خاص البيان

الحراك الثقافي الإماراتي جسر التقاء حضارات العالم

يبقى الفن أعظم ما خلفته الحضارات، نظراً لأهميته في نقل تاريخ الشعوب، ونشر رسائل السلام والتسامح بين الدول، وهو ما أدركته الإمارات مبكراً، فسعت من خلال توظيف الفن والثقافة في عدة مسارات تخدم التواصل بين الشعوب والثقافات على اختلافها وتنأى بهذا الجيل عن التطرف ورفض تقبل الآخر، حيث تستضيف الإمارات العديد من المتاحف والمعارض الفنية والفعاليات مثل متحف اللوفر بأبوظبي وبينالي الشارقة وإكسبو دبي 2020، وكلها تسهم في التعريف بالدولة وإيصال رسالتها في التسامح ونبذ التطرف، عبر التعرف إلى فنون وثقافة الآخر، ما يسهم في تقريب وجهات النظر وسد الفجوات الثقافية بين الشعوب.

ويكرس الفن مفهوم التسامح من خلال الأعمال والمعارض والمتاحف الفنية المختلفة التي تقام على أرض الدولة، كما تعد مشاركة مجموعة من رواد الفن بالخارج بأعمالهم الفنية فرصة لإيصال المفهوم الأصيل للثقافة والفن في الإمارات، حيث تسهم تلك المشاريع والمشاركات الثقافية في خلق صورة إيجابية عن الدولة والمنطقة، وتعطي التأثير على المدى البعيد، مؤكدة الوجه السمح للدولة أمام ثقافات العالم.

مصير مشترك

«البيان» التقت مسؤولين ومهتمين بمجال الفنون للحديث عن أهمية ترسيخ مفهوم التسامح وتقريب وجهات النظر بين الشعوب عن طريق الفن، حيث تحدثنا بداية إلى معالي زكي نسيبة، وزير دولة، فأكد أن الفنون الجميلة هي انعكاس الروح الإبداعية للإنسان، وهي حلقة وصل بين الحضارات والثقافات المختلفة، لأنها تتكلم لغة عالمية مشتركة، وتحمل رسالة سامية تصور إبداع الخلق. وهي بذلك تعزز روح التسامح بين البشر، لأن التسامح والتعاطف بين الناس يرتكز إلى الاعتقاد الجازم بأن البشرية أسرة واحدة تتشارك التراث نفسه، ويجمعها على هذه الأرض مصير مشترك، مهما مرت بمنعطفات اجتماعية وتاريخية وسياسية مختلفة ومهما اختلفت في العادات والتقاليد والمعتقدات.

‎وقال معاليه: الفنون تستطيع أن تبني جسور التفاهم والتحاور والتعاطف بين الثقافات المختلفة، لأنها تغذي الحس الجميل لدى الإنسان وتساعده مهما كانت جنسيته أو عرقه ودينه على أن يسمو بذاته لكي يتأمل في جمال الطبيعة وإبداع الخالق فيرى كل ما هو جميل في الآخر مهما اختلف في طباعه وعاداته.

‎وإذا نظرنا إلى المشاريع العملاقة التي احتضنتها الإمارات على مدى السنين الماضية، مثل: فن دبي وبينالي الشارقة ومهرجان الفجيرة الثقافي وفن أبوظبي والمهرجانات والمعارض المحلية والعالمية المختلفة، نجد دائماً أن الفعالية الثقافية للدولة وتفوقها المعرفي والثقافي طغت على الصورة النمطية التي كانت تسود قبل ذلك بالنسبة لمجتمعات الخليج العربي. وقد جمعت البلاد فعلاً بين حضارات وثقافات مختلفة تعكس ثراء التركيبة الاجتماعية الغنية في الإمارات، حيث تعيش أكثر من 200 جنسية، تتعامل وتتعاون وتتعايش في طمأنينة ووئام.

رسالة عالمية

و‎يضيف معالي زكي نسيبة: كما أن مشروعاً حضارياً ضخماً، كمشروع متحف اللوفر أبوظبي يحمل رسالة عالمية تلخص روح التسامح التي تمثلها الإمارات عبر التاريخ، مفادها أن حضارة الإنسان انبثقت من منابع متشابهة، وأن التسامح والتآزر والتفاهم والتعاون صفات الإنسان المبدع على مر الأزمنة هي المعبر اللازم لتفهم الفنون الجميلة وتذوقها.

‎ومن وجهة نظر نسيبة، لا تنقل كلمة التسامح كمفردة الصورة الكاملة عن مفهوم هذا الشعور الإنساني النبيل الذي يسمو بنا لكي نحلق معاً في فضاء مشترك يحترم فيه كل منا الآخر بما يحمل من معتقدات وعادات وثقافة مهما اختلفت، وننظر إلى ما هو مشترك بيننا لكي نترفع عن الاختلافات السطحية؛ لأننا في آخر المطاف نعترف بأن لكل إنسان خصوصيته التي لا تضرنا في شيء طالما أنها لا تتعدى على الفضاء الشخصي للآخرين. ولعلنا في المستقبل نستطيع أن نجد مفردة جديدة تعبر بشكل أوفى عن هذا المفهوم الإنساني الرائع الذي يمثل بأبلغ صورة الطبعة الوراثية لشعب الإمارات.

واقع معيش

وفي السياق نفسه، أشار الشيخ سلطان بن سعود القاسمي، مؤسس «بارجيل» للفنون، إلى أننا إذا نظرنا إلى معارضنا الفنية منذ السبعينيات سنلاحظ أنها تضم جنسيات مختلفة من أنحاء العالم، إضافة إلى اختلاف أديانهم ومعتقداتهم وأعراقهم ولا ننظر لهذه الاختلافات أبداً، ففي جناح الإمارات بمهرجان البندقية 2009، كان هناك مشاركون غير إماراتيين مثل الفنان طارق الغصين وهو كويتي من أصل فلسطيني، لذلك نحن دولة تحتضن المهارات مهما كانت الجنسية وهو ما يعكس تسامح الإمارات وتقبلها للغير وللأفكار المختلفة، وهو واقع نعيشه ونلمسه من نشأة الإمارات إلى الآن، وهو ليس بجديد علينا.

تصحيح أفكار

وتابع: عملت أول معرض عربي في إيران وكان يهمني أن يكون هناك حضور لفنانين من مملكة البحرين ومن السعودية، حتى يكونوا من ضمن الفنانين العرب المشاركين، لنبرز أفكارنا وثقافة الفن لدينا، لأنهم لا يعرفون شيئاً عن مجتمعاتنا وتفكيرنا وقد تكون لديهم أفكار مغلوطة ومختلفة عنا، كما أنه لا بد أن يتجه تركيزنا على دول الشرق والجنوب العالمي لنعرض في متاحفهم ومعارضهم الفنية لتعريفهم بثقافتنا، وليس التركيز على الغرب فقط ومن منطلق عمقنا الاستراتيجي لا بد من مشاركة الهند وأذربيجان وغيرها من دول شرق آسيا، فمجال الفنون في الإمارات من أكثر المجالات التي تضم جنسيات وأعراق مختلفة، والفن في الإمارات ينمو نمواً طبيعياً دون قرارات وزارية أو حكومية، وهو كان ومازال نابعاً من مجتمعنا الإماراتي ولا بد أن نقوم بإبرازه وتعزيزه.

لغة الفن

وأكدت منيرة الصايغ، مقيمة فنية، وجود حس التسامح والتفاهم في الفن، وقالت: الفن يسمح بأن نعبر عن رأينا ويكشف طريقة تفكيرنا ويوضح للمجتمع الآخر الثقافة والفن لدينا ويفتح موضوعاً للحوار مع الآخرين، فالفن هو لغة توصل الآراء والأفكار التي تخصنا كمجتمع عربي بطريقة دبلوماسية للناس، كما تتحدث عنا من خلال الأعمال الفنية التي يطرحها الفنان، حيث إن فكرة التسامح التي هي بين الفنانين من ضمنها تقبل الآراء.

وبالنسبة للتبادل الثقافي عن طريق الفنون تقول: من وجهه نظري، لا بد من أن نعزز مفهوم الفن لدى الفنانين ليكون أساسياً وقوياً ولا يتأثر بأفكار الآخرين، ومن وراء هؤلاء ينطلق الفن إلى العالمية لتمثيل مجتمعنا وثقافتنا، حالياً هناك فنانون لم ينضجوا فنياً لينطلقوا، والموجودون على الساحة الفنية حالياً هم رواد الفن كمشاركة الفنان محمد أحمد إبراهيم بالخارج، والتي توضح أن لدينا فناً وتاريخاً منذ فترة السبعينيات رسخ تقبل الاخر، لنؤكد أن الفن ليس بالشيء الجديد، فالتفكير والإبداع والفنان المتميز موجود قبل ظهور المؤسسات الفنية الحديثة الموجودة حالياً.

برشلونة إلى أبوظبي

وعن مشاركته بمعرض «برشلونة إلى أبوظبي»، قال القيّم الفني ناصر عبدالله: خلال مشاركتي في تقييم معرض «من برشلونة إلى أبوظبي» بتنظيم من مجموعة أبوظبي للثقافة والفنون والذي عرض مجموعة من مقتنيات متحف برشلونة للفن المعاصر، إلى جانب أعمال 20 من فناني الإمارات، وكانت الفرصة كبيرة للتواصل مع القيّمين على المتحف الأوروبي العريق وتعريفهم بالإمارات عن قرب، وما تزخر به من زخم ثقافي وفني كبير، والذي لمسوه لدى زيارتهم للعديد من المعالم الثقافية والفنية أهمها لوفر أبوظبي ومعرض الفنان الراحل حسن شريف الذي نظمته مؤسسة الشارقة للفنون وعدد من صالات العرض. وأضاف: بالتواصل لاحقاً مع القيم على المعرض، أكد أن التجربة كانت مثمرة ومهمة باعتبارها الأولى من نوعها للمتحف في الشرق الأوسط.

وأشار ناصر إلى تقديمه عرضاً للتعريف بالتجربة في صالة المركز الثقافي لبلدية مدينة برشلونة بحضور أكثر من 300 شخص، مؤكداً أنه كان أشبه بسفير للبلاد، يتحدث بالتفصيل عن قيمة التجربة والحضور في الإمارات والإشادة بمنجزاتها الثقافية والحضارية.

وتابع عبدالله: أهمية هذه التجربة تكمن في الصورة التي نقلها المشاركون وضيوف الدولة لدى عودتهم إلى بلدهم وما يوصلونه ارتقاء الدولة ووصولها لمستويات عالية من وجود بنية تحتية ثقافية ترتقي لمستويات عالمية.

وأضاف أن الفن بمدارسه يعبر عن التنوع البشري والفلسفات التي يحملها تمثل أفكار الفنانين ووجود أشكال متنوعة من الفنون في بلد واحد يعبر عن تقبل لمختلف الآراء، وهذه هي رسالة الإمارات التي تضم التنوع البشري باختلاف ثقافاتهم وأفكارهم وفنونهم، وهو بحد ذاته فرصة لمواجهة أي شكل من أشكال التطرف، فالحوار مع الآخر بكل ما يحمل من فكر، سواء اتفقنا معه أم لا، هو سبيلنا لنشر التسامح والتعايش بين الناس.

تعزيز التسامح

من جهتها، قالت خلود خلدون العطيات، مدير الفنون والثقافة والتراث في مؤسسة سلامة بنت حمدان: «تعد الفنون لغة عالمية، ولذلك لا شك أن يكون لها دور كبير في تعزيز مفهوم التسامح، فمن خلال التأمل في أطياف الفن المختلفة، وزيارة المتاحف والمساحات الإبداعية الثقافية، فإننا نستحضر لحظات شخصية وإنسانية غيرت مجرى التاريخ، كما أنها تعد مرآة تعكس لنا إنجازات الدول وتاريخها، فضلاً عن ثقافة المجتمعات وتراثها. ولذلك فإن إثراء المشهد الفني لأي مجتمع في حاضره يشكل نقشاً في ذاكرة الزمان يوثق حضارته وإنجازاته وموروثه الثقافي للأجيال المستقبلية. وبطبيعتنا البشرية، فإننا عادة ما نتهيب المجهول، ولذلك فإننا أحياناً نعجز تكوين تصور صائب حوله. وهنا يبرز دور الفن كوسيلة لتبادل المعرفة حول تاريخ الشعوب والثقافات، وبالتالي إزالة الغموض الذي يكتنف المجهول، ويساعدنا على تقدير بعضنا البعض وتبني أوجه التشابه لدينا واحترام اختلافاتنا».

رموز تاريخية

وأضافت العطيات: «في الإمارات، حرص المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، على مد جسور الحوار الثقافي مع مختلف دول العالم، بهدف عكس هوية الدولة وترسيخ صورتها المشرفة في أوساط المجتمعات الأخرى.

وقد كان لتبادل الأفكار والقيم بين الدول دور فعال في تجسير المسافة بين الشعوب من مختلف الثقافات، وكان قد أصدر أوامره في الستينيات من القرن الماضي بإنشاء متحف العين، أحد الرموز التاريخية باعتباره أول متحف بالإمارات، بهدف الحفاظ على تاريخ الأجداد، وفي الوقت نفسه تعريف الأجيال الناشئة من أبناء الدولة بحياة مجتمعاتهم الغابرة وإنجازاتهم على كل الصعد، الأمر الذي يؤكد قناعته وإيمانه الراسخ، رحمه الله، بأن الفن وسيلة لكي تتعرف الأجيال الناشئة إلى نفسها بشكل أفضل، فمن لا ماضي له لا مستقبل له، وكذلك مشاركة تاريخها وموروثها الثقافي مع مختلف شعوب العالم.

وأضافت العطيات: «يأتي إعلان صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، عام 2019 في الإمارات «عام التسامح»، تأكيداً على مكانة الدولة كمثال يحتذى به للتعايش بين مختلف الثقافات، لما يمتاز به نسيج المجتمع الإماراتي المضياف من تنوع وتجانس، حيث يعيش الجميع من مختلف الثقافات والعقائد بسلام، وتسود بينهم روح الاحترام والتسامح والتقدير المتبادل».

واختتمت العطيات حديثها قائلة: «تستقطب المشاريع الثقافية والفنية اليوم، مثل متحف اللوفر أبوظبي، وبينالي الشارقة، الزوار من مختلف الثقافات والأعراق، وذلك ما يجعل من الفنون نافذة لتقارب الشعوب والثقافات. وتسهم مثل هذه المشاريع الفنية والثقافية في الارتقاء بمكانة الدولة على الساحة العالمية كمنارة متعددة الثقافات للتسامح وكرمز للتجانس والتعايش السلمي تحت مظلة الاتحاد».

طباعة Email
تعليقات

تعليقات