كتابات محمد بن راشد.. معين نابض بالحكمة والجمال

صورة

لم أقل فـَنَداً عندما وصفته بالقول: إن صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، ملّاح ماهر، خبَر أعماق الحياة بغواصات فهمه ومراصد بصيرته الثاقبة، وحسّه القادر على قراءة الشيء قبل أن يكون، وعلى المبادرة بالشيء قبل أن يُطلب منه.

وقلت في حقه أيضاً

أراد الله أن يكون في زماننا زعيم تتنازع في خلقته خلاصات الزعامات الخيّرة في العالم، فكان صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، وأراد الله مدينة تتولد على أرضها كل الحضارات، فكانت دبي قلب دولة الإمارات العربية المتحدة، ولم تكن دبي كذلك، لو لم تكن اكتسبت من البحر مرونته، ومن البر رحابته، ومن الجبال شممها، ومن النخيل شموخه، ومن العروبة كرمها، ومن الإسلام أريحيته وسماحته.

الشخصية الاستثنائية

إنني أعلم علم اليقين أن الشيخ محمد بن راشد عالَـَم في عالَم، وهو شخصية استثنائية، كشخصية مجدد القرن الذي لا تجود بها الدنيا إلا كل مئة عام مرة واحدة.

لذلك إذا أردت أن تتعرَّف إلى شخصيته، فعليك أن تضع نصب عينيك عناوين رئيسة، مثل: الأصالة- الرؤية – الاستراتيجية – الحنكة – الذكاء – الفطنة - القدرة الخارقة – النبوغ – الابتكار – الإبداع – الفراسة – التنبؤ – التفاؤل – التسامح – الرياضة – الشجاعة – اغتنام الفرص – الإلهام – سرعة البديهة – حب المركز الأول – سعة الأفق – القدرة على ضبط النفس – الحاسة السادسة – العدل – المساواة – البعد الإنساني- الريادة – القيادة – التميز – الجودة – السلام – الأمن – الحب – الفوز – النصر – الفروسية – الشاعرية – الفلسفة – الهوية – الحضارة – الإيثار - الديمقراطية – التحدي – القدوة – العالمية – الإصرار – القدرة على الإقناع – الجلَد – القدرة على التكيف – القدرة على التغيير – القدرة على الصمود – المغامرة.

حياته

ولد سموه في الشندغة عام 1949، ودرس في مدارس دبي، ثم سافر إلى بريطانيا لإكمال المرحلة الجامعية في الكلية العسكرية، وبعد أن تخرج عاد ليتسلم قيادة شرطة دبي في عام 1968.

وفي عام 1971 عندما قام الاتحاد، تولى منصب وزير الدفاع، وكان سموه يومئذ أصغر وزير دفاع بين وزراء الدفاع في العالم.

وفي عام 1995 أصبح ولي عهد لإمارة دبي.

وفي عام 2006 أصبح نائباً لرئيس دولة الإمارات العربية المتحدة، رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي.

ومنذ ذلك اليوم، وهو في تألق مستمر، أسس عدداً من البرامج والآليات التي حققت الامتياز في التنمية، وعمّقت مفاهيم الإدارة والجودة بأشكالها.

وأسس عدداً من المؤسسات والبرامج لتشجيع الشباب وتنمية الطاقات القيادية، ومكّن المرأة من تسلّم القيادات العليا، وأسس عدداً من كبرى الشركات في الشرق الوسط، وخصص عدداً من الجوائز لتطوير القدرات القيادية.

سموه العضد الأيمن لصاحب السمو رئيس الدولة، وهو أحد المحمّدين اللذين يعول عليهما الشعب في تأمين مستقبل هذه الدولة، وهو مؤسس التخطيط الاستراتيجي المنهجي في حكومة الإمارات، ورائد فكر التميز في الخدمات والأعمال الحكومية محلياً واتحادياً، وهو بالتأكيد من أكبر وأبرز القادة والمفكرين السياسيين والاقتصاديين على مستوى العالم.

وهو بعد كل هذا، يقول في تواضع جم: أنا تخرجت في مدرسة راشد وزايد.

من أقواله الخالدة:

Ⅶ لن نعيش مئات السنين، ولكن يمكن أن نبدع شيئاً يستمر مئات السنين.

Ⅶ لا بديل لنا عن المركز الأول، وكلمة مستحيل ليست في قاموسنا في دولة الإمارات.

Ⅶ أنا أحب خيلي وهي تحبني.

Ⅶ قدوتي في الحياة هو نبيي وحبيبي محمد صلى الله عليه وسلم.

Ⅶ تعلمنا في المدارس والكليات، ولكني لم أجد مدرسة أو جامعة أكبر من زايد.

Ⅶ الوقت كالنهر الجاري، لا تستطيع أن تضع رجلك على الماء نفسه مرتين في نهر جارٍ.

Ⅶ سألني أحدهم: كيف تكون مبدعاً؟ فقلت له: يجب أن تتعود على ألا تتعود.

Ⅶ تكلفة الخوف أكبر من تكلفة بعض الأخطاء.

Ⅶ أسرع وسيلة لتكون سعيداً، أن تغرس السعادة في نفوس الناس.

Ⅶ الذي يحكم نفسه يستطيع أن يحكم غيره ويحكم العالم من حوله.

هذا، ويتميز الشيخ محمد بن راشد بهواياته المتعددة، فهو كاتب وشاعر وقناص ماهر يحب البر والبحر، ويرى الصحراء مصدر إلهامه، وهو فارس حائز على جوائز عالمية، قبل أن يكون حاكماً وسياسياً محنكاً، وخبيراً اقتصادياً على مستوى العالم.

ومن كتاباته:

Ⅶ ديوان الشيخ محمد بن راشد 1990.

Ⅶ ديوان الأمسية 1997.

Ⅶ كتاب رؤيتي 2006.

Ⅶ كتاب قصائد من الصحراء 2009.

Ⅶ كتاب 40 قصيدة من الصحراء 2011.

Ⅶ كتاب محاضرة روح الاتحاد 2012.

Ⅶ كتاب ومضات من فكر 2013.

Ⅶ كتاب ومضات من شعر 2014.

أما نثره فيكاد يكون كله حكماً وأمثالاً، وبشكل عام، يغلب عليه الطابع العلمي، فهو لا يُغرقنا في الخيال، ولا يلهب المشاعر ويثير الهمم والعزائم بنبرات صوته، لكنه بأسلوبه الهادئ، يخاطب سمو العقل ويناجي رقي الفكر، ويشرح الحقائق العلمية، ويسرد الوقائع التاريخية والمجتمعية، ويحاول أن يقدمها إلى العالم في كلمات جزلة وبأسلوب سلس.

وفي كل تلك الأحوال، يرتجل سموه، ويقف لساعات محاضراً، وهو معلم ومؤرخ، وهو حكيم وفيلسوف، وأكبر دليل على ما أقول، كتاب «رؤيتي» وكتاب «ومضات من فكر».

نعم.. أفكار صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم مثل أشجار الزيتون التي نتعب عليها في البداية في الغرس والسقي، وإذا أثمرت، ظلت معنا طول عمرنا وعمر أولادنا.

سموه يحب الإبداع والابتكار، فيفكر في ما لا يخطر ببالك، لذلك يقول دائماً: أنا لا أحب أن أواكب، ولكني أحب أن أَسبِق، فالمواكب لن يأتي أولاً. كما أنه يحب التفاؤل، حتى في ساعة الأزمات، لا يأس ولا مستحيل عنده.

سموه صاحب فلسفة خاصة، وصاحب نظرية خاصة، هو لا يشبه أحداً، ولا أحد يشبهه، انظر حُبه للخيل حيث يقول عنها: حبها يجري في دمي وكياني، وهو طبيب عارف بالخيول، لذلك يستمع إلى إحساسات الخيل فيحاورها، وقصيدته «العاديات» أكبر برهان.

ولنقرأ له أيضاً مقولته: انتبه لأفكارك، فإنها تصير كلمات، وانتبه لكلماتك، فإنها تصير أفعالاً، وانتبه لأفعالك، فإنها تصير عاداتك الملازمة لك، وانتبه لعاداتك، فإنها تكوّن شخصيتك، وانتبه لشخصيتك، فإنها تحدد مصيرك.

هذا الكلام الفلسفي من الشيخ محمد بن راشد، يذكرني بكلام فلسفي آخر لأفلاطون الذي قال: نطقك ترجمان عقلك، وفعلك ترجمان أصلك، فافهم ما تقول، وادرِ ما تفعل.

وأما شِعره، فهو يكتب النبطي ويكتب الفصيح، وبدأ بالنبطي بطبعه البدوي منذ وقت مبكر، لكنه كان ينشره تحت أسماء مستعارة، لأنه لا يريد أن يعرض فكره على الناس إلا بعد صقل ونجاح على حد قول الشاعر:

لا تعرضنّ على الرواة قصيدة

ما لم تكن بالغتَ في تهذيبها

وإذا عرضتَ الشعر غير مهذب

عدّوه منك وساوساً تهذي بها

قضايا

والشيخ محمد بن راشد عندما كتب الشعر، تحدى به كبار الشعراء، ودخل معهم في أمسيات أمام الملأ، وهو بشكل عام، تناول معظم أغراض الشعر، من شعر عاطفي وفخر وحماسة وعتاب وسياسة واجتماع ومديح ودين، وبشكل عام، أحب القضايا العامة أكثر من القضايا الفردية والخاصة.

ويتميز شعره بأنه قويّ في لفظه، وعميق في معناه، ونابع من القلب، كقصيدة «العاديات» على سبيل المثال، التي منها هذه الأبيات:

قضيتْ عمري في مِوَدَّتها

أحبِّها ولا أقدَرْ أخَلِّيها

إتْعَرفِني وإتعَرفْ أسلوبي

والخيلْ تِفْهَمْ طِبْعْ راعيها

فيها الذكا والعِرفْ والفِطنهْ

إبلا كلامْ أفهَمْ وأحاكيها

وإنْ غِبتْ عَنها دَوِّرَتْ عَنِّي

ريحَةْ ثيابي بَسْ تكفيها

عطيتها لي مَرْ منْ عمري

واللي بقىَ منْ العمرْ بَعْطيها

واقرأ له أيضاً قصيدته في الأم، التي جاءت تشتكي إليه جفوة ولدها:

جت تشتكي لي من ولدها حزينه

مجروحة الخاطر ظلمها ولدها

كانت تظن أنها لديه الضنينة

اللي تحسبه قطعة من جسدها

إلى آخرها.. وقد شبهت هذه القصيدة في إحساسها، بقصيدة الأرملة المرضعة للشاعر معروف الرصافي التي مطلعها:

لقيتها ليتني ما كنت ألقاها

تمشي وقد أثقل الإملاق ممشاها

أثوابه رثة والرجل حافية

والدمع تذرفه في الخد عيناها

نعم.. وكتب سموه الألغاز بالنبطية بلغة التحدي القوية جداً، حتى عجز فحول الأدباء عن حلها.

ولو جئنا إلى الشعر الفصيح، لوجدنا أيضاً أن سموه أبدع في الحِكَم والفخر والفلسفة والتربية والابتهالات وقضايا الأمة والمسابقات الرمضانية، التي راعى فيها البساطة والوضوح، لأنها لطبقة معينة من الناس.

شاعر متمرس

ومن هذا وذاك، يتضح لنا أن سموه شاعر متمرس ومجدّد متجدد، وباستطاعته أن يتحكم في اللفظ والمعنى والقافية والوزن، ونلاحظ أنه مطّلع وقارئ نهم، على مستوى كل الفنون، وفي الشعر متأثر بالشعراء الجاهليين، وبالمتنبي وأبي تمام خاصة، وإلا لم يأتِ شعره معبـِّراً ومليئاً بالصور البلاغية وبالأفكار الإيمانية والأدبية، ومتناولاً كل جوانب القضايا المجتمعية.

وبالمناسبة، عندما نشر سموه قصيدته «اللغة الخالدة»:

طفقت أبحث عن كتبي وعن ورقي

ورحت أبذل من تبري ومن ورقي

قال بعضهم: الشيخ محمد بن راشد يكتب بالنبطي، فكيف هذه المرة كتب بالفصحى؟ لكني لم أستغرب، لأني أعرف من زمن أنه يجيد الكتابة بالفصحى أيضاً، ومن ذلك، أذكر لكم موقفاً واحداً فقط.

كنا على الغداء في قصر «فالكون» عند سموه، وقد أجلسني بجانبه على الغداء، وكنت أسعل يومئذ، فقال: ما بك؟ قلت: منذ أربعين يوماً وأنا مع السعال، فسكت ثم دخل بعد الغداء مكتبه، وأتى لي بقارورتين، قال: خذ حبة من هذا وحبة من هذا، فخرجت ففعلت بما قال سموه، فذهب السعال، فعلمت أنه شاعر وطبيب، فقلت في نفسي: لا بد أن أشكره شعراً، وبعد ثلاثة أيام التقيت سموه فعلاً على الغداء في الفالكون أيضاً، فألقيت قصيدة طويلة قلت فيها:

الشافي الله لكن كنتمُ سببا

في أن يزول سعالي مُمعنا هربا

إن السعال عدوّ يستهان به

لكنه فاتكٌ إعــــــــــدامه وجبا

إلى أن قلت:

حتى أتيتك والآمال تغمرني

بأن أراك فيغـــدو الهمّ منسربا

وما ظننتك من سُقم تعالجني

لكن فعلتَ وهذا زادني عجبا

إذ كيف فارس عُرب كيف شاعرنا

قد صار في الطب أيضاً يعتلي رتبا

والقصيدة طويلة، ولما انتهيت مدّ سموه يده، وأخذ ورقة وكتب بيتين مرتجلاً يقول:

يا أيها الشيخ إن الرد قد وجبا

ونحمد الله أنَّ الخطب قد ذهــــــبا

وعندنا لك إن عانيت من علل

حتى الذي قد يصيب الظهر والرُّكبا

كتب ذلك أمام الناس في المجلس وبسرعة فائقة.

أجل.... تفوّق الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم في الشعر النبطي وفي الشعر الفصيح، ولقد أتحفنا سموه بعد قصيدة «اللغة الخالدة»، بقصائد فصيحة أخرى كثيرة، منها القصائد التي يستهلها بقوله:

ما يصنع الشعر فينا أيها العرب

كفكف دموعك أيها المشتاق

عيد الشهيد له المحلّ المشرق

مربع المجد مورق وأنيق

أقبل كأجمل ما يكون الموعد

رحمة أنت قدّرتك السماء

ليس للإرهاب دين أو كتاب

شراب راق لي من غير ساقي

وقفت أمام بابك يا قريب.

نعم.. ولولا خشية الإطالة لذكرت أكثر وأكثر من تلك القصائد التي تعبّر عن شاعرية عملاقة، وقريحة جدّ خصبة، أو من تلك المقولات الفلسفية التي لا ينضب معينها.

فصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، الذي يملك الكثير من بطولات الكَلِم والمواقف البطلة، لا يكفيه مقال ولا قلم واحد، ولا كاتب واحد أن يعبّر عنه، وإنما هو دنيا من عظائم الأفكار وجلائل القيم ونوادر الإبداع والابتكار، فليتحدث عنه كل أهل الدنيا، وليسجلوا بعد ذلك عجزهم وليستحيوا من أقلامهم التي كلت، وأفكارهم التي أُعيت، متّعنا الله بحياته، وأدام عليه الصحة والعافية.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات