الأدب الإماراتي خطاب وطني يُعزّز الولاء والانتماء

صورة

للأدب عموماً مهام متعددة، أولها الترفيه، وليس آخرها زرع القيم وعكس الأصالة وحفظ التراث. وقد بذلت جهود عدة رسمية قامت بها وزارات وهيئات الدولة وفردية قام بها كتاب وأدباء، في سبيل أن يتحمل الأدب بأنواعه نصيبه من المسؤولية الوطنية، منها جهود اتحاد كتاب وأدباء الإمارات الذي سعى لرفد مناهج اللغة العربية بنصوص أدبية إماراتية، وتنظيم مسابقات أدبية سنوية للطلبة في المدارس الحكومية في مختلف المجالات، وذلك في إطار الحرص على الارتقاء بالموهبة الأدبية لدى الطلبة وتشجيعها، ونشر الوعي والمعرفة والثقافة الإماراتية بينهم، ودعم قدراتهم في هذا المجال.

ورغم أن الأدب الإماراتي بفنونه المختلفة والمُتعدّدة، أدى في معظمه تلك المهام على الوجه الأكمل، فإن طرح الأسئلة التالية ضروري، ما دوره في تعزيز الهوية الوطنية؟ وما رسالته التي يقدمها للجمهور المتلقي من قيم الانتماء والولاء في النص الشعري أو الرواية أو القصة القصيرة؟ وهل واكب الأدباء التطورات والمتغيرات الحاصلة في المجتمع؟

التقت «البيان» مجموعة من الأدباء الإماراتيين، شعراء وكتاب، للإجابة على الأسئلة المطروحة، فجاءت إجاباتهم وطرحهم مؤكداً للدور المهم للأديب الإماراتي في تناول قضايا المجتمع، وتأثير النتاج الأدبي من خلال المنصات الشعرية أو الأعمال الدرامية التي ساهمت بشكل أو بآخر في تسليط الضوء على قيم الولاء والانتماء وتعزيزها، ومواكبته للمستجدات والمتغيرات.

دور كبير

يقول الشاعر خالد الظنحاني، رئيس جمعية الفجيرة الاجتماعية الثقافية، إن للثقافة عموماً والشعر على وجه التحديد، دوراً كبيراً وتأثيراً في ترسيخ مبادئ الدولة وقيمها، وتعميق معاني الولاء والانتماء للوطن والقيادة الرشيدة، فضلاً عن تعزيز الهوية الوطنية في نفوس أبناء الوطن؛ لأن الثقافة من أهم ركائز عملية التنمية والتقدم إلى الأفضل للوطن والمواطن.

وبالتالي فالشعراء شركاء في العملية، ويقع على عاتقهم الكثير والكثير من المسؤوليات من حيث البذل والعطاء والإنجاز لرفعة الوطن وتقدمه، كما أن الشعراء معنيون بشكل كبير بالمشاركة الفاعلة والخلاقة في خدمة الوطن، ذلك لأنهم يحملون الوطن بماضيه وحاضره ومستقبله في قلوبهم، ويستشعرون قضاياه وهمومه وتطلعات أبناء شعبه في وجدانهم، وبالتالي يُعبّرون عنه بصدق وإخلاص من خلال قصائدهم التي يُبدعونها في مختلف المناسبات والفعاليات الوطنية.

بعد وطني

وقد قدم شعراء الإمارات خلال مسيرتهم الأدبية أروع القصائد الوطنية والاجتماعية التي تميزت بلغتها العالية في حب الوطن، ومفرداتها ذات الطابع العصري، والذي يعكس ملامح أثيره من الحياة الواقعية في دولة الإمارات.

وهو ما عكس تطور البُعد الوطني وأخلاقيات الشاعر الإماراتي الذي تربى في مدرسة المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، القائمة على قيم المحبة والتسامح والسلام وحب الوطن واحترام الإنسان.

عامل مؤثر

وترى الشاعرة سليمة المزروعي، مدير بيت الشعر الفجيرة، الخطاب الأدبي باختلاف أنواعه، عاملاً مؤثراً في العقول التي تتلقاه، تبعاً لرسائله التي يحملها في قضية ما أو موضوع معين. فهو يمرر قيمة وطنية لفظية كما في الشعر، قصصية كما في القصة، مرئية كما في المسرح وضمنية كما في الرواية.

وقالت مدير بيت الشعر الفجيرة: بالنسبة للوطنية وتعزيز الولاء فهو موضوع مهم جداً، ويرتبط وجودياً بفهم عميق لمعنى الأرض والوطن والانتماء للجذور، وهو من الموضوعات الحساسة والثائرة في الوقت عينه، فتأثيره سريع في أفراد المجتمع بكل أطيافه، ولهذا، فدور الكاتب قوي؛ لأن لديه القدرة على التأثير دون غيره من الناس، خصوصاً في المجتمعات التي تحترم الأدب وتقدرّه وتأخذ به.

تأثر

وأضافت المزروعي: الأديب ابن مكانه وزمانه وبيئته، فهو يحمل رسالة في داخله، وينقلها أو يعبر عنها عن طريق أدبه، فمن الطبيعي أن يتأثر بما حوله من قضايا وهموم ويؤثر فيها بطريقته وبنوع أدبه الذي يتبناه، فقد يكون توجيهياً ويقود أفكاراً كثيرة، منها تعزيز الولاء والانتماء للأرض.

وتتجدد الموضوعات الأدبية مع التغيرات، وتُستحدث موضوعات على مستويات عدّة مثل الاجتماعي والوطني وغيرها. وهذا أمر صحي وطبيعي، ويؤكد أن الأديب، شاعراً كان أم روائياً أم قاصاً أم مسرحياً، يلعب دوراً واضحاً في نقل ما يعيشه مجتمعه، أو يسهم في التأثير بما يحيط به بطريقة أدبية يتقنها دون سواه وتميّزه بها دون غيره.

أدوات اتصال

ويرى الكاتب والروائي د. حمد الحمادي، أن الأدب بمختلف مجالاته، أداة من أدوات الاتصال وإيصال الرسائل التي رسخت مكانتها منذ القدم، ولا تزال محتفظة بتأثيرها رغم انحسار الوسائل الأخرى وتغيرها مع مرور الزمن.

وقال: ساهم الأدب الوطني في إيصال الرسائل الوطنية للشعوب منذ القدم، فعلى سبيل المثال ساهم الشعر الوطني في إيصال الرسائل إلى الشعوب خلال الحروب السابقة والكوارث المختلفة التي تعرضت لها بعض الدول. واليوم نجد أن الشعر الوطني لا يزال وسيلة اتصال ناجحة حتى في عصرنا الحالي.

رسائل

وواصل الحمادي: تحضرني هنا الإشارة إلى القصيدة الوطنية التي قدمها شاعر الوطن جمعة الغويص خلال الحفل الرسمي لليوم الوطني 47، وكيف تأثر الجميع بالقصيدة ورسائلها الوطنية.

وتابع: على الجانب الروائي لعبت الرواية الوطنية السياسية دوراً مهماً في إيصال الرسائل الوطنية حول القضايا المختلفة للفئات المجتمعية، التي قد لا تطلع على الأخبار الرسمية والبرامج والكتب الوثائقية على سبيل المثال. ومن هنا يبرز الدور المهم للرواية الوطنية التي تمزج القصص الاجتماعية بالوعي الوطني تجاه قضايا الوطن.

حملة راية

الكاتبة الإماراتية إيمان اليوسف التي اختيرت خلال العام الجاري في برنامج جامعة «آيوا» بالولايات المتحدة، كأول إماراتية تحصل على الزمالة في الكتابة الإبداعية في أعرق برنامج في الكتابة الإبداعية، حيث عملت ضمن البرنامج على التعريف بالأدب الإماراتي منذ نشأته وحتى اليوم، إضافة إلى التراث الإماراتي والحضارة والهوية التي يجهلون، وذلك في العديد من جامعات مختلف الولايات الأميركية.

وتقول: لولا ما أكتب وكتبت، وما يخط كل أديب إماراتي لما وصلنا لما نحن عليه اليوم، ولما سمع العالم صوتنا. اليوم نحن ككتّاب وفنانين تشكيليين وموسيقيين، نشارك في معارض الكتاب والأيام الثقافية حول العالم، نحمل راية وطننا في شتى المحافل حول العالم، نوثق ونكتب قضايانا وتاريخنا وحاضرنا، وليس أفضل من الأدب ليقوم بهذه المهمة حيث عزز وعلى مر التاريخ لهويات الأوطان والانتماءات أبنائها.

توثيق

وحول مدى مواكبة الأدباء للقضايا الوطنية والمجتمعية قالت: كتبت الإماراتية نادية النجار «ثلاثية الدال»، روايتها الثالثة التي فازت بـ«جائزة الشارقة للإبداع 2017» حول قضية غرق السفينة «دارا» في مطلع الستينات وحتى يومنا هذا، متحدثةً عن قضايا الهوية وقبول المختلف والتعايش.

كما كتبت صالحة عبيد روايتها الأولى «لعلها مزحة» موثقة جزءاً مهماً من تاريخ الشارقة. وتكتب ريم الكمالي في «سلطنة هرمز» و«تمثال دلما» عن تاريخ المنطقة بحذق وعمق ودراية بارعة. وهذا تأكيد بأن الكاتب الإماراتي اليوم يواكب قضايا وطنه كما يوثق له ويحلل التاريخ.

إذ تأتي الروايات خليطاً أنيقاً من نظرة فاحصة شاملة حتى ليتحول بعضها إلى أعمال درامية كما حدث مع رواية «ريتاج» لكاتبها الإماراتي د. حمد الحمادي، والتي تحولت إلى المسلسل الناجح «خيانة وطن». ومازالت تتشكل وتتطور مع التغييرات واحتياجات الواقع الذي نعيشه. فالرواية الإماراتية اليوم تُترجم وتنافس وتتصدر على الصعيد العربي والعالمي وبجدارة.

ملامح انتماء

وترى الكاتبة الإماراتية مريم الزرعوني، أن كل مبدع في مجاله شاعراً كان أو مسرحياً أو روائياً أو قاصاً، يجمعهم الخيال المستقى من الواقع والتجربة وتلاقح الأفكار.

وسواء كتب المبدع خيالاً محضاً أم جعله لوحة مركبة من قطع واقعية، وأخرى من المخيلة أو حتى كتب الواقع بحذافيره كان واجباً عليه أن يضع أطره الخاصة فيما يتعلق بإبداعه ونهجه، لاسيما توجهاته ورسالته التي من أجلها تخصص في هذا اللون، كل ذلك لابد أن يحكمه الوطن ومصالحه.

تكريس

وواصلت الزرعوني: الأفكار الشاذة التي لا تصب في توجهات الوطن يجب أن تستبعد، فالمبدع مهما كان إبداعه لابد أن يحمل ملامح انتمائه وولائه لوطنه.

وإذا جئنا لساحة الأدب الإماراتي نرى ذلك بشـــكل جــلي لا يخفى على أحد تكريس العديد من الأعمال الأدبية لخدمــة مفهوم الانتماء للوطن ابتداءً من الشعر فصيحه ونبطيه، إلى الروايات التي توثـــق تاريخنـــــا العريق ومروراً بالقصة والكتابات المسرحية. وأعتقد أن أي متخصص في أحد تلك الألوان الأدبية، لابد أن يشــتمل نتاجه ما يعزز قيم الانتماء لهذه الأرض والولاء لها ولقادتنا الأفذاذ.

عالم مُتغيّر

قال د. حمد الحمادي: نحن في عالم شديد التغيير، وأرى أن الأدب بمختلف مجالاته قادر على استيعاب هذا التغيير، وقادر على مواصلة تأثيره الذي يملكه منذ بداياته، وهنا نتكلم عن آلاف السنين. بل إن الأدب من أوائل المستفيدين من وسائل التواصل الاجتماعي التي ساهمت في زيادة رقعة انتشاره. هناك دور كبير يقع على عاتق الروائيين والشعراء الوطنيين، فالحركة الأدبية يجب أن تتواصل لأن قضايانا الوطنية والمجتمعية متواصلة.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات