الأدب الشعبي عين الأمة ومنجم حكمتها - البيان

الناقد معجب العدواني لـ«البيان»:

الأدب الشعبي عين الأمة ومنجم حكمتها

يعد الناقد الدكتور معجب سعيد العدواني، أحد أهم الأسماء المؤثرة في المشهد الثقافي الأدبي السعودي، الخليجي والعربي، تركِّز اهتماماته البحثية على الهوية الثقافية وتمثيلاتها في الإبداع الروائي، القصة القصيرة، إبداع المرأة، الحكاية الشعبية وسطوة المفاهيم النقدية وغيرها من الموضوعات، وقد التقته «البيان» في هذا الحوار لإلقاء الضوء على أحد أهم بحوثه الأخيرة حول الشاعر عبدالله البردوني إضافة إلى موضوعات أخرى مهمة؛ إذ أكد في معرض حديثه أن الأدب الشعبي موروث لا يمكن التخلي عنه، ليس لأنه جزء من الهويّة فحسب؛ ولكن لأنه يمثل منظور أمة، وثقافة مجتمع، ومنجم حكمة؛ وفيما يلي نص الحوار.

أنت لا تتناول موضوعاتك من وجهة نظر أدبية فقط وإنما تتناولها كذلك بمنهجية الباحث اللغوي، وقد أفدتنا وأمتعتنا في «ساعة السحر خاتمة الشك في شعر البردوني» في الورقة التي قدمتها لندوة البردوني، بالبحث في إشكالية هذا الإبداع الاستثنائي المرتبط بفقد البصر والشك، كيف توضح لنا ذلك؟

مكونات

اعتمدت في ورقتي عن شعر البردوني على جانبين اثنين: الأول منهما تفعيل دور الخاتمة بوصفها مكوناً رئيساً من مكونات القصيدة، والآخر يتصل بالشك الفطري الذي يؤثر في إنتاج الصورة في النص الشعري لدى الكفيف؛ إذ إن غياب اليقينية والأحكام القاطعة وخلق الصور غير المتوقعة تبدو محاضن رئيسة تنمو فيها إبداعية المكفوفين منذ فجر التاريخ، ويرتبط الإدهاش بتلك الصور غير المعتادة، لذا قد يبدو إبصار الأشياء واعتياديتها عائقين في سبيل نمو الصور الشعرية التي تعتاش على الكلمات، وتعيش فيها؛ ليعوض الشاعر الكفيف الحاسة المفقودة بدقة التركيب اللغوي، ورهافة التراسل بين الحواس، فيتمكن من اجتياز معرفة المظاهر إلى الغوص في أعماقها والكشف عنها، إلى جانب وضعها في سياقات تختلف عن السائد، وتجانب المعتاد، كما يفعل أولئك الشعراء المبصرون المحترفون. بالشكّ يصنع الشاعر الإبداع، وبخاتمة ممزوجة بالشك يفتح النهاية لتأويلات لا حد لها؛ ليجد المتلقي نفسه أمام نهاية مفتوحة يشارك في إنتاج دلالاتها.

ولتطبيق ذلك ركزت هذه الورقة البحثية على خمسة حقول شعرية تناولها البردوني: الشعر الوطني والقومي والديني، وشعر الغزل، وشعر الحكمة، ومناجاة الذات والزمن، وقصائد مطالع المجاميع الشعرية، وقد كان لهذه المواضيع أثرها في تشكيل خاتمة القصيدة، التي راوحت بين مغلقة ومفتوحة، وبالنظر إلى شعر البردوني نلحظ أن عاملين رئيسين كان لهما تأثير كبير في إنتاج خاتمة القصيدة لديه، وهما: نضج التجربة الشعرية، وموضوع القصيدة.

إذ اتسم شعره في بداياته في الخمسينيات والستينيات الميلادية بميل بيّن إلى نهايات يقينية مغلقة، وغير محفزة، وتزايدت دقته في صوغ النهايات الشعرية مع نضج تجربته الفنية في أواخر السبعينيات والثمانينيات والتسعينيات، ويمكن أن نشير إلى تجربة الشاعر في القصائد الوطنية والقومية وقصائد المدح النبوي التي بنيت على الخاتمة اليقينية المغلقة، بينما كانت في قصائد الغزل ومناجاة الذات والزمن متجهة إلى النهايات المفتوحة، التي تنبني على الشك بوصفه وقودًا لها، فاتكأت على الأسئلة والتلميحات والمفارقات، وبدت منتجة للدلالات.

كان البردوني شاعرًا في تجربته الطويلة والثرية، لكنه كان شاعراً استثنائياً حين مارس الشكّيّة باقتدار؛ لأنه لم يكن بصيراً يختتم معظم قصائده بتلك الخاتمة الحتمية التي لا تستدعي القارئ أن يفكر في نهاية أخرى محتملة تكون أفضل من النهاية المقترحة، بل كان بصيراً بصورة مختلفة عن وعي المبصرين.

نموذج إبداعي

في دراستك «الكتابة والمحو التناصية لدى رجاء عالم»، كتابة رجاء عالم أيضاً تمثل المرأة كما تمثل الكل، ما الذي جذبك إلى هذه الكتابة؟

الروائية السعودية رجاء عالم كاتبة استثنائية، شكلت ثورة كتابية لا يزال لها صداها في الفن الروائي منذ التسعينيات، ومع ذلك ينظر كثير من الدارسين والقراء إلى إبداعها نظرة توجّس وخوف من اقتحام مجاهل نصها الروائي، الذي يبدو غامضاً عند بعض المتلقين، لكن هذا النص يمثل كتابة إبداعية استثنائية للمرأة العربية، أدهشت كثيراً من النقاد والقراء، وذلك لتمثلها صيغة جديدة للكتابة النسائية المختلفة، ولطرقِها موضوعات محلية وعربية مهمة، لها حضورها في الثقافة.

أما عن تجربتي مع كتابتها فقد عملت على روايتها «طريق الحرير» قبل ما يزيد على خمسة وعشرين عاماً، وكان هذا البحث نواة كتابي «الكتابة والمحو»، ولي عدد من المقالات عن بعض أعمالها الأخرى، مع العلم أنني لست الوحيد في ذلك، فقد سبقني بعض النقاد إلى ذلك، وتلا عملي مقالات ودراسات غير قليلة. لانزال ننتظر من الكاتبة أعمالاً مقبلة، إذ إن لديها من الموهبة والدربة بالكتابة الروائية ما يضمن لها نجاحًا لإصدارات متميزة مقبلة.

الأدب الشعبي

كتابك «السرديات الشعبية العربية» يهتم بإلقاء الضوء على نوع مهمش في عالمنا العربي من الأدب هو «الأدب الشعبي» ويعطيه أهمية، ما هي هذه الأهمية؟

الأدب الشعبي موروث لا يمكن التخلي عنه، ليس لأنه جزء من الهويّة فحسب؛ ولكن لأنه يمثل منظور أمة، وثقافة مجتمع، ومنجم حكمة. إن نظرنا إلى الأخلاق الفاضلة بوصفها عملة متداولة، تزيد بها قيمة الإنسان، وتقلّ بفقدها، فإننا سنجده من المصادر الأولية، التي اعتاد الناس على استقاء القيم منها منذ القدم، لكن خفوت الأدب الشعبي في المجتمعات الحديثة وضعه في قائمة المهمش، لذلك ينبغي أن يكون هذا الخفوت ناقوس إنذار، لأن ذلك يعني تلاشي أحد مصادر تشكيل الشخصية العربية.

وتنبغي الإشارة إلى أن ذاكرة الثقافة العربية تحفل بثراء لا يحدّ في موروثها الشعبي، اكتسبته نتيجة التاريخ الضارب في عتاقته، والموقع الجغرافي المتميز، وتعدد أنواع الثقافات السائدة والبائدة، لذا فإن جمع هذا الموروث متضمناً النصوص الحكائية الشعبية أولاً، ثم نقده وتقديمه للقراء، يعد خطوة أولية مهمة تستحق التقدير والمتابعة، وهو ما حدث حين تفاعل عدد من الباحثين العرب وقامت بعض المؤسسات بهذه المهمة، إلا أن المهمة في رأيي لم تنتهِ بعد، إذ لا تزال الحكاية الشعبية في البلدان العربية منجماً يمكن استثماره على مدى طويل قادم جمعاً وتحليلاً، وذلك من خلال الاستفادة من تناولها درساً وتحليلاً في إطار المناهج النقدية الحديثة، وعلى ذلك كان إصداري المشترك مع د. ضياء الكعبي عن السرديات الشعبية محاولة لاستعادة درس الحكايات الشعبية وتفعيل دورها الثقافي، في بحوث مشتركة صدرت منذ حين.

سلطة الموروث

في «الموروث وصناعة الرواية» إشكالية تشبه إشكالية الأدب الشعبي، وأنت تحثنا على البحث عن الإيجابي فيه لتفعيله، ما مدى الإيجابية هنا؟

أوافقك أن هذا امتداد لذاك، فقد اهتم كتاب «الموروث وصناعة الرواية» بمسألة أراها مهمة، وهي تفكيك سلطة الموروث الذي يتفاعل معه الروائيون؛ إذ يحاول بعضهم أن ينقل لنا، ولو بصورة غير واعية، ما يمكن عده قيمًا أضحت سلبية في عالمنا اليوم، على سبيل المثال لا يمكن النظر إلى بعض الثيمات الموجودة في كتاب «ألف ليلة وليلة» على أنها مقبولة في عالمنا المعاصر، كمعاملة النساء والرقيق وبقية الطوائف المهمشة آنذاك، ولذا فإننا نلحظ أن بعض الروائيين قد يستلهم الثيمة نفسها دون نقد أو مراجعة، ويهيمن عليه الموروث وعلى نصه، وكذلك القراء، لذلك شعرت أن من واجبي تفكيك بعض الخطابات التي ترسخ ذلك.

لنقل في صيغة أخرى: إنه ينبغي على الرواية أن تحرر نفسها من سطوة الموروث، وأن تقيم معادلة من نوع ما، باستبعاد النظرة التي تؤمن بتقديس كل ما ورد في التراث، وأن يكون العمل حقلاً للتمحيص والتحليل.

إضاءة

د. معجب سعيد العدواني، أستاذ النقد والنظرية ورئيس وحدة السرديات، رئيس قسم اللغة العربية وآدابها بـ«جامعة الملك سعود» بالرياض.

حائز شهادة البكالوريوس في اللغة العربية من «جامعة أم القرى» والماجستير من «جامعة البحرين» والدكتوراه في النقد الأدبي الحديث من «جامعة مانشستر» ببريطانيا. له العديد من المشاركات والمحاضرات داخل وخارج السعودية.

نشرت له العديد من الأبحاث في الدوريات العلمية. كما صدر له العديد من المؤلفات منها: «تشكيل المكان وظلال العتبات»، «الكتابة والمحو: التناصية في أعمال رجاء عالم الروائية»، «الموروث وصناعة الرواية»، «مفهوم العامة في الحضارة العربية الإسلامية»، «إعادة كتابة المدينة العربية في الرواية الغربية».

طباعة Email
تعليقات

تعليقات