من التأريخ إلى العصرية

السيرة الذاتية بين التراثيْن العربي والغربي

أصعب ما يمكن أن يكتبه المرء هو سيرته الذاتية على نحوٍ خاص، ورسم ملامح لامعة لنفسه كما فعل السلاطين الأوائل من خلال من أرّخ سيرهم، أو بإشارات غامضة كما كتب المبدعون، أو صريحة كما يريدها نجوم الفن، لنتساءل اليوم، أين بدأت السيرة الذاتية يا ترى؟ هذه السيرة الُمحيّرة والمأهولة بحياة شفافة وقلقة، تمنح القارئ المعرفة الكاملة عن حياة شخص مميز، على اعتبار أن لديه ما يقول وما يفيد، وهو يروي التاريخ والجغرافيا والسياسة والحب والدين وعلم النفس من خلاله، مع الخطابة والمهارة الفنية واللغة، لتقبع بعض السير في الرفوف الأمامية بالمكتبات دون أن تتزحزح من مكانها ومكانتها ولقرون طويلة.

مجلد «كورنيكا»

بعد البحث والتنقيب، وبعد أن تجاوزنا هذا الزمن إلى الزمن القديم، لم نجد أنفسنا سوى لدى صاحب السيرة الأولى كما اعتبره المؤرخون، وهو المُؤرّخ اليوناني الروماني كورنيليوس نيبوس (99-24) ق.م.، رغم علمنا أن المُؤرّخ يختلف عن كاتب السيرة الذاتية.

إلا أننا نستطيع أن نعتبره من أوائل من كتب السيرة من خلال مجلده «كورنيكا»، فما كتبه هو سيرة بكل معنى الكلمة، بل وسيرة طويلة جداً، تتسع لتصل إلى حيث لا نتخيل، وبتلك اللغة اليونانية القديمة، كتبها كمجموعة حكايات لمشاهير ذلك الزمن وسيرهم المتوازية مع حياة الرومان، أي روما بعد أن ضمّت اليونان لها.

ونقول سيرة ذاتية وليس كتاباً مُؤرّخاً، لأنه لم يكن ناقلاً ومحللاً فقط، بل يقف عند السير، منتقداً في أحيان كثيرة، ويضع تعليقه الخاص، ليضيء كتابه من جهة، وتستشعر وجوده وحكايته من جهة أخرى، باعتباره معاصراً لمن يكتب عنهم، فكان شيشرون من ضمن من كتب سيرتهم، وهو الشاعر والخطيب والكاتب الروماني الشهير، وبالأخص عن رسائله، ففي تلك الأزمان كان المُؤرّخ يكتب السيرة عن الآخر لا عن نفسه.

سير إسلامية

ننتقل من كورنيليوس نيبوس، إلى السّير الإسلامية العربية، كسيرة ابن إسحاق التي أطلقها في القرن 8 الميلادي، سيرة مُؤرّخة، ويعد أول من كتب عن سيرة النبي - صلى الله عليه وسلم -، رغم أن أهم السير عنه «سيرة ابن هشام» التي أرّخها المُؤرّخ عبدالملك بن هشام البصري (نسبة إلى البصرة) وذلك في القرن 9 الميلادي، مروراً بسيرة معاوية بن أبي سفيان من خلال المؤرخ هشام ابن الكلبي (من الكوفة) وعاش بين القرنين 8 و 9 الميلاديين.

يهمنا أن نُشير بعد هذا التمهيد إلى المُؤرّخ أحمد بن الداية، المنتمي إلى القرن 10 الميلادي والمنتسب إلى الدولة الطولونية، والتي كانت قائمة في الأناضول التركية بعد انفصالها عن الدولة العباسية، حيث باستطاعتنا اعتبار ابن الداية صاحب سيرة ذاتية، لكونه كان كاتباً لأحمد بن طولون وولايته للدولة العباسية في مصر، إلى مسيرته التي أدّت به إلى تأسيس دولته الطولونية، وسواء مدحه أو ذمه فيما أرّخ حوله، فإننا نستطيع اعتبار ما كتبه ابن الداية وهو يتحدث حول تاريخ ابن طولون السياسي سيرة على أكمل الوجوه.

ولا يجب أن نغفل المُؤرّخ بهاء الدين بن شداد الموصللي الذي عاصر صلاح الدين الأيوبي في القرنين 12 و13 الميلاديين، وأرّخ له ولفترته، من خلال كتابه الذي سُمي «النوادر السلطانية والمحاسن اليوسفية» لنعدها سيرة كاملة عن صلاح الدين.

في التراث العربي

ومع استتباعنا بحثاً وتنقيباً، نجد كيف تتطور السيرة الذاتية وطريقة نقلها من قرن إلى قرن، ونُعاين السير الذاتية الفردية في تراثنا العربي، ونلحظ ذلك الحضور الموثّق مدحاً للمشاهير والسلاطين، ومن خلال عمل خاص يُطلب منه، إلا أننا لم نغفل جمال السِّير التي تركها لنا الفلاسفة والمُبدعون والمُفكّرون والأطباء، فما دوّنوه عن أنفسهم من خلال أعمالهم لهو معين لنا حتى يومنا هذا؛ لأهميتها الروحية والفكرية والمعرفية، ففي القرن 12 الميلادي، والذي عاش فيه المُتصوّف الكبير محيي الدين ابن عربي، أتينا بكتبه التي تحكي سيرته الفكرية والاجتماعية والعشقية.

والحقيقة أنها كانت متعذرة على قُرّاء اليوم في أن يستمروا حتى إتمامها لما بها من صعوبات في لغتها العربية الكلاسيكية العميقة التي كتب بها ابن عربي وهي لغة زمنه، إلا أن محاولات الباحث المصري نصر حامد أبو زيد كانت ناجحة، وهو المتخصص في الدراسات الإسلامية، وذلك من خلال تأليفه كتاب «هكذا تكلم ابن عربي»، تسهيلاً للقارئ من كتبه الأصلية ليعبر عن مراحل حياته وأسفاره.

من جانب آخر للسيرة والأدب، تُعدّ كتابات الجاحظ نثراً عربياً جميلاً، وكذلك سيرة الفيلسوف المُتصوّف والأديب البارع أبوحيّان التوحيدي من خلال «الإمتاع والمؤانسة»، وبعض مما ترك ابن سيناء والرازي، بينما تميّز أبوالعلاء المعري في سيرته الذاتية، والتي كانت إبداعاً مستقلاً، بل نستطيع أن نُطلق عليها بجدارة سيرة ذاتية إبداعية.

سير الرحّالة

نتتبع مسيرة السيرة في مفهومها الجديد، وبدايات تشكُّل نوعاً أدبياً غاية في الإمتاع والإفادة، وهي الرحلات، لنجد أن الرحّالة ابن فضلان البغدادي في القرن 10 الميلادي، أي في العصور الوسطى كما أطلق عليها المُؤرّخون الغربيون، قام بوصف العالم الغربي في مخطوطه «المكان والزمان والناس والثقافات البعيدة»، ورغم تمكنه تماماً ولأول مرة في ذلك الزمن من وصف ما نسميه الآن في عصرنا الحديث حوار الحضارات، تُظهر لنا رؤيته الخاصة وأفكاره من خلال مشاهداته، وبالتالي نستطيع أن نسمي ما كتبه سيرة ذاتية.

ولطالما راودنا شعور غامض عما اكتشفناه بعد قرنين على سيرة ابن فضلان، أن الرحّالة الأندلسي أبو الحسن الكناني، المشهور بـ«ابن جبير»، والذي ترك بلدته ليبدأ رحلته وأسفاره التي دونها في مخطوطته التي تحتفظ بها الآن مكتبة جامعة «لايدن» الهولندية، ويقدم وصفاً تفصيلياً للأمكنة وتصويراً كاملاً بالأسماء الجغرافية وحتى الآثار، بل وما يثير عمق سيرته هو ملاحظاته عن تراجع الإيمان لبعض المسلمين في «صقلية» بعد الغزو النورماندي، أما الشعور الغامض فهو اكتشافنا كيف نسخ ابن بطوطة والمقريزي وغيرهما بعد قرون فقرات من كتاب ابن جبير وهو يصف دمشق ومكة والمدينة وأماكن أخرى في الشرق الأوسط، نقلوا الفقرات أو نسخوها كما هي تماماً دون سند أو ذكر مصدر.

وأخيراً، فإن مخطوطة ابن جبير من أهم السير الذاتية في مجال الرحلات في تراث العرب التي تستطيع المكتبة العربية الاعتزاز بها، لكونه أكثر المتميزين في عمله وإبداعه، وهذا ما يُسمى بمزيج السرد الشخصي مع حكايات شخصية وهو ينتقل بين المناطق التي سافر إليها، ولا نعلم لِمَ طغت شُهرة ابن بطوطة على شُهرة ابن جبير الأندلسي، الذي يعد أُنموذج السيرة الذاتية.

ابن الهيثم.. المُبدع المجهول

بعيداً عن المُؤرّخين والرحّالة، وقريباً من عالم ومُبتكر، اعتمد العالم أجمعه على ما ترك، نجد سيرة في تراث الشرق، قليل ذكرها، وهي سيرة الفيزيائي والرياضي الحسن ابن الهيثم، هذا العالم الموسوعي بنظرياته المُتعدّدة، خاصةً في ما يتعلق بالضوء وانكساره وسرعته، وعلوم لا حصر لها وضعت في مناهجنا، لكننا نعرف القليل عن بداياته في البصرة وسيرته الذاتية كشاب، لنستنتج من كتبه اليوم، وما كُتب في عصره، بأنه حين كان في مصر، كرّس نفسه للعلم، ما دعا الحاكم لمناداته، لكونه عالماً رفيع المستوى إلى أن يستخدم علمه في تنظيم تدفّق المياه أسفل نهر النيل، إذ حاول ابن الهيثم مع فريقه ووصل إلى أبعد من النهر، ليُدرك أن فكرة الحاكم لتنظيم هذا التدفّق مع الإنشاءات الضخمة لن تنجح.

خاف ابن الهيثم على نفسه من الحاكم لغرابة أطواره فله من الأوامر العُليا ما يدعو إلى القلق منه، كأمره بقتل جميع الكلاب؛ لأنه لا يحب النباح، وحظره للمحار وبعض الخضراوات، رغم مكتبته الكبيرة المُطلّة على القاهرة، ما حدا بابن الهيثم أن يُقرّر الابتعاد عنه، متظاهراً بالجنون، ليحصر نفسه في منزله، يكتب وينسخ نصوصه الواسعة ونظريات مُتعدّدة ومُساهمات لم تكن على البال، في وقتٍ ادعى فيه الجنون، لتقوم أعماله في بدايات القرن 11 الميلادي على سيرة ذاتية كريمة محفوفة بالمخاطر ومُؤلفات علمية لا حصر لها.

السيرة الأولى في النموذج الإنجليزي

كتابة السيرة الذاتية في إنجلترا حديثة العهد مقارنةً بالسيرة في التراث العربي، وإن كانت غير مباشرة، أما أول سيرة ذاتية حديثة وذات تأثير فكانت لجيمس بوزويل، والذي تناول حياة صديقه ومعاصره الأديب والكاتب والشاعر صموئيل جونسون، وهي حياة زاخرة بالمؤلفات الأدبية التي لم يترجم إلى العربية منها سوى القليل، كرواية «رحلة إلى جزر اسكتلندا الغربية».

أما جيمس بوزويل قدّم سيرته الذاتية عام 1791، ليغطي بعمله الفريد معظم حياة صموئيل جونسون، وتُعدّ من أعظم السير الذاتية المكتوبة باللغة الإنجليزية، بعد أن اعتمد على الأرشيف والمقابلات الشفهية وشهود عيان، إضافةً إلى سردها وتصويرها الصادق لجميع جوانب الحياة.

«السيكولوجية» والتجارب الإنسانية

في القرن 20 الميلادي، كانت الحياة للبعض مأهولة بالقلق أمام الصناعة الصاعدة، لتظهر المؤلفات المُعبّرة عن مفاهيم الناس السلوكية، نستطيع أن نطلق عليها سيرة «سيسيولوجية» أو «سيكولوجية»، حيث يتحدث الإنسان فيها عن أفكاره وأحزانه وسلوكه في الطفولة والمراهقة من خلال بيئته ومن حوله، ويأخذ التحليل النفسي لتلك السير موضوعاً للعلاج، حيث تميل السيرة إلى التقليل من شأن الفردانية بإنجازاتها الخارقة، إضافةً إلى زوال نظرية «الرجل العظيم» و«الهوس الفردي»، لتصبح سيرة عصرية ناضجة تحفل بالتجارب الإنسانية.

السرد والفكرة الإبداعية الغائبة

في ظل الروايات التي تتناول حياة شخصيات من تراثنا الشرقي أو العربي، وسيرها الذاتية، يبحث الروائي فيها ويحوّلها إلى رواية سردية، إن كان ذلك ليس من الإبداع في شيء، والرواية في أصلها فكرة إبداعية خيالية، فأين خلق الأبطال وأحداث المكان والزمان، مناقشاً من خلال سرده القضايا الفلسفية والأخلاقية والعاطفية.

أليس من الغرابة أن روايات السيرة الذاتية تنال الجوائز الكبرى!، وإن تم تقديمها بحرفية عالية، تبقى الفكرة الإبداعية غائبة، ليدافع البعض عن روايات السيرة الذاتية بأن السرد يحييها من جديد، بل إن كل هذا البحث والاحترافية يمنحها حساً مختلفاً.

99

نستطيع أن نعتبر المُؤرّخ اليوناني الأصل، الروماني الموطن، كورنيليوس نيبوس، والذي ولد عام 99 ق.م.، أول مُؤرّخ عالمي للسيرة الذاتية، بعد أن كتب سيرة معاصريه مع وضع ملاحظاته وفكره الخاص.

20

أصبحت السيرة الذاتية أكثر شعبية في القرن 20 الميلادي؛ لرخص الطباعة وصعود التعليم، كما تهافت عليها كبار المسؤولين، ليضعوا خبراتهم المميزة التي نالوها في حياتهم، مع توفير القراءة المسلّية.

19

الروائي الإنجليزي تشارلز ديكنز، والمنتمي إلى العصر الفيكتوري في القرن 19 الميلادي، من أبرز من دمجوا عناصر السيرة الذاتية في رواياتهم، أشهرها رواية «ديفيد كوبرفيلد» شديدة الذاتية؛ لأنها مستمدة من حياته.

 

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات