أمس واليوم

الحب في جزيرة العرب.. شعر وعشق وعفاف

صورة

بعيداً عن الأسماء المشهورة لعشاق جزيرة العرب كقيس بن الملوح وليلى العامرية، أو عنترة العبسي المضري وابنة عمه عبلة، أو كُثير الخزاعي وعزة الكنانية «كُثير عزة»، وأسماء أخرى كثيرة عاشقة من جزيرة العرب، قرأنا عنها طويلاً لمجرد العشق والفراق.

إلا أنه في المقابل هناك أسماء أدى الغرام إلى موتها، وقد تنصل الكثيرون عن كتابة هذه القصص أو حتى تصوير ملامح سيرتها، ونقترب اليوم لنقدم هذه الأسماء العاشقة التي صدت كل من حولها لتموت وتحيا في ذاكرة التاريخ حبًا.

مضاضة وميّ

في زمن قبل الإسلام بكثير، كان مضاض بن المهلهل وهو من بني جرهم، ملكًا على مكة، فأهله بني جرهم من سدنتها قبل قريش بكثير، بالإضافة إلى أن ملك اليمن كان عمًّا لمضاضة الوسيم جدًا، فلوسامته كانت تضرب الأمثال، وهو المعلق عشقًا بابنة عمه ميّ بنت المهلهل، ابنة سادة جرهم، فلا يرى غيرها.

حيث جمالها يُضرب فيه المثل أيضًا، لكن أبو قبيس الجرهمي، الذي سمي جبل أبو قبيس الواقع غرب مكة باسمه، كان العاذل بينهما، لكونه مغرمًا بميّ لكن من طرف واحد، وأيضًا هناك رقية الفتاة المكية المتعلقة بمضاضة ومن طرف واحد أيضًا.

ظل مضاضة الذي بلغ به العشق مبلغه لمي، والذي تنازل عن حكم اليمن بعد وفاة عمه الملك بسبب عشقه لمي، ظل حاكمًا على مكة فقط، ولكن حدث ما لم يكن على البال، ففي يوم قائظ، طاف مضاضة وكانت الفتاة رقية أيضًا في الطواف، وهي المغرمة به، لتفتعل العطش الشديد وتنادي مضاضة يسقيها، وإلا ماتت عطشًا، فأسقاها أمام الناس، لتراه ميّ، فحزنت للمشهد، حيث تبالغ رقية وترمي بجسدها على الأرض مفتعلة التعب، ويجلس مضاضة قبالها يريد الاطمئنان.

ويذهب أبو قبيس الجرهمي ليلوك مشهد الطواف بينهما شعرًا ومبالغة لأيام عديدة بهدف استفزاز ميّ، فيذكر في قصائده الموقف كذبًا كيف مضاضة عشق رقية أثناء الطواف، حتى وصلت ميّ إلى قرار أعلنت لوالدها بعدم رغبتها المكوث في مكة، وأنها تريد الرحيل إلى حيث أخوالها عند بني قضاعة، بعد أن كسر مضاضة قلبها. رحلت ميّ ليلحق مضاضة بقافلتها، ويكلمها، فلا تجيب، حتى أصرَّ قائلاً: «إن لم يكن وصلاَ فقولي ولو كلمة، فلم تقل ميّ سوى: «والله لن ألقاك بعد اليوم».

رد مضاضة:«كل ذلك من أجل سقيي لرقية؟ فإن كان هذا سببًا قد أحزنك، فوالله لن أشرب ماءً بعد اليوم».

كان مضاضة عند قسمه، ولم يشرب الماء حتى مات عند قبور قومه بعد شهرين، لتسمع ميّ عن خبره وموته، فشدت رحالها إلى موطنها، حيث مكة وحيث القبور لتزوره، فلم تشرب ماء حتى ماتت عطشًا مثله وتمامًا عند قبره.

عبدالله وهند

ومن الذين أصيبوا أيضًا بأعراض الحب، عبدالله بن العجلان النهدي، الذي كان متيمًا بزوجته هند بنت كعب وهي من قبيلته أيضًا، أي من بني قضاعة في حضرموت باليمن، عاشت له زوجة وحبيبة مدة 7 سنوات دون إنجاب، ولأنه سيد قومه، خشي والده، الأكثر مالاً ومكانةً في قومه، من انقطاع نسله، وهو الابن الوحيد له، ليُكرهه على تطليق زوجته العاقر والزواج بغيرها.

وكما ذكر إسحاق بن مرار الشيباني، محرر أخبار العرب، وهو من الثقات وصاحب معجم الجيم، الذي يعد أشهر كتاب الحروف في اللغة من حيث النوادر وخلق الإنسان والحيوانات وغرائب الحديث، أنه تم الطلاق رغمًا عنه وتحت ضغوطات عالية، بحيث خاصمه أبوه وأقسم على أنه سيظل يخاصمه حتى يطلقها، لكنه أبى طويلاً تطليقها، فسخر منه أبناء قبيلته بأنه رجل لا قرار له بسبب هذا الغرام، حتى طلقها ذات يوم دون وعي، فقيل إنه فعلها وهو ثمل، رغم أن هند نصحته ذات يوم بعدم الذهاب من منزلها لأنهم سيصرون على التفريق بينهما، ولم يفعل بنصيحتها، ليندم بعدها وأصبح سقيمًا لفراقها.

خاصةً أن هند، وبعد عودتها إلى منزل أبيها، قام شاب من بني النمير بخطبتها من والدها، فتزوجها لترحل معه إلى دياره، تاركة ديار أبيها، بعد هذا الفراق، رفض عبدالله الزواج من أية فتاة في الحيّ ممن عرضوا عليه، وتحول إلى رجل بكاء وشاعر متعب... حتى رحل يومًا إلى أرض زوجها دون خوف، ليقصد هندًا في دارها، فأبصرها جالسة عند حوض ماء أو بئر، وزوجها يسقي الإبل من مائه، حينها رمى عبدالله نفسه من إبله ليزحف عليها وهو عاشق سقيم، لتقبل عليه هند حتى تعانقا ويبكيان وينشجان ويشهقان... فسقطا على وجهيهما، نظر زوجها إليهما وأتاهما ليجدهما قد فارقا الحياة معًا.

عتبة وريّا

تتغير الأزمان ولكن بعض المصائر تبقى متشابهة، فحسب ما روى عبدالله بن معمر القيسي، أنه وأثناء وجوده في الحجاز وأمام قبر النبي، سمع أحدهم يلقي قصيدة جميلة وبصوت شجي يعبر عن عشقه وشوقه لمحبوبته، حتى انقطع الصوت إلى البكاء والنشيج، ثم عاد الصوت بأنينه لينشد من جديد، أخذ يتتبع الصوت حتى وجده شابًا وسيمًا، قابله وتعرف عليه بصعوبة، فالشاب لا يبالي به، حتى أقنعه القيسي بأنه تاجر أتى إلى الحجاز ليلبي زواج الشباب غير المقتدر، ويساعدهم في شؤون المهر والتكاليف.

فكان الشاب العاشق من الأنصار يدعى عتبة وهو ابن للصحابي الحباب بن المنذر بن الجموح الأنصاري، قد عشق فتاة جميلة جدًا رآها في مسجد الأحزاب يومًا، وقد رحلت مع والدها إلى الكوفة، وهي ريّا بنت الغطريف السَّلمي وهي من قبيلة عريقة، كما انها شاعرة من شاعرات العصر الأموي، وفصيحة وذات مكانة وجمال، وهيهات أن يزوجوه وهو من الأنصار.

وعده التاجر بزيارتهما من أجل خطبتها عند أبيها، سعد بالخبر وذهبا بعد أيام متوجهين إلى مدينتها، وهناك استقبلهم والدها، وأكرمهم لكنه لم يشأ أن يوافق بسبب أصله الأنصاري، بينما هو سيد من السادات، احتار واستشار ابنته، بأنه لا يستطيع أن يرفض زواجها منه وهو ابن لصحابي، لتقترح على والدها أن يزيد من مهرها كي يعتذروا ويرحلوا.

ولا يقول أحد بأننا رفضنا ابن صاحب الرسول... زاد والدها في مهرها وهداياها ولم يعجز صاحب عتبة التاجر عن شيء، حتى اضطروا للموافقة، ليتم الزواج، وصار العشق بينهما متبادلاً، وحين عادا إلى المدينة المنورة، مع المهر والكثير من الهدايا القيمة، اعترضت قافلتهم قطاع طرق وأغاروا عليهم.

وكان الحباب شجاعًا في الدفاع عن قافلته ورجاله، لكنه طُعن طعنة قاتلة بعد أن هزمهم وفروا عنهم، لتشهق ريا وتذهب إليه وتصرخ وتبكي وهي تمسك به لتموت مباشرة معه، وحسب الرواية بأنهما دفنا مع بعضهما في قبر واحد، رغم شكنا في ذلك، فالأصح أنهما دفنا بجانب بعضهما البعض.

حكايات العشق

كثيرة هي حكايات العشق في جزيرة العرب، لكننا هنا أردنا ذكر من مات منهم بسبه، ومن الطرفين، لنجد قصصًا منسية عديدة، اختلطت بعضها بالأساطير من جراء إهمالها الطويل بعدم كتابتها، لذا اعتمدنا مصادرنا الأكثر شهرة، مثل كتاب «التيجان»، الذي تحدث عن ملوك حمير في اليمن وأطرافها، للمؤلف وهب بن منبه، وعن تلك القصص التي فجرت قصصًا من أقاصي الزمن المضيء بالحب، لتصلنا اليوم وهي ما زالت تفيض وممتدة بذاكرتها الوفية بولاء العشق حتى الموت.

مسعدة ورملة

يذكر في كتاب «تسريح النواظر» أن شاباً شجاعاً ووسيماً يدعى مسعدة بن واثلة الصارمي، قد اختلف مع عمه على إرث أبيه من الإبل، ليرحل غاضباً عن قبيلته ويقيم عند قبيلة أخرى «بني نهلة»، لكن مسعدة خرج ذات يوم ليجد فتاة تصعد بعيرًا وتشده نحو الماء لتملأ سقايته، ولأنها متعبة، رمت السقاية عليه بعد أن استأذنته لملئها، عبأ الماء لها.

وحين سلمها السقاية ومدت يدها ارتفع ثوبها عن زندها الذي كان كالبلور الصافي كما وصفها، وارتفع البرقع ليجدها مشرقة، فرحلت مبتسمة، بينما هو مندهش لما رأى، ليأخذه الصمت طويلاً وأيامًا، حتى خشي زهاق نفسه من التفكير بها بعد أن داخله العشق بقوة، ليمضي متغيرًا حاله، وهكذا أخذ يستفسر عنها عند صديقه، بعد ان اشتكى له عن حاله وحبه، فقد تغير حال قلبه ولم يعد كما كان.

علم صديقه بأنها رملة بنت أثيلة بن مصقع، فتم إرسال أحدهم ليبلغها عما داخله من عشق لها، لتمضي الأيام فيدخلها العشق ما داخله، فيعلم أهلها، وخافوا عليها، فقرروا أن يحجبوها في الديار ولا تخرج.

قام أحدهم يبلغه بذلك، ليخرج خائفًا عليها، وقد داخله الكثير من القلق، فرحل بعيدًا عنها، لكنه خلال الطريق، أتته إشارات من أصوات ورؤى ومشاهد من الطبيعة وغير ذلك... ليعتمد عليها كدلائل لما يجري له وما جرى خلفه.

كالطير الذي طار عن يمينه أو عن شماله، أو المفردات لأبيات يسمعها من أحدهم، فكانت كلها تشعره بالشؤم، حتى أتاه أحدهم يلقي بيتًا من الشعر حين برق الفجر وهو كان قد قام للتو من غفوته، كانت دلالته عن المنية، ليسأله عن الميت، ويجيبه، بأنها رملة، فقد توفيت.

سقط مسعدة مغشيًا عليه، ليحملوه إلى بيته، وكان يفيق لينشد الأشعار عنها ولم يعمر كثيرًا بعدها، فمات حزنًا وكمدًا.

قيس الكناني.. الهائم بلبنى

ذهب قيس بن ذريح الكناني يوماً إلى ديار بني خزاعة، فخرجت له فتاة طويلة وجميلة ومبتسمة، أسقته الماء ودعته إلى دار أبيها، وتحدثت معه، حتى مال قلبه لها، طلب من والده أن يخطبها له، رفض لتفضيله بنات عمه عنها، فتوسط قيس الحسين بن علي، فهو حفيد النبي، ولن يُرفض.

تزوجا وعاش قيس مع لبنى سنينًا دون إنجاب، فأصر والده تزويجه كي لا ينقطع نسله، ومع رفض قيس الدائم، لامته أمه بأنه لم يعد يبرها بسببها التي كانت تقول له لا تطلقني فتهلك وتهلكني معك، لكنه بعد عام طلقها، ليزوجها أهلها، ولكنها لم تستمر معه، وماتت في عدتها من زوجها الثاني ومات قيس في ذات يوم وفاتها.

بشر وهند.. مساجلة غرامية

في كتاب «مصارع العشاق»، ذكر عن بشر الأسدي كيف تعلق بفتاة تدعى هند بنت سهيل الجهنية، وهي سيدة جميلة ومتزوجة، كان قد رآها بشر وهو يمر القرى وجدها فتاة جميلة جداً وأحبها كثيرًا وتعلق بها رغم أنها زواجها من آخر، حتى وصلت أشعاره عنها للجميع، لكونه يريد فقط نظرتها، وترد عليه هند بقصائدها، فكانت مساجلة شعرية جميلة بينهما.

أخذ الحوار الشعري بينهما يأخذ شهرته، وأصبح واضحًا للأسماع ليصل إلى الجميع، فمرضت مرضاً شديدًا، ليزورها فوجده زوجها معها في داره، فاشتكى ليتم تطليقهما، لكن هند أبت أن تتزوجه لشعورها بالفضح، فمرض بشر مرضاً شديداً برفض هند الزواج به، لتموت هند بعده، فغسلوهما معاً ودفنا.

الصمة القشيري وريا العامرية

اتفق النقاد أن أجمل غزل في الشعر العربي هو لـ«الصمة القشيري»، في عشق ابنة عمه ريا العامرية التي طلب عمه لها مهرًا 100 ناقة حمراء، ورغم ثراء والده لكنه رفض، فتوجه إلى عشيرته ليجمعوا له 99 إبلاً ولكنها مختلفة الألوان، رفض عمه وقال أرجعها وهاتهم حُمرًا وأكملهم مئة، ليعود الصمة إلى أبيه ليكملها، ليرفض ويغضب الصمة، ويهاجر من نجد إلى دمشق الأموية.

وهناك سمع بأنه تم تزويج ريا لرجل قبيح الوجه قصير القامة، فهجاه الصمة، وتوفي بعيدًا، ليجدوا لديه قصيدته الأجمل في غزل ريا، مطلعها: «وما أحسن المصطاف والمتربعا بروحي تلك الأرض ما أطيب الربا».

6

ربيعة بن مالك الملقب بـ«المرقش الأكبر»، أحد عشاق العرب المشهورين من القرن 6 الميلادي، لأسماء بنت عوف بن مالك، زوّجها والدها في غيابه، وقال فيها أرق أشعار الغزل وهو يلحق بها حتى مرض ومات.

644

ولد في هذا العام الميلادي، عمرو بن أبي ربيعة، من بني مخزوم، شاعر بهي الطلعة، وقصائده الغزلية مشهورة جدًا، قالها ولم نعرف فيمن، لكنه كان يعيش حياة الدعة والرخاء فكان ينشد للحسن في كل مجلس.

1972

لحن الرحابنة قصيدة العاشق الصمة بن عبدالله بن الطفيل القشيري، وهي غزلة في ابنة عمه ريا، «بروحي تلك الأرض» غنتها فيروز في هذا العام بأجمل ما يكون.

 

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات