اللهجة لم تنل من اللغة ولن تحل محلها

الفصحى والعامية..تواصل يعوزه تفسير!

لغتنا الجميلة سيدة لغات الأرض، لا تُجاريها لغةٌ أخرى في الدقة والروعة والجمال، ويكفيها شرفاً أنها لغة القرآن الكريم، وهي البحر في أحشائه الدُرّ كامن، فهل ساءلوا الغوّاص عن صدفاتها.

ولعلنا بمكانتها تلك لا يمكننا غض الطرف عن كونها لغةً تواجه اليوم عديد العقبات والعوائق التي تحول دون صيرورتها ومن بينها، بعض المفردات «الغريبة» التي دخلت عليها وصارت كأنها جزء منها، فضلاً عن التواصل اللغوي الذي يعوزه تفسيرٌ في استخدام الفصحى والعامية، إلّا أن الإشكالية الأهم تكمن في أن لغتنا تتراجع أمام طغيان اللغة الإنجليزية في التعليم لا سيما منه العالي.

تُرى..هل نالت العامية من الفصحى وحلت محلها، أم ستبقى لغتنا العربية ما بقي الدهر؟!.

يقول الكاتب بلال البدور، رئيس مجلس إدارة ندوة الثقافة والعلوم في دبي: لدينا في هذا الأمر واجب وواقع، الواجب انطلاقاً من اسم دولة الإمارات العربية المتحدة أن تكون «العربية» هي الأساس وقد كفل الدستور الحق لها، وإذا ما جئنا إلى الواقع نجد أن هناك مجموعة لغات ولهجات تنافسها المكانة، فمن خلال اللهجات نجد أن أبناء الدول العربية يتكلمون بلهجاتهم في بلدانهم، وأحياناً تكون لهجات قرى ومناطق صغيرة، وإذا جئنا إلى اللغات سنجد أن كل قومية من القوميات المختلفة تتحدث بلغاتها ولهجاتها في هذه اللغات، أما أبناء الإمارات فعلاوةً على ذلك فإنهم يتكلمون ويتحدثون بلهجة محلية بتنوع مفرداتها في كل إمارة وأخرى، ولم يبقَ للغة العربية إلا المراسلات الرسمية وخطب الجمعة مع التحفظ على ما يدور فيها من لحن، ويجمع كل هذه لغة «وسيط» هي الإنجليزية، إذاً الواقع يقول إن الفصحى بعيدة عن الاستعمال.

وعن الازدواجية بين الفصحى والعامية ما يشكّل خطراً على اللغة، يقول البدور: رغم ما ذكرناه سالفاً، فهذه اللغات وتلك اللهجات لا تمثل خطراً على اللغة العربية التي نظم بها شعراء الجاهلية، فلا تزال نصوصهم تقرأ كما كتبت، فالفصحى باقية، وعلاوةً على ذلك ما يؤكده النصّ القرآني منذ نزوله وسيبقى ما بقيت الحياة، إذاً لا خطر على لغتنا الجميلة وستبقى ما بقي الدهر.

أما الازدواجية بين كلتيهما فتكمن في عدم إمكانية التواصل بين أبناء الأمة العربية، كما يقول البدور، لو استعملوا لهجاتهم والتاريخ شاهدٌ على ذلك من خلال اللهجات القديمة وأثرها في التواصل كما يضرب لذلك المؤرخون مثلاً بالموفد الذي جاء إلى أحد الملوك وكان يجلس على مرتفع، فبعد أن سلم عليه، قال له: ثب، فقفز الرجل وألقى بنفسه من علٍ، لأن معنى مفردة: ثب عند الملك: اجلس، ومعناها عند الموفد اقفز.

توازن مفقود

وحول التوازن المفقود بين الفصحى والعامية، يرى البدور أن فقدان التوازن بينهما نتج عنه الضعف في التحصيل الدراسي لأن الطفل الذي يأتي من بيته محمّلاً بلهجة عامية، يصدم عندما تقابله كلمات غير مستعملة وهي الفصحى، فتكون كأنها جديدة عليه، وما يثبت ذلك أن الطفل قديماً قبل دخوله المدرسة كان يمر بالكتاتيب ويحفظ القرآن، فإذا دخل المدرسة كان ذلك المخزون اللغوي مساعداً له لما يلقى عليه من دروس بالفصحى، أما الآن وقد غاب نظام الكتاتيب ومنع الحفظ في المنهاج الدراسي أصبح الطالب فقيراً في المفردات فلا يستطيع التعبير لأنه لا يستطيع قراءة الكلمات، مؤكداً أن العامية واقع ولكن يجب ألا تكون حاجزاً بين الإنسان واللغة الفصحى.

وعن أثر الدعم الرسمي في تطبيق وتعزيز لغتنا الجميلة مجتمعياً، يقول: للأسف، الدعم الرسمي الحكومي والقرارات والأنظمة مشهود لها، غير أن التطبيق بعيد عن الواقع، لأنه حتى الآن لا يوجد ذلك الالتزام من الشارع، مؤسسات وأفراداً بهذه الجهود الحثيثة.

لغة بيضاء

ويقول الكاتب والإعلامي علي عبيد الهاملي: نستطيع أن نقول إن مجتمعاتنا العربية، ومنها مجتمع الإمارات، تحرص على استخدام الفصحى سبيلاً للتواصل عندما يكون مجال التواصل هو المكاتبات والمراسلات والمخاطبات الرسمية، كما أن هذه المجتمعات تحرص على استخدامها في وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية، فالمقالات والتحقيقات الصحفية ونشرات الأخبار وبعض البرامج الإذاعية والتلفزيونية جميعها تكتب وتبث وتعرض باللغة العربية الفصحى.

ويظل هناك هامش لاستخدام لغة وسطى بين الفصحى والعامية، يُطلق عليها عادةً «اللغة البيضاء» في الحوارات، في حين تحرص برامج إذاعية وتلفزيونية على استخدام الفصحى في حواراتها، خاصة تلك التي تتعلق بالثقافة والسياسة وما شابهها.

ويبقى أن الناس يستخدمون اللهجات العامية في حواراتهم اليومية ومعاملاتهم، ولا نعتقد أن هذا يضرّ كثيراً بالفصحى، فحتى بين العرب الذين عاشوا في العصور السالفة، كالعصر الجاهلي على سبيل المثال، كانت لهم لهجاتهم الخاصة، وقد اشتهرت عن بعض القبائل «العنعنة»، و«العجعجة»، و«الكشكشة»، و«الطمطمة»، و«الشنشنة» وغيرها من اللهجات التي لم تنل من مكانة اللغة العربية، ولم تحلّ ذات يوم محلها.

جذر واحد

وفسر الهاملي التوازن المفقود بين الاهتمام بالفصحى والعامية، قائلاً: لا نستطيع القول إن التوازن بين الاهتمام بالفصحى والعامية مفقود، لأن كليهما من جذر واحد، ولكن نستطيع أن نقول إن للفصحى مجالاتها التي تستخدم فيها، وللعامية مجالاتها التي تستخدم فيها. الفصحى وسيلة التعبد والتعلم والثقافة والأدب، والعامية وسيلة التواصل اليومي والتخاطب والمعاملات.

وتابع: الخطر على الفصحى لا يأتي من العامية، وإنما من اللغات الأخرى التي تشكل تهديداً للغة العربية إذا ما تم استخدامها للتعلم أو التعامل الرسمي أو التواصل بين أفراد المجتمع. الفصحى والعامية تكملان بعضهما بعضاً، وقوة إحداهما مستمدة من قوة الأخرى، والتوازن بينهما يحدث بشكل تلقائي تبعاً للموقف والمجال الذي يتم فيه استخدام اللغة.

وحول مدى مساهمة الدعم الرسمي في الحد من ذيوع العامية وتعزيز«العربية» مجتمعياً، يقول الهاملي: دولة الإمارات من أكثر الدول العربية حرصاً على استخدام اللغة العربية، وربما تكون هي الوحيدة التي أصدرت ميثاقاً للغة العربية، أعلنه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، عام 2012، تضمن حزمة مبادرات قيمة وعملية بهدف تعزيز حضور اللغة العربية في المجالات الحياتية كافّة، وإبراز مكانتها في المجتمع.

كما أنشأت دولة الإمارات مجلساً استشاريا للغة العربية، وشكلت لجنة خبراء عربية دولية، تهدف إلى إعادة إحياء اللغة العربية كلغة للعلم والمعرفة، وتحديث أساليب تعليمها.

ونظمت مسابقات في المدارس الحكومية والخاصة، تهدف إلى إبراز المبدعين والمتميزين في اللغة العربية من الطلبة ورعايتهم. وتضمنت المبادرات أيضاً تأسيس معهد لتعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها، يتم التعاون فيه مع الجامعات المتخصصة حول العالم، لإيفاد الطلاب والبعثات لتعلم اللغة العربية في الإمارات. وأصدر مجلس الوزراء قراراً باعتماد العربية لغة رسمية للمراسلات في جميع الهيئات والمؤسسات الاتحادية في الإمارات كافّة.

وأكد الهاملي أن هذه القرارات والمبادرات تصب في جهود تعزيز اللغة العربية الفصحى، واستخدامها سبيلاً للتواصل في المجتمع، آملاً أن تكون للدول العربية الأخرى جهود مماثلة تتضافر مع جهود دولة الإمارات، كي تحتل اللغة العربية المكانة التي تستحقها في مجتمعاتنا العربية، وتعود هي لغة الدراسة والعمل والحياة كلها.

الضلع الأقوى

ويؤكد أستاذ الأدب العربي ونقده، الدكتور إياد عبدالمجيد العبدالله، أنه ليس ثمّة شك في أن اللغة، أي لغة في العالم، تشكّل الضلع الأقوى في أضلاع المثلث مع الثقافة والهوية، والإنسان في خلاصته لغة، يحقق ذاته، ويجسد أصالته، ويقارب في تطلعاته، ويواجه تحدياته بمقدار حمايته وصيانته لأضلاع هذه الثلاثية التي يغيب بغيابها، ويحضر بحضورها، والفرد في المجتمع يعمل مع لغته من داخل مقاصده وأفعاله، فهو الفاعل واللغة مفعول به، وهو من يرفع من شأنها ويواكب ويعاصر، وهو من يحييها، فلغتنا لا تنهض من خارجنا.

وتابع العبدالله: منذ قديم الزمان ولغتنا العربية تعاني الازدواجية بين الفصيحة والعامية، حتى بدا العقل العربي يواجه آثار العولمة الجديدة في الإعلام وكل مناحي الحياة، فمثلاً اليوم دخلت علينا لغة الجيل في فيسبوك وتويتر والإنترنت، وما أطلقوه من «خربشات» و«تغريدات»، في استخدام رموز تختلط فيها الأرقام بالحروف، وصار الجيل الجديد يتحدث بالعامية واللهجات الدارجة واللغة الهجينة.

ولا مندوحة برأي العبدالله في أن أسباب التطور في العالم تؤثر في الواقع الذي نعيشه بشكل مباشر أوغير مباشر، ومنها اللغة، فلغتنا كما يصور البعض باتت غير مرغوبة ومعتمدة ومتداولة، لا على المستوى الأكاديمي ولا على المستوى اليومي، وقلما نجد من يهتم بدراستها، لأنها كما يبرر البعض ليس لها قيمة في سوق العمل!

ولفت العبدالله إلى أن هذه الصورة من اليأس ليست جديدة طالما أن الحياة في تبدّل واختلاف، فابن خلدون قبل أن يكتب مقدمته الشهيرة رأى كيف تداعت الأمة تحت عاصفة الغزو التتري بقيادة تيمورلنك، ووصولها إلى دمشق، حيث المغلوب يتبع الغالب، فينسى حتى لغته، وإن كانت لغة أهل الجنة! فكيف بنا ونحن اليوم نعيش غزو العولمة التي اجتاحتنا من كل مكان، وأصبحت بعض مجتمعاتنا تختلط فيها لغات الشعوب في العالم، فعلى سبيل المثال أن أكثر من عشرات اللغات في العالم تتجمع فيها، فلو حكى كل فرد في لهجته لما كان هناك تواصل، ولما فهم الآخر فهماً جيداً، حتى بين العرب أنفسهم، فالعامية المغربية تختلف عن المصرية والسورية والعراقية .. فالتواصل لا ينعقد إلا في اللغة الفصيحة التي يلتقي في فهمها الجميع، فهي لسان واحد، وحتى الأجانب من الوافدين لو تعلموا العربية فهم يتعلمونها بلغتها الفصيحة، وبذلك يسهل التقارب بين الجميع، فيفهمهم العربي من أي بلد كان، وتذوب في ذلك العامية أو الدارجة.

وطن النفوس

واستطرد العبدلله قائلاً: بعض الدعوات، وهي ليست جديدة، تحاول تهميش وإهمال اللغة العربية نتيجة تأثير اللغات الأخرى فيها، فإن أردنا النهوض بالعربية فليس أمامنا غير الفصيحة، لأننا بها نعيد اللغة العربية إلى ما كانت عليه قبل مئات السنين، لغة علم وأدب وتثاقف مع الحضارات الأخرى.

وفي نظره، حين تحضر اللغة الفصيحة يصبح المكان وطناً وهوية وثقافة، فاللغة توطن النفوس والوعي والثقافة وتصنع الهوية من خلال تنمية لغوية تجعل العربية وعاء معرفياً في صميم التنمية المستدامة، ولغة علم قادرة على مواكبة مخرجات التعليم والبحث العلمي في مجتمع المعرفة، كل هذا تصنعه اللغة الفصيحة، ولا مجال للعامية هنا، لأن العامية تحدد المكان ولا تعطيه بعداً، كما لا تعطيه حراكاً أوسع، فبالفصيحة أنقل تراث أمة وأحييها، وهي لغة الثوابت ولغة الدين والتراث الخالد، فلم يُكتب تراثنا بالعامية، ولو سادت هذه العامية فإننا بذلك نقطع صلة الأجيال بتراثنا وماضينا وحضارتنا، وهذا ما يريده الأعداء.

وعن إمكانية التوازن بينهما، يقول العبدالله: لا يمكن أن يكون هناك توازن بين الفصيحة والعامية، العامية وسيلة لقتل الفصيحة، حتى بات البعض يلهج بكلام غير العرب ليوصل الفكرة، وبخاصة مع الخدم والعمال الوافدين هنا، الأمر الذي نضيع فيه الفصيحة، كما أن أكبر العوائق التي تقف في طريق اللغة العربية هو العائق النفسي المتمثل في «عُقدة» الحديث بلغة الآخر واستخدام تعبيراتها، فلغتنا العربية الفصيحة اليوم قادرة على التعبير الرياضي والاقتصادي، ولكننا نحن من أهملها وصرنا نلوذ بالعامية، وصار البعض - وهذا من أكبر الأخطار التي تواجهها العربية من أصحاب العمل بضرورة إجادة اللغة الإنجليزية -، دون الاهتمام باللغة العربية ما جعلها لغة هامشية، وبات على الفرد أن يكتفي بلغته العامية الدارجة، لأن لغة القوم أصبحت هي لغة التجارة والأعمال التي بها صارت تكتب الإعلانات وأسماء المحال التجارية.

حراك ثقافي

وواصل العبدلله: لا يمكن أن نغفل أن العربية اليوم لا تقدم لمتعلميها بشكل جذّاب، مما يساعد على العزوف عنها، ونعتقد أن مهارة الاستماع ومهارة القراءة الدقيقة ومهارة الكتابة السليمة ومهارة الإلقاء المتميز بالإقناع والإمتاع، لذلك تحتاج منا لغتنا العربية اليوم مزيداً من من المبادرات، فقد انطلقت في دولة الإمارات منذ أعوام عدّة مبادرات مثلها في السعودية وغيرها، وهي مبادرات تنهض بلغة القرآن والعروبة لتكون سبباً في إعادة البناء الحضاري والتمكين للغة العربية، وجاءت خطوات التغيير في المناهج الدراسية للغة العربية إلى تأكيد العربية الفصيحة، فضلاً عن المسابقات في مجال العلوم المعرفية والمؤتمرات التي تخدم لغتنا العربية، وتشهد بيوت الشعر والنوادي الثقافية والمجلات التراثية في الإمارات كما يشهد الإعلام فيها حراكاً ثقافياً ملحوظاً لخدمة الفصيحة، كل ذلك يساهم في الحد من ذيوع العامية ويقلل من انتشارها، ولا شك في أن الحضارة التي تشهدها دولة الإمارات والتقدّم النوعي يجعلان لغتنا العربية تتمكن من تكوين التراكم الحضاري من جديد، حتى أصبحت تجربة النهضة في الإمارات مثالاً إيجابياً لاستعادة اللغة لمكانتها، وهذا لا يعني أن نقتل العامية الدارجة التي حملت لنا الكثير من تقاليدنا وموروثنا الاجتماعي، وقد رأينا الدولة كيف تدعم هذا الجانب من خلال بيت الشعر والنادي الثقافي العربي اللذين تجتمع فيهما الفصيحة والعامية في الأدب والثقافة من كل الوطن العربي، فضلاً عن اتحاد الكتاب والأدباء والجمعيات الثقافية، والنوادي التراثية التي تعنى باللغة الشعبية، إذ إن تراث الأمة مكوّن أساسي من مكونات نهضتها والتواصل مع الماضي.

درس بليغ

وأكد العبد الله أننا اليوم بأمسّ الحاجة إلى تغليب الفصيحة على العامية، ونحتاج إلى دعم وقرار رسمي، يجعل الدارسين والعاملين على بعثها وإحيائها في مستوى الطموح، فجميع مؤسسات المجتمع المدني مطالبة بفرض اللغة العربية السليمة في جميع شؤون المجتمع؛ من أجل أن تزهر لغتنا العربية الفصيحة من جديد، وأن نأخذ الدرس البليغ من بعض الشعوب التي تتعصب إلى لغاتها ولا ينفتحون حتى على السائل بالرد عليه إلا بلغتهم، وهذا وحده كفيل بأن يجعل الأجيال تعشق اللغة الأم، وتحرص على تعلمها والابتكار.

يقول جبران خليل جبران، قبل 100 عام، وهو يخبرنا بمستقبل اللغة العربية: «إنما اللغة مظهر من مظاهر الابتكار في مجموع الأمة، أو ذاتها العامة، فإذا هجعت قوة الابتكار، توقفت اللغة عن مسيرها، وفي الوقوف التقهقر والموت والاندثار..».

تقنيات العصر

واختتم العبد الله حديثه مؤكداً أن الواجب يحتم علينا أن ننشر خيوط أشعة لغتنا بالعمل والابتكار لنعيد مجد الماضي بأساليب حداثوية، تماشياً مع ما تفرضه تقنيات العصر، نعم، نأخذ ونعطي، ولا بد من شحذ الهمم نحو عربية فصيحة نجد أثرها فيما نكتب أو نقرأ أو نشاهد. فلغتنا زاخرة ومتعددة بمرونتها واستيعابها شتى الآداب والعلوم.

لغة هجينة

وتقول الدكتورة مريم لوتاه، أستاذ مشارك بقسم العلوم السياسية في جامعة الإمارات: القضية لا تنحصر في الإشكالية بين استخدام الفصحى والعامية بل هي أعمق من ذلك، إذ تكاد لغتنا العربية تتراجع أمام طغيان اللغة الإنجليزية في التعليم لا سيما منه التعليم العالي، وكذلك تراجعها في التواصل في بعض المؤسسات، وإن كان الخطاب الحكومي الإماراتي يؤكد ضرورة استخدام اللغة العربية الفصحى في المراسلات الحكومية واللغتين أحياناً في بعض المؤسسات، بالإضافة إلى أن التركيبة السكانية التي تغلب فيها الجنسيات غير العربية لابد أن تؤثر في لغة التواصل في أي مكان.

وواصلت: كما أن هناك بعض المفردات الغربية دخلت على اللغة العربية وأصبحت كأنها جزء منها على خلاف ما كان سائداً في السابق، إذ دخلت الكثير من المفردات العربية إلى اللغة الفارسية واللغة الأوروبية والتركية، كما أن الأجيال الشابة أصبحت تستخدم لغة هجينة بين الإنجليزية والعربية «المكسرة»، بالإضافة إلى استخدام بعض المصطلحات الغربية والاختصارات، واستبدال بعض الأحرف العربية بأرقام.

أما عن إشكالية استخدام العامية على حساب الفصحى فإنها في المجتمع الإماراتي برأي لوتاه لا تمثل إشكالية على المقاعد الدراسية لأنه عندما تكون المادة تدرس باللغة العربية، فالفصحى هي لغة التدريس كما أن اللهجة العامية الإماراتية ليست بعيدة عن الفصحى بل إنها قريبة منها، عدا استبدال بعض الحروف.

وأضافت لوتاه: مع ذلك فأنا لا أقبل مطلقاً استبدال الفصحى بالعامية في التعاملات الرسمية والوظيفية، لأن هناك خطورة من التأكيد على العامية في مقابل الفصحى، لأنها دعوات مغرضة القصد منها إضعاف اللغة العربية كعامل موحد للشعوب العربية من المحيط إلى الخليج، وإضعاف ارتباط الأجيال الشابة بتراثها الثقافي العربي.

ومن وجهة نظر لوتاه، فليس هناك أي معاناة من ازدواجية الفصحى مع العامية، لا سيما أنه في مجال التعليم والعمل تكون المراسلات بالفصحى، ولكن تستخدم العامية في المعاملات الاجتماعية الخاصة في الأسواق والبيوت.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات