قضية

الرقابة على النصوص..حرية مسؤولة تحمي المجتمع من مخاطر الدراما

Ⅶ أحد مشاهد مسلسل «خيانة وطن» | أرشيفية

في كل عام، وقبيل اقتراب الموسم الرمضاني، تكشف شركات الإنتاج عن ما تمتلكه في جعبتها من نصوص درامية، في محاولة منها لترجمتها إلى مشاهد مصورة، تطمح في أن تتمكن من مصافحة قلوب الجمهور عبر الشاشة الصغيرة، لتظل هذه النصوص متوقفة عند حدود إجازة الرقيب، الذي يحدد عبر مجهره مدى صلاحيتها وقدرتها على تقديم رسائل خلاّقة للمجتمع.

وفي الوقت الذي «يخاف» فيه كتاب النصوص بالمنطقة العربية من أن يطال «مقص» الرقيب من نصوصهم، بحيث يفصلها وفق أهوائه الخاصة، لا يضطر كتاب السيناريو في الدولة، ومنتجو الأعمال الدرامية والمسرحية، إلى المرور بهذا الطريق؛ وذلك بسبب ارتفاع سقف الحرية، وتعاملهم بكل مهنية مع الرقابة الذاتية، وتسلحهم بـ«الحرية المسؤولة» التي تفرض عليهم تقديم أعمال تواكب تطلعات المجتمع ولا تتجاوز ما يطلق عليه مصطلح «الخطوط الحمراء».

ولعل ذلك كان سبباً في عدم تسجيل أية عملية رفض لنص درامي أو مسرحي، وفق تعبير «أصحاب المهنة» في حديثهم مع «البيان»، حيث رأوا أن آليات الرقابة في الدولة، جيدة، ولا تحتاج إلى تغيير أو تعديل، معتبرين أن وجود الرقابة بشكل عام هو أمر جيد، وأنها تكون في بعض الأحيان بمثابة «المصد» لحماية المجتمع من أي مخاطر حالية أو مستقبلية قد تتسبب فيها بعض النصوص «غير المسؤولة».

وفي الوقت الذي يعتبر الكثير من العاملين في القطاع الفني على المستوى العربي، الرقابة بأنها آفة الفن، يرى المشتغلون في القطاع على المستوى المحلي أن سقف الحرية في الدولة في طريقه نحو الارتفاع، مؤكدين في حديثهم مع «البيان» ضرورة أن يتمتع الرقيب برؤية فنية، قادرة على تفتيت النص، وتقييم مستواه ومدى ارتفاع مستوى جودته، مستشهدين في الوقت نفسه، بجملة أعمال استطاعت أن تحقق أصداء جيدة على مستوى المجتمع، وأن تقفز بالدراما المحلية نحو مناطق جديدة.

رقابة ذاتية

الفنان والمنتج الإماراتي سلطان النيادي، أكد في حديثه عدم وجود رقابة على النصوص، حيث قال: «هناك إجازة للنصوص من المجلس الوطني للإعلام»، مؤكداً أنه لم يتم حتى الآن رفض أي نص درامي له.

وأضاف: «لدينا نحن المنتجين الإماراتيين كافة رقابة ذاتية، ولم يحدث يوماً أنني وقعت في تصادم أو واجهت إشكالية مع الجهات الرقابية في الدولة، ولا أذكر أبداً أنه تم في يوم ما رفض أي نص درامي لي».

النيادي الذي يشتغل في الدراما منذ سنوات طوال، فضّل أن يتخذ من سلسلة «طماشة» مثلاً يستند عليه للدلالة على الجرأة التي تحظى بها الدراما الإماراتية. ووواصل: «سلسلة «طماشة» التي تتكون من 6 أجزاء، كان فيها مستوى عال من الجرأة، وقدرة عالية على مناقشة واقع المجتمع المحلي، وإبراز المشكلات التي يواجهها، ورغم ذلك لم يحدث أن تم إيقاف أي من حلقات السلسلة الأشهر درامياً على مستوى الدولة».

وقال: «في الواقع ما يوجد لدينا هو رقابة من أشخاص يعتقدون في بعض الأحيان أن هذا النص أو ذلك فيه تعدٍّ على الخطوط الحمراء، وفق اعتقادهم، وبتقديري أن النقاش في هذا الأمر أحيانا كثيرة يؤدي إلى إيجاد حلول وسطية، ولكن بشكل عام هناك أريحية تامة في التعامل مع الرقيب الرسمي، وهذا بالتأكيد يحملنا مسؤولية أكبر بأن نناقش واقع مجتمعنا وهمومه بكل واقعية وموضوعية وشفافية، بعيداً عن التجني على أحد»، مؤكداَ أنه وزملاءه يحرصون دائما خلال إعدادهم لأي عمل درامي على الوقوف في منطقة الوسط، معتمدين في ذلك على ما يمتلكونه من رقابة ذاتية مسؤولة.

إضرار

أعمال جريئة استطاعت أن تصافح فكر الجمهور قبل قلبه، شهدتها الدراما الإماراتية على مر تاريخها، ولا يزال مسلسل «خيانة وطن» الأقرب إلى الذاكرة، حيث استطاع أن يحقق قفزة نوعية في مسيرة الدراما الإماراتية، بعد تطرقه للتنظيم السري للإخوان ويناقش أساليبهم الضلالية التي سلكوها من أجل الإضرار بمصالح الوطن.

الفنان الدكتور حبيب غلوم، الذي أنتج «خيانة وطن» المقتبس عن رواية «ريتاج» للدكتور حمد الحمادي.

قال: «منذ سنوات طوال ونحن الذين نعمل في الدراما نفرض على أنفسنا رقابة ذاتية، وذلك نابع من حرصنا على تقديم أعمال جيدة تتوافق مع الصالح العام، وتحمل بين ثناياها أي ضرر اجتماعي أو أخلاقي أو غيره، وسواء كانت الرقابة الرسمية موجودة أم لا، فنحن ملتزمون بتقديم كل ما هو نافع للمجتمع».

وأضاف غلوم: «بتقديري أن وجود الرقابة هو مسألة مهمة للغاية، ولا يمكن الاستغناء عنها، وذلك لما فيه حد من مخاطر كثيرة سواء حالية أو مستقبلية، ولكن ما نعاني منه هو وجود الكثير من المتطفلين على المجال الفني، والذين لا يمتلكون الوعي الكامل بما يجب تقديمه على الشاشة، وبالتالي فوجود الرقابة مهم جداً لمنع هؤلاء من التوغل وفرض وجهات نظرهم على المجتمع».

يعتبر غلوم أن عمل الرقابة لا يجب أن يتوقف عند حدود قراءة النصوص فقط، وإنما يجب أن تتمتع أيضاً بالنظرة الفنية الثاقبة، والتي من شأنها أن ترفع من مستوى أي عمل.

وقال: «للأسف الرقابة الموجودة لدينا متخصصة في قراءة النصوص بمحتواها الحرفي، وتتطلع دائماً إلى الفكرة وتعاين الكلمات الموجودة في الحوارات فقط، في حين أننا نطمح إلى وجود رقابة تمتاز بالنظرة الفنية، وأن تكون قادرة على تحديد المستوى النوعي والفني للعمل، فهذا يساعدنا كمشتغلين في الدراما على تقديم أعمال ذات نوعية وجودة عالية».

وتابع: «بلا شك أننا نحرص جميعاً على أن يلتزم أي عمل درامي أو فني بالحدود المسموحة، وأن لا يقدم أية إساءة مهما كان نوعها لأحد، ولذلك اعتقد أنه يجب أن يكون الرقيب مثقفا ولديه رؤية فنية عالية، بحيث يتمكن من قراءة النص بشكل حقيقي وبنظرة متفحصة، ليس بقصد البحث عن الأخطاء، وإنما فهم ما هو مقصود وراء السطور».

تحرر

السيناريست محمد حسن أحمد، صاحب مسلسل «في عينيها أغنية»، قال: «لا أذكر أنه يوجد لدينا رقابة على نصوص الأفلام بشكل عام، فكافة أعمالي لم تمر على الرقيب، وحتى درامياً عادة نصوصها تمر بشكل سلس وسهل، من دون أن تتعرض لأي خدش أو «تقطيع» من قبل الرقيب، ومن جانبي لا أرى وجود رقيب يقف فوق رؤوسنا، ولم يحدث أن رفض لي نص منذ أن بدأت العمل في هذا المجال وحتى الآن».

وأضاف: «ما يحدث على أرض الواقع أن المحاكمة عادة تأتي من المجتمع نفسه، حيث يطلب من الدراما أو كتابها أن يحملوا الواقع، وهذا ليس عملهم، لأن السيناريست دوره تقديم دراما جميلة وواضحة».

وتابع: «اعتقد أننا اليوم لا نستطيع أن نقدم أعمالاً مختلفة، نستطيع من خلالها التحرر من محليتنا، والتوسع في طرح قضايانا بطريقة مختلفة وتقديم بيئتنا في مواضيع فنية متعددة، والسبب في ذلك هو أن الجميع يعتبر أن كل ما يوجد في العمل الدرامي يجب أن يكون معبراً عن المجتمع، وهذا بلا شك يدخلنا في إشكالية أخرى، لا علاقة للرقيب فيها». وأكد السيناريست محمد حسن أحمد عدم قلقه من الرقابة الرسمية.

وقال: «قلقي دائماً نابع من تقديم الأشياء ضمن شكل واحد ومعتاد، لأن كافة جهات الرقابة في المنطقة العربية والمجتمع أيضاً تعودت على محاكمة الفن بالأخلاق، وليس بأدواته الخاصة التي يستخدمها المشتغلون في هذا المجال، وبالتالي علينا دائماً أن نتطلع إلى طريقة تفكير الانسان نفسها، وبناء الأعمال الدرامية وفقاً لها»، وواصل: «المشكلة في مجتمعاتنا الخليجية بشكل عام، أنها تعودت على أن تكون الدراما وسيلة لنقل الرسائل والوعاء الحامل للعلاج، رغم أن الفن في كافة أنحاء العالم يقوم على أساس الترفيه والاستمتاع وتوجهات فنية مختلفة، تخاطب الوعي الإنساني نفسه». وأشار إلى أن الرقابة في الإمارات لا تحتاج إلى تطوير في آلياتها.

وقال: «أعتقد أن الرقابة لدينا يجب أن تظل بسيطة وسهلة، وأن تعمل على تجويد العمل ليس أكثر، وأن تمارس دورها المهني فقط، وأن تسعى للمحافظة على التوجهات العامة للدولة، في المقابل يجب أن يكون لدى الكاتب نفسه حرية مسؤولة، تسمح له بتقديم ما يطمح إليه ضمن الحدود المسموح بها».

حماية

المسرح في الإمارات، لا يقل في تطوره عن الدراما المحلية، ويمتاز بقدرته على تقديم جرعات عالية من الجرأة على الخشبة، ولعل ذلك أكثر ما ميز الحركة المسرحية في الدولة. الإعلامي جمال مطر، والذي سبق له أن قدّم أكثر من تجربة في التلفزيون والمسرح، أكد أن وجود الرقابة له جوانب مهمة.

وقال: «وجود الرقابة فيه حماية لأي نص مسرحي أو درامي من الوقوع في السقطات، وينقيه من الهنات، وتعودنا في الإمارات أن تقول الرقابة رأيها في النصوص بكل شفافية وصراحة، وبناءً على ذلك يتم تحديد إن كان النص يصلح لأن يترجم درامياً أو مسرحياً أم لا، وبتقديري أن هذه هي الرقابة المحمودة والجميلة التي تكاد تقوم مقام النقد، وهي الرقابة المطلوبة على صعيد التلفزيون أو المسرح».

وأشار مطر إلى أن المسرح يعد من الفنون الراقية جداً، والجامعة للعائلة تحت سقف واحد. وقال: «علينا أن نحرص جميعاً على تقديم عروض أو نصوص مسؤولة، خالية من الإسفاف والتسطيح، خاصة في المسرح الذي يعد من أرقى الفنون الإنسانية، ولنتمكن من ذلك يجب أن نتمتع برقابة مسؤولة، وأن نقدم نصوصنا بجودة عالية المستوى، حتى لا تقع هناك أي تجاوزات».

مطر أشار إلى أهمية وجود الرقابة الذاتية. وقال: «هذه الرقابة تساعدنا على مراعاة طبيعة المجتمع وما يتضمنه من خطوط حمراء، حتى في النصوص التجريبية وذات المستوى الفني العالي». وأضاف: «نحن في الإمارات لدينا مساحة حرية جيدة بشكل عام، وأعتقد أن سقف الحريات في الدولة في طريقه نحو الارتفاع أكثر لأسباب عديدة، لا سيما وأن المثقف لدينا أصبح حالياً يوصف بأنه صاحب كلمة جميلة ومطلوبة».

تعليقات

تعليقات