لم تعد هناك دولة في العالم الحديث إلا وقامت باستثمار أساطيرها من خلال التكنولوجيا الحديثة، سواء في السينما أو المسلسلات أو المذياع.. فنحن نعلم بلا شك أن كل الأمم لديها أساطير، وإن خلت منطقة من أي تاريخٍ أو تقدم علمي أو غيره، لكن الأكيد أنها لا تخلو من الأساطير ولو من واحدة، وكأن الإنسان ينتمي فقط لهذه الحكايات الخرافية الشفهية ليصبح تراثاً مسطراً في قلبه ومنذ طفولته، فتقال لتقاس بمقاييس تقليدية تعبّر عنه فكراً ومعتقداً، على الرغم من أنها مصطبغة بالخيال، لكنها تبدو شبيهة بالواقع وبفاعلية إبداعية كبيرة، لتروى مع الوقت كأحداث خارقة وغريبة، لكنها مدهشة، هدفها طرح قضايا من خلال أبطال غير مألوفين وأحداث لا تبدو منطقية، لكنها تقول الكثير.

أساطير

في البداية نحن نعلم أن بعض الأساطير خرجت من حكايات واقعية، لكنها بالطبع طرحت بشكل مختلف، فلم تعد كالحكايات الأخرى، لكونها تحمل وقعاً مختلفاً وبوصفها مختلطة بالحيرة والذهول مع الشعور بالخوف من شخصياتها الفريدة من نوعها لأنها تطورت مع الزمن، فظهر الأبطال بوجوه مخيفة لا يشبهوننا، كطائر وحشي، أو حيوان متكلم، نهابهم على الرغم من العطاء غير المرئي بداخلهم، واليوم وفي صفحتنا هذه نريد أن نستعرض أقرب الأساطير لنا في الخليج وجزيرة العرب.

* جبل (قِطن)

أسطورة «طمية»

وفي جزيرة العرب، المشهورة بصحرائها وجبالها التي تعد بالمئات، والمزدحمة بالحكايات والغرائبيات التي لا نهاية لها، فإن ما تزخر به من أساطير يصلح أن يتحول أفلاماً وسيناريوهات... لما فيها من خيال ودروس وميادين طبيعية مختلفة تعكس الإنسان وأفعاله ذاتها كما هي أسطورة «طمية».

«طميّة» اسم أنثى يطلق على جبل في الطائف بجزيرة العرب، وقبل أن أبدأ بها، لا بد من التوضيح عن هذه الشخصية الجبلية الأسطورية التي برأيي آن أوانها في أيامنا هذه أن تصبح مدخلاً من مداخل الأدب، لما فيها من قدرات في حبكتها اللا معقولة التي تأخذ الأنفاس أثناء سردها.

في حكايتها الخرافية، تغنينا «طمية» عن الكثير من القراءات وتمنحنا نصوصاً خالدة، تحقّق الكثير لمن حولنا من المهتمين بالمناخ وما يتعلق بالجغرافيا والجيولوجيا والإنسان والحب والحقد.. وأحداث حدثت في الطبيعة وبين جبال تبدو كشخصيات تصارع بين الخير والشر، والحب والحقد، لتتعاطى الأسطورة التي وقعت في وسط نجد بكامل الأدوات الفنية وكما يجب، فالأنثى جبل «طمية»، تعشق جبلاً ذكراً يدعى «قِطن»، كانت «طمية» تجلس قرب الطائف.

* جبل (عُكاش) مع ابنه (ديم)

لكنها قلعت نفسها من مكانها لتترك موقعها بركاناً، أو كما يقول العرب حَرّة، أو كما يسمى اليوم من الناحية الجغرافية بـ«فوهة الوعبة»، وخلال مسيرتها العشقية وهي تمضي وتطير في الهواء إلى «قِطن»، ليلمع البرق في السماء، فيراها جبل أسود قبيح متقدم في السن يدعى «عُكاش» ويرى كيف تتساقط منها الصخور وهي طائرة، فيقرر إسقاطها.. سقطت «طمية» بعد أن كسر «عُكاش» ساقها، وجلست ولم تستطع أن تكمل طريقها إلى «قِطن»، ليتزوجها الجبل «عُكاش» رغماً عنها، بعد أن بات يقابلها بوجهه، وقد ذكر ياقوت الحموي كيف أن الجبلين يتناوحان أي يتقابلان.

يمضي الزمن وتنجب منه ولداً يدعى «ديم» وهو جبل قائم ومعروف حتى هذا اليوم، لكن الوقت لا يقتل الحب وتنفصل «طمية» عن «عُكاش»، ليأتي لها معشوقها جبل «قِطن» صاعداً فوق هضبة حمراء ويتزوج «طمية» أخيراً.

أغراض الأسطورة

الجغرافيون والجيولوجيون والآثاريون العرب والأجانب زاروا موقع جبل «طمية» ومكانها بعد قلعها نفسها من المكان الذي وجدوا فيه ما يسمى «فوهة الوعبة»، وكأن الأسطورة كانت حقيقة في يوم من الأيام المجهولة، وكذلك أثناء مسير «طمية» ومراقبة الطريق من الفضاء فإن أحجارها فعلاً متساقطة بذلك الطريق، وهي أحجار من صنف جبل «طمية» نفسه، وكذلك موقع ابنها جبل «ديم»، والتفاصيل الأخرى بأسمائها موجودة حتى يومنا، لتظل «طمية» ومحبوبها «قِطن» بطلين للأسطورة، و«عُكاش» شر مستغل للمواقع والأحداث، لكن الخير أي الحب ينتصر على الشر بزواجهما في النهاية.

* جبل (طمية)

مخلوقات خيالية

وإن تتبعنا الأساطير نجدها غير متشابهة، وأقرب لحكايات عن مخلوقات غير واقعية كآكلي لحوم البشر وحيوانات تتحدث، مروراً بأساطير حضرية كالأشباح واللعنات أو المخلوقات الخفية أو التي انقرضت منها.. وحتى أساطير بلاد الرافدين التي تتحدث في معظمها عن آلهاتها وقصصها، وملاحم كملحمة «جلجامش» التي تجري أحداثها بين جنوب العراق وغابات لبنان والخليج عند «دلمون» / البحرين، ناهيك عن علم الأساطير المقارن من حيث الطقوس والثقافات القديمة وتطورها، والنتيجة أن الأسطورة أدت الأغراض الأكاديمية المستهدفة لأغراض فكرية ونفسية للإنسان، الأمر الذي يجعلها تبدو ذات جاذبية كبرى.

* حوض النذور

أساطير عُمانية بدلائلها الأثرية

في سلطنة عُمان قام فهد مبارك وهو باحث وأكاديمي عُماني، بدراسة بيّن فيها الأسطورة في عُمان من خلال علم الآثار وربط ذلك بالتاريخ، وعن طريق 3 أساطير عُمانية هي: أسطورة «الإله ميثرا»، وأسطورة «إله المطر»، وأسطورة «الإله سين» (إله القمر)، يدخل الباحث في ما يسمى بعلم «أساطير الآلهة»، أي من حيث المعتقد وطقوسه الأخرى، فإن ذهبنا إلى أسطورة «الإله سين» في عُمان فإن أعمال التنقيب في مدينة «سمهرم» الواقعة قرب مدينة صلالة، دلّت على وجود معبدين ارتبطا بالديانة القمرية التي كانت منتشرة مثل مكان الاغتسال المقدس كما يقال، وموائد النذور المعروفة والقرابين في معبد «الإله سين».

كما يناقش الباحث مظاهر الأسطورة في عُمان من هذا المنطلق والتأكيد التاريخي ومظاهر الآثار عليه، وليس القمر فحسب، بل مظاهر الأسطورتين الأخريين، مثل أسطورة «إله النور» في جبال الحجر الشرقي في السلطنة، وكيف أن المواقع هناك من خلال المباني الأثرية القديمة عائدة إلى الألف الثالثة قبل الميلاد، وكيف أن هذه المباني توضّح رؤية مختلفة لتلك الحكاية الشعبية المشهورة، وهي حكاية «الياهل»، وكما نلاحظ أن المفردة مشاعة في بلادنا، وهو الطفل حين يلد لتصفه الأسطورة بـ«الياهل» لكونه مخلوقاً ليّناً بلا عظام.

لكن كما تقول الأسطورة فإن «الياهل» الأول حين خُلق في هذه الأرض كان يمد كلتا يديه إلى مسافة طويلة من الأميال ليأتي بالطعام من البحر والبر، فتمتد حكايته إلى الكثير من التفرعات وإلى الأماكن الجغرافية المنوعة، ليطلق علماء الآثار على الياهل «كبيكب»، وأنه جاء من الأبراج الآثارية التي في وادي بني جابر، والتي يعود تاريخها إلى العصر البرونزي، ويضيف الباحث فهد مبارك في بحثه الشائق هذا بأن العالمة الجيولوجية د. إنجبورج جوبا تعتقد أن أبنية «شير جيله» هي في الأصل أبنية دينية، ومن المحتمل أن تكون مخصصة للعبادة لا الأضرحة.

أسطورة حائلية بين «سلمى» و«أجا»

أسطورة حب شهيرة ذات نهاية حزينة، وقعت في حائل شمال وسط جزيرة العرب بين فتاة تدعى سلمى وشاب يدعى أجا، لم يتم زواجهما بسبب الأعراف القبلية، ويقال إن الحكاية حقيقية حدثت في حائل قبل الإسلام، وفي عقر دار قبيلة العماليق المشهورة بمكانتها، وأمام رفض الأهل قررا الهرب معاً، برفقة خادمتها التي تدعى العوجاء، ولكن قبيلتهما أمسكت بهما، وقررا صلبهما بين جبلين، على الجبل الغربي منه صُلب أجا، وعلى الجبل الشرقي صُلبت سلمى، وسمي الجبلان باسمها جبل سلمى وجبل أجا إلى يومنا هذا، وهما جبلان شهيران بالأودية والمزارع وأشجار الرمّان.. والخلاصة أن حكايتهما تحولت إلى أسطورة، بما فيها من تفاصيل كثيرة ومرعبة في أمر تعذيبهما قبل أن يتحولّا من الحياة إلى الموت.

«حرفة».. أسطورة جنوب الجزيرة

«حرفة» جبلٌ واقعٌ وسط قرية بني عمرو التابعة لعسير جنوب السعودية، يمتاز بشكله المميز، من غابات كثيفة وكثيرة ومن جميع اتجاهاتها، ويقال إنه ما أن يأتي الليل حتى تصدر من الجبل أصوات مرعبة وكأنه لا يريد من أحد الاقتراب.. أما الأسطورة حول هذا الجبل، فتقول إن فتاة جميلة من هذه القرية ذهبت يوماً لتأتي بالماء من بئرٍ هناك، فوجدت خاتماً يطفو فوق الماء، حاولت جلبه ليتم سحبها إلى أسفل البئر، ومنذ ذلك اليوم وهي مختفية، وليدخل بعد أيام ثعبان إلى منزل والدها، يطلب من والدها عدم قتله، فما هو إلا مرسول من الجِنيّ الذي تزوج ابنته، وهو الآن قادم لتلبية مطالبه لكونه والدها، وهذه هي الأصول لدى قبائل الجن.

أساطير الحجاز ومخاطبة الجبال

أشيع طويلاً ومنذ العرب الأوائل في جزيرة العرب، بأن الجبال مؤثرة في الإنسان، وبإمكانه أن يستغل هذا التأثير لصالحه، من منطلق أن الجبال حجارة والأحجار تحس، مثلها مثل الإنسان والحيوان والنبات، لذا قيل إن من يزيل وجع الرأس هو جبل «أبي قبيس»، وأن جبلاً حجازياً يسمى «خودقور» يعلّم السحر، وكما أتى أيضاً في كتاب «الأساطير والخرافات عند العرب» للدكتور محمد عبد المعيد خان، كان الأوائل في جزيرة العرب يخاطبون الجبل، إذا أرادوا «الفضفضة»، وكأن الجبل أخٌ أو صديق، إذ كانوا يقولون لجبل «ثبير» في الحجاز، والذي تشرق منه الشمس، ويقع بين مكة ومنى، ليخاطبوه بقولهم: «أشرق يا ثبير كيما نغير».

1992

أنتجت شركة ديزني فيلم «علاء الدين»، الذي يحكي قصة من «ألف ليلة وليلة»، وانتشر الفيلم عبر العالم، رغم أنه لم يستفد من التراث العربي الغني كما يجب.

1997

أنتج فيلم «الأوديسة» المأخوذ عن الملحمة الإغريقية الشهيرة للشاعر الأعمى هوميروس الذي ينتصر في هذه الملحمة الشعرية للعقل لا للقوة، ولقي قبولاً كبيراً.

2016

تم إنتاج فيلم أميركي عن أساطير مصر، تم تسميته بـ«آلهة مصر» ويتحدث عن الإله المصري القديم «حورس» ومهمته الأسطورية في إنقاذ العالم من إله الظلام القاسي.