لم تكن لتمرّ تلك العلاقة التي جمعت الشاعر محمود نور بالشاعر الراحل سلطان بن علي العويس دون أن تترك أثراً واضحاً وملموساً على تجربته الحياتية والشعرية؛ إذ إنه لا يزال يسكن ذاكرته من خلال نصائحه وحكمته التي انعكست على قريحته، متنقلاً بين الشعر النبطي والفصيح اللذين يكتبهما بمهارة وتمكّن يؤكد أن القصيدة حين تباغته؛ فصيحة أو نبطية، فإن الشاعر المتمكن قادر على كتابة أي النوعين الإبداعيين يريد؛ سواء أكان نبطياً أم فصيحاً.

بصفتك المدير العام لمجلس العويس الثقافي، كيف خدم المجلس ساحة الشعر الشعبي في الإمارات؟

مجلس العويس ليس مجلساً شعرياً، إنما هو منصة ثقافية تعنى بكل فعل ثقافي، وقد رعى المجلس ونظم وقدم فعاليات منوعة لم تخلُ من الشعر؛ كالأمسية الثقافية الفنية (على الخطوط بين المسافات)، التي قدمها كل من الفنانين القديرين المصري علي الحجار، والبحريني خالد الشيخ؛ فقد قدمت تلك الفعالية سيرة فنية بشكل مبدع ومغاير ومميز؛ إذ تغنى الاثنان شعراً وثقافة وموسيقى، إضافة إلى الندوة التي قدمها عبد الغفار حسين عن (شخصيات من آل العويس)، والتي اتسمت بحضور الشعر، كيف لا وفيها ذكر لعلم من أعلام الشعر العربي ألا وهو الشاعر الراحل سلطان بن علي العويس، رحمه الله.

ما تأثير علاقتك بالشاعر سلطان بن علي العويس، رحمه الله، على شخصيتك وتجربتك الشعرية؟

الشاعر الكبير سلطان العويس كان منارة لكثير من الشعراء الذين مروا في حياته، أما بالنسبة إلي فقد أغناني وجود سلطان العويس في حياتي، وترك في داخلي ذكريات جميلة لمرحلة كنت فيها بحاجة إلى العطاء الفكري والنفسي والاجتماعي، الذي قدمه لي الراحل الكبير من خلال نصائحه وحكمته وفهمه العميق للحياة، ما منحني قدرة على فهم الواقع بشكل أعمق وأكثر جرأة وتفاعلاً.. سلطان العويس لا يزال يعيش في ذاكرتي لأنه ملأها بالكثير من المودة والتقدير والوعي.

تكتب الشعر النبطي والفصيح، إلى أيهما تميل؟ وهل كل شاعر نبطي قادر على كتابة الشعر الفصيح ولماذا؟

الموضوع لا يتعلق بميل الشاعر إلى الكتابة بالفصيح أو النبطي، فالقصيدة الشعرية حين تداهم الشاعر تباغته بحالتها الشعرية الراهنة، سواء كانت فصيحة أم نبطية، والشاعر المتمكن يستطيع أن يكتب الفصيح والنبطي على حد سواء. إلا أن العملية هنا تختلف وفقاً لحجم تجربة الشاعر فيما إذا كانت أعمق في الفصيح أم مع النبطي. أما بالنسبة إلى أيهما أميل أكثر، فأنا أجد أنني في الفصيح قد أغنيت تجربتي بحكم دراستي للأدب العربي، ومتابعتي لعمالقة الشعر الفصيح. لكن هذا لا يقلل من حجم حظوة الشعر النبطي لدي.

كلفت بمراجعة وتدقيق الدواوين الشعرية في مبادرة حمدان بن محمد للإبداع الأدبي، حدثنا عن هذه التجربة؟

تجربة مراجعة دواوين كبار الشعراء الشعبيين تجربة ثرية، وأنا أشكر القائمين على المبادرة وعلى رأسهم أخي وصديقي ماجد البستكي على ثقتهم أولاً، ومنحهم الفرصة لي لوضع تجربتي المعرفية والشعرية موضع المحك، فالتعامل مع القامات الشعرية الكبيرة يفتح الكثير من الآفاق المعرفية للمدقق تثري تجربته من خلال اطلاعه على إبداعات الشعراء وتنوع تجاربهم الشعرية، وممَّا يشعرني بالفخر أنني راجعت بالفعل دواوين شعراء كبار منهم المرحوم مساعد الرشيدي، والمرحوم سعد بن جذلان، والشعراء الكرام: سيف السعدي، ومحمد المر بالعبد، والشاعرة القديرة أنغام الخلود، والشاعر المتألق علي الحمري، وأحمد الشحي، وغيرهم. لقد راجعت من خلال المبادرة فقط دواوين نحو 13 شاعراً من أبرز الشعراء الشعبيين على الساحة الخليجية، وهذا بحد ذاته مكسب أفخر بأني حصلت عليه، فقد عرَّفني إلى مضامين إبداعية لم يكن يتسنى لي معرفتها لولا تلك التجربة الفريدة.

رغم أنك راجعت ودققت العديد من الدواوين، إلا أنك لم تصدر ديوانك الشعري بعد، ما السبب؟

على الرغم من الكم الكبير للقصائد التي كتبتها خلال مسيرتي الشعرية، إلا أنني أشعر بأن الديوان الشعري الذي يفترض أن يطرحه الشاعر يشكل مسؤولية إبداعية وفنية، أشعر بأنها تحتاج إلى الكثير من التروي والانتخاب، فالديوان حين يطرح للتداول يصبح ملكاً للقارئ الذي سيبحث عما يرغب في معرفته من خلاله سلباً وإيجاباً، كما أن الديوان يحتاج إلى الجرأة والتفرغ والتمهل والانتقاء كي يأتي مقنعاً، وعليه فأنا أفكر جدياً في السير بهذا الاتجاه قريباً؛ لأن على الشاعر أن يجمع آثاره الإبداعية ويطرحها للقارئ، فهي هويته التي سيتعرف من خلالها الآخر على عالم الشاعر الخاص.

نُشرت أول قصيدة لك عندما كنت في السادسة عشرة من عمرك، متى كان الاكتشاف لمحمود نور الشاعر؟ وما الفرق عند نشر تلك القصيدة وتجربتك الآن؟

صدِّقي بأنه لا يمكنني أن أشعر بالفرق بمعنى مفهوم الفرق، إلا أنني بحكم الزمن والاطلاع أصبحت صاحب تجربة حياتية وأحاسيس فنية وثقافية أوسع وأكبر، كما أن أدواتي المعرفية بكل ما يتصل بالشعر ستكون حتماً متطورة ومعززة بمزيد من الخبرات نتيجة الممارسة والمتابعة والبحث وحجم الاطلاع، وتطور الاستيعاب، إضافة إلى مهارة الكتابة التي غدت أفضل؛ فأنا أستطيع الآن الكتابة متى أردت، وفي أي شأن، لكنني كنت في البداية أجد قدراً من الصعوبة في مسألة الإلمام بالفكرة والمضمون الذي كنت أود الكتابة عنه.

لقد نشرت أول قصيدة لي في المجلة المدرسية وأنا في الصف الثاني الثانوي، وتلك القصيدة كانت مدخلي إلى عالم الشعر الذي اكتشفت فيما بعد كم هو واسع ومتشعب ومتعدد الأغراض.

اكتشاف الشاعر للحالة الشعرية لديه لا يمكن وصفها، فهي تأخذ ملامحها وتتطور تماماً كما يحدث للطفل خلال نموه، ولهذا نحن لا يمكننا أن نشعر بالتغيرات التي تطرأ على من هم معنا. كيف ومتى يكبرون. لكنك حين تفارق شخصاً ما سنين عديدة ثم تعود لتلتقي به ستلحظ عندها الفرق، وستدرك أن الزمن قد فعل فعله، ولهذا لا أجد انفصاماً بين محمود نور الذي نشر قصيدته وهو في الثاني الثانوي ومحمود نور الذي تحاورينه الآن.

تتفاعل مع مختلف المناسبات والفعاليات والأحداث من خلال الأبيات الشعرية، إلى أي مدى يكون الشاعر قادراً على التعبير عن هموم مجتمعه؟

من المفترض أن يكون الشاعر على تواصل دائم مع قضايا وهموم ومشاعر الناس؛ لأنه يملك إمكانية التعبير عن تلك الأمور بوعي وقدرة على إيصال المراد إلى الآخر. وبهذا المفهوم يكون الشعراء في المسار الجاد حيال القضايا الوطنية والاجتماعية والجمالية؛ فالشاعر لا يطلب إليه أن يكتب في حب الوطن مثلاً، لأن حب الوطن مغروس في أعماقه، وحين يشعر بأن هناك عارضاً ما قد مس الوطن تتأجج في داخله تلك الجذوة وتتقد قصائد تمجد الوطن وشعبه وقادته، وقس على ذلك تعامل الشاعر مع الموضوعات الشعرية الأخرى.