جذور

«سنّان ومعلّي».. سفن تُوثّق تاريخ الملاحة في الخليج العربي

ارتبطتْ حياة الآباء والأجداد بالانتقال والأسفار وبدتْ لهم الدّنيا محلّ ارتحال، وأسهم فيه مواطنو الإمارات بشكلٍ كبيرٍ، وكان لكلّ حقبةٍ تاريخيّة ظروفها ووقائعها وطموحات أهلها وآمالهم وآلامهم ومعاناتهم وفرحهم وسعادتهم.

كل ذلك أسهم في تشكيل المجتمع المحلّيّ قبل نشوء دولة الاتحاد عام 1971، وكان انتفاء الغوص على اللؤلؤ سبباً في هجرة أبناء الإمارات إلى بقيّة دول الخليج العربيّة للعمل والإقامة رغبةً منهم في تغيير نمط العيش، وتحسين أوضاع عوائلهم في منطقة الساحل، قناعةً منهم بأنّ الحياة مكابدة وعمل، وإنتاج وعطاء، وصبر وتحمّل، وهم في هذه الأحوال استخدموا عدداً من وسائل الانتقال، وبالذّات طرق النّقل البحريّ؛ فهي أيسر وأوفر وأكثر.

حيث كانت السفن الشراعيّة قبيل عقد الأربعينيات تجوب مياه الخليج العربي وتبحر بين موانئه ومرافئه حاملة الركّاب والمسافرين والبضائع والسلع، وأشاعت في المنطقة روح التبادل الاقتصاديّ، والتواصل الاجتماعي، كما كان المسافرون يدفعون نوْلاً معلوماً محدوداً للسفر على هذه السفن المختلفة الأحجام والأسماء والأوزان، وكلّ حسب طاقته، ومجهوداته.

طفرة

بعد دخول السفن ذات المحرّكات الميكانيكيّة بدأت تتغيّر أنماط الحياة، وتتسهّل طرق الانتقال، وبدأت تزداد فرص التواصل بين أهالي منطقة الخليج العربي، ثمّ كان ظهور النّفط في الكويت والسعودية والبحرين دافعاً إلى هجرة أبناء المناطق الساحلية إلى تلك البلدان رغبةً في العمل، وطلباً للوظائف المتوافرة هناك.

وفي تلك الفترة بالذّات، دخلتْ الخدمة مجموعة من البواخر الضخمة، وهي سفن كانت تملكها شركة الملاحة البريطانيّة-الهنديّة (British India Steam Navigation Co.)، وتدير شؤونها شركة «كري ماكنزي» الوكيل لهذه البواخر في دبي، التي افتتحت لها مكتباً عام 1916، وكان مقرّها في غرفةٍ أعلى عمارة للشيخة حصة بنت المر في «سوق البانيان» في برّ دبي.

ثمّ انتقلت الشركة إلى عمارة الشيخ خليفة بن سعيد آل مكتوم المطلّة على خور دبي جهة برّ دبي في مدخل السوق القديم. وبدأت هذه الوكالة تسيير السفن العملاقة بين موانئ الخليج والهند وإيران وشرقي أفريقيا وغيرها في منتصف أربعينيات القرن الماضي.

ويبدو أن ذلك ارتبط بسفر أبناء المنطقة إلى بقيّة دول الخليج العربيّة بهدف العمل بُعيد اكتشاف النّفط هناك. هذا يفسّر لنا ضخامة النّقل الملاحي للمسافرين في عقود الأربعينيات والخمسينيات والستينيات، ثم بدأ هذا النّشاط يخبو بُعيد عام 1971 أي بعد قيام دولة الإمارات العربية المتحدة، حيث فضّل الإماراتيون العودة والبقاء في دولتهم بعد ظهور فرص كثيرة وواعدة للعمل تغنيهم عن مشقّة الأسفار والاغتراب.

«تشاشيل»

وصاحب كلّ ذلك النّشاط حركة في النّقل من الميناء إلى البواخر وبالعكس، نظراً إلى أنّ هذه البواخر ترسو بعيداً عن الميناء.

وفي المقابل، فإنّ قوارب صغيرة تُعرف بـ«التِّشّالة»، وجمعها «تشاشيل»، هي التي تنقل المسافرين وبضائعهم وأمتعتهم من الميناء إلى البواخر وبالعكس، حيث كانت السفن ترسو في المياه العميقة؛ لأنّ مياه خور دبي ضحلة لا تناسب السفن للرسو فيها، لأنّ غاطس هذه السفن كبير، قبل إنشاء ميناء راشد في دبي.

وقد تألّقت دبي في هذا النّشاط والحركة الملاحيّة الرائدة، إذ أضحى ميناؤها أكثر موانئ الساحل نشاطاً بفضل هذه الحركة الملاحيّة.

ومن الجدير بالذِّكر أنّ قوارب «التشاشيل» كانت تموّل سفن الغوص وهي في عرض البحر بالماء والأكل والمواد الغذائية الأخرى، وكل ما كانت تحتاج إليه طواقم سفن الغوص طوال فترة الغوص، وكان يوجـد في تلك الفترة عـدد كبير من قوارب التشالة للحاجة إليها.

ولم أتمكّن من العثور على أصل هذه اللفظة، وفي الكويت تسمى «صندل»، وهي سفينة متوسّطة الحجم طولها 6 أقدام، وليس لها سطح، إنما «خنّ» كبير مكشوف، وهي للشحن خاصّة.

ويفهم من هذا أنّ هذه النّوعية من القوارب تصنّع بهذه المواصفات، وتحمل الاسم نفسه منذ تصنيعها، وليس بالضرورة أنّ الاسم يعني كلّ سفينة تقوم بمهام النّقل والشحن. وكل التعريفات لهذه السفينة تُجمع أنّها سفينة صغيرة الحجم تنقل البضائع من الباخرة وتوصلها إلى رصيف الميناء.

«السَّنَّان» و«المْعَلِّي»

وقد ارتبطتْ هذه البواخر العظيمة بـ«السَّنَّان» و«المْعَلِّي»، وهما مصطلحان مرتبطان تحديداً بهذه البواخر التي بدأتْ العمل في هذا الخطّ عام 1946، فإذا كانت قادمة من بومباي مروراً بدبي، ثمّ البحرين ثمّ بوشهر أو الكويت فتسمّى «معلِّي»، وإذا كانت قافلة من الكويت قاصدة بومبي فتسمّى «سَنَّان».

وحسب قولهم: فإنّ: «المْعلِّي» رايح إلى الأعلى أي إلى الشمال إلى الكويت وإلى البحرين وإلى البصرة. و«السَّنّان» القادم باتّجاه الخليج وصوب الهند. حتّى إنّ لفظة: «المْعلِّي» تفيد العلو أو «التشامل» والتعمّق في مياه الخليج العربي. وتفيد لفظة: «سَنَّان» الانطلاق المستعجل، ومنه قول أحدهم للآخر: «إيش فيك مِسْتَن» أي منطلق، عجِل، مندفع.

وقولهم: «مِستن ولا هوا» بمعنى منطلق من دون رياح مواتية للإبحار، وللفظة أصل في اللغة العربية الفصحى. فَسَنَن الطريق، وسُنَنه تعني نُهجه وسُبله. وقولهم: ترك فلانٌ سَنَنَ الطريق وسِنَنَه وسُنَنَه أي: جهته. و«السَّنَنُ»: القصد والوجهة.

و«سَنَّ الإِبل سَنّاً» أي ساقها سَوْقاً سريعاً، وقيل: «السَّنّ»: «السَّيْر الشّديد». ويقال: «بنى القوم بيوتهم على سَنن واحد» أي على مثال ونسق واحد، و«المُسَنْسِن» و«المُستَسَنُّ» الطريق المسلوك، ويقال: «استسنّ الطريق» أي سُلِكَ.

وهذا كلّه يفيد بأنّ هذه البواخر لمّا تنطلق من البصرة صوب الهند فهي على نسق واحد، منطلقة، مسرعة، مندفعة تقصد وجهة واحدة لا تحيد عنها. ووردت الإشارة إلى «السَّنّان» و«المْعلِّي» في قصيد للشاعر الشعبي الكويتي زيد بن عبدالله الحرب، في قوله:

له سفرة دايم على الشدّ واللين مدهال للسَّنَّان واللي مْعليِّ

بواخر شهيرة

واشتهرت من هذه البواخر العملاقة «دواركه» (Dwarka) التي سُمّيت بهذا الاسم نسبة إلى أقدم عاصمة لإقليم كوجرات في الهند، ومعناها البوابة إلى السماء، وآلت بها الأحوال إلى توقّفها على شاطئ (Gadani Beach) في باكستان منذ عام 1982. و«دامره» (Dumra)، المصنوعة عام 1946، وقد تنقّلت الأحوال بهذه الباخرة، كما تبدّل عليها المالكون منذ عام 1971.

و«دارا» (Dara)، وتعدّ هذه الباخرة الأحدث ضمن السفن التي دخلت الخدمة في الوكالة، وقد بُنيت عام 1947-1948، وحمولتها 5030 طنّاً، وتحمل من الرّكّاب نحو 1451 شخصاً، وسرعتها 14 عقدة، وإجمالي طاقمها 132 فرداً، وطولها 399 قدماً (121.5 متراً)، وعرضها نحو 54.8 قدماً، وفيها 3 مستويات.

وهذه بالتّحديد احترقت قبالة ساحل أمّ القيوين، في صبيحة الـ8 من أبريل 1961، وكان حريقاً عظيماً، راح ضحيّته 238 راكباً، منهم 20 من أهل الإمارات، و24 من طاقم السّفينة. وكان على متن السفينة دارا وقت وقوع الفاجعة 819 راكباً من أبناء المنطقة.

كتاب

أعدّ الباحث علي محمّد راشد كتاباً مميّزاً حول الباخرة «دارا»، بعنوان «دارا.. تايتنك الخليج.. الرحلة الأخيرة»، ضمّنه معلومات وافية حول هذه الباخرة، وكيفيّة احتراقها، والتحقيقات التي أُجريت بشأنها، إضافةً إلى العديد من الصور والتقارير المهمّة، وهو في ظنّي كتاب رائع، وبديع، وسابق في فنّه، وهو مطبوع في طبعته الأولى عام 2010، وأنصح بقراءته.

درجات المسافرين

كانت البواخر تحمل مئات المسافرين، وترسو قبالة ميناء دبي، وكان المسافرون يستقلّون «التّشالات».

وكانت مقسّمة إلى درجات، الدّرجة الأولى (الفص كلاص) وهي التي تسمح لحامل بطاقتها بالإقامة في غرفٍ خاصّة، ثم الدرجة الثّانية، وهي لا تؤهّل حامل بطاقتها للسكن في الغرف بل له معاملة أقل من الأولى، والدرجة الثالثة تمنح حامل بطاقتها الصّعود إلى الباخرة، وكثير من المسافرين من أهل المنطقة تحديداً من مرتادي هذه الدّرجة لضيق ذات اليد، ويسمّونها «الدّك» (deck).

ومثل هذه الأسماء والمصطلحات والتنظيمات لم تكن معروفة لدى أبناء الساحل، ولكنّهم تأقلموا معها، وعرفوها وتعاملوا معها، وجيّروها حسب لهجتهم.

نظام وترتيب

وعى أهل المنطقة طريقة صعود البواخر، وطريقة شراء التذاكر التي كان سعرها للشخص الواحد آنذاك 30 روبية، مع الأكل بطبيعة الحال، ومن الغريب أنّهم تعاملوا مع «التشاشيل»، ركوباً وانتقالاً وصعوداً، وكانوا حريصين على النظام والترتيب.

وكانت مدّة السفر تستغرق إلى الكويت نحواً من 3 أيام، وهي مسافة مشجّعة للأهالي للسفر على هذه البواخر العملاقة.

إلا أنّ ذلك لا يعني زوال السفر في بقيّة أنواع السفن الخليجيّة من «الأبوام» و«السنابك» و«البغلات» وغيرها، وهي بلا شكّ أرخص قيمة من تذاكر البواخر إلا أنّها أقلّ راحة، وأكثر تراصّاً وازدحاماً مع قلّة في وسائل الترفيه.

كما أنّ مواعيد هذه البواخر محدّدة ومعروفة، ومَن يفوته السفر عليها فإنّه يسافر في بقيّة سفن البحار المعروفة بين أهالي الخليج العربي.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات