي مسلم بن الوليد الشهير بلقب «صريع الغواني»، حيث يقول:

أديرا عليّ الراح لا تشربا قبلي

              ولا تطلبا من عند قاتلتي ذَحلي

فما حَزَني أني أموتُ صبابةً

              ولكن على من لا يحِلُّ له قتلي

أماتتْ وأحيت مُهجتي فهي عندها

               معلّقةٌ بين المواعيد والمطل

ذروة السحر

وتزداد قصيدة سموّه رقة وعذوبة، وتبلغ ذروة ساحرة الرهافة حين يتوجه للحبيبة بهذا الخطاب الرقيق فيقول:

حلوتي حلوتي

لن تغيب الشمس عن ليلتنا

               إن غمرناها بِحُلْوِ الغزل

افعلي المعروف تُجزي مثله

                 والنوايا هي كل العمل

وحين وصلت إلى هذا البيت الذي يفيض رقة ولطفاً، لم أملك نفسي من بسمة صادقة تذكرت فيها تلك الحادثة الشهيرة التي جرت بين عاتكة بنت يزيد زوج عبد الملك بن مروان، وعَزّة حبيبة الشاعر الأموي المشهور كُثيّر الذي عُرف بها فسميّ «كُثيّر عَزّة»، فقد ذكر أصحاب السّير والأدب أن عاتكةَ، رحمها الله، سألت عزّة عن قول كُثيّر:

قضى كلُّ ذي دَيْنٍ فوفّى غريمَهُ

                  وعَزَّةُ ممطولٌ مُعَنّىً غريمها

فسألتها عاتكةُ عن هذا الدَين، فقالت: كنتُ وعدتُه بقُبلةٍ ثم أخلفتُه الوعد، فضحكت عاتكة وقالت: أنجزيها وعليّ إثمُها. وقد ذكر المؤرخون أن عاتكة أعتقت عدداً من الرقاب تكفيراً لهذه الكلمة التي خرجت منها تعبيراً عن إحساسها الرقيق وتعاطفها مع لوعة القلب العاشق. وها هنا يؤكد صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، ضرورة صنع المعروف مع الحبيبة بالوصال، فإنّ الوصال يحيي القلب المعذب بالحب.

ثم كانت هذه الخاتمة التي هي أكثر من رائعة، حيث يجسد البيت الأخير القيمة الفريدة للحبيبة في قلب فارسها الشجاع، فإذا هي الدنيا بكل مباهجها وعلّاتها، ومع ذلك فهو يحب هذه الدنيا رغم العلل والأوجاع:

أنتِ لي دنيا على حَلاتها

  أنتِ لي دنيا على عِلّاتها

وأنا أهواكِ يا عمري رغم العلل

عقول وقلوب

سيدي صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم: كم هي محظوظة بك القصائد حين يفوح شذاها بهذه الحروف المضمخة بالوجد والحنين، وكم هي إنسانيتك عالية حين تفصح عن ذَوْبِ القلب ولوعة الشوق، كأنك تقول للناس: نحن لنا عقول تفكر وتبني وتنجز، ولكن لنا أيضاً قلوب تُحب وتَخْفِق وتتلوّع بجفاء الحبيب وتفرح بنسمة الحنين القادمة من وراء الجبال.. سلام على وجهك الطيب وقوافيك الرائعات.

العاشقانِ كلاهما مُتَعتّبُ

             وكلاهما متذلّلٌ متغضّبُ

صدّتْ مُراغمةً وصدّ مُراغماً

             وكلاهما ممّا يُعالج مُتْعَبُ

راجعْ أحبّتَك الذين هجرتَهم

                 إنّ المتيّم قلّما يتجنّبُ

إنّ الصدودَ إذا تمكّن منكما

           دبّ السلوُّ له فعزّ المطلبُ

طباعة Email
تعليقات

تعليقات