أحد الأشياء التي تثير الانتباه في رواية حليب سوفيتي هو أن بطلتها امرأة تبحث عن خصوصيتها. هذه الرواية من الأعمال المنشورة أخيراً والتي وصلت إلى مناطق واسعة من العالم، ونالت قبولاً غير متوقع في الغرب بسبب ما يقال إنه تشابه الإشكالية فيما يتعلق بقضايا المرأة، وذلك أثناء إثارتها الجدل حول بعض ما تحتوي عليه من تفاصيل.
ومن ذلك ما قاله الكاتب البريطاني جيرمي.ام. ديفيس من أن الترجمة الإنجليزية لرواية «حليب سوفيتي» للكاتبة اللاتيفية نورا إكستينا الصادرة العام الجاري 2018 لا تزال تحظى باهتمام كبير في الأوساط النقدية.

مضيفاً أن إكستينا بنشرها هذه الرواية استطاعت أن تفتح مساراً جديداً ليس أمام الأدب اللاتيفي فقط ليعبر الحدود وصولاً إلى دول أخرى عبر ترجمته إلى الإنجليزية، وإنما كذلك للأدب المكتوب باللغة الإنجليزية أن يتواصل معه.
وعلى الرغم من عدم حرص المؤلفة على أن تتحول أعمالها الروائية إلى أفلام سينمائية تعرض عالمياً، فإن هذه الرواية قد تحولت إلى فيلم ذائع الصيت، يقتفي التفاصيل المرعبة للتجاوزات التي قامت بها الدولة السوفييتية السابقة، والتي تحولت إلى كابوس يومي في حياة الكثيرين.
وفيما يجسد موت النموذج الستاليني الأمل في هذه الرواية، تجد أن هناك شيئاً آخر يدخل في صلب العمل، أكثر إيجابية وتأثيراً، وهو الحب والتشبث بالحياة والرغبة في العيش، على الرغم من سطوة الشعور بالاكتئاب والاضطهاد الفكري واختلال مشاعر الأمومة لدى بطلة الرواية. والواقع أنها رواية تعتمد على المقارنة في تفاصيل الحياة بين ما كانت عليه وما ينبغي أن تكون عليه من توافق وإنسانية وإحساس بالآخر.
والواقع أن ما تسعى إليه إكستينا في هذا العمل هو السعي إلى إثبات أن بإمكانها مخاطبة الرأي العالمي بمشكلتها، وربما تكون قد نجحت في ذلك واستحقت جائزة «ذي أوردر أوف ي ثري ستارز فور سيرفس» الأدبية وجائزة «المجلس البلطيقي»، كما أضيفت لها جائزة «الأدب اللاتفي لأفضل الأعمال السردية» 2015 فئة الرواية.
والحقيقة أن صناعة النشر تعتبر من الصناعات الإبداعية التي تهتم بها «لاتفيا» على نطاق واسع وتخصص لها ميزانية ضخمة. وبعد حصولها على الاستقلال في مطلع التسعينيات، كان قطاع النشر أول جهة تتم خصخصتها، ووفقاً لذلك تضاعف حجم ما ينشر سنوياً من أعمال إبداعية بشكل سنوي.
وخلال العام الماضي سلَّطت الأضواء على لاتفيا أثناء مشاركتها في «معرض لندن للكتاب» إلى جانب كل من أستونيا وليتوانيا، وقد تزامن ذلك مع التصريحات التي أطلقها المدير العام للمعرض «جاكس توماس» حول الحالة الإبداعية التي تشهدها دول منطقة البلطيق في هذه الفترة حين قال: «إن هذه الدول تتمتع على الصعيد الدولي بموروث أدبي تاريخي عريق وثري مكمل لما تشهده الآن من نهضة ثقافية»، فيما لقيت نورا إكستينا ترحيباً واسعاً في الأوساط الأدبية والثقافية العالمية، لاسيما الغربية.
حيث أشاد عدد من النقاد بهذا العمل الروائي الذي لاقى صدى واسعاً نظراً لما يتمتع به من إتقان على المستوى الإبداعي وما يحتوي عليه من إشكالية عامة وخصوصية تتعلق بالمرأة. وفي الأثناء أجرى معها ميخائيل مستيلو المحرر بصحيفة «بلطيق تايمز» الحوار التالي حول الرواية كما تضمن الحوار حديثاً حول الجولة التي قامت بها أخيراً لزيارة معرض لندن للكتاب 2017 وعرض روايتها المترجمة إلى الإنجليزية. وفيما يلي نص الحوار:
حرية شخصية
إكستينا شاركت في معرض لندن للكتاب هذه المرة برواية حليب سوفيتي، وتحدثت عن معاناة المرأة وخصوصية الموضوعات المتعلقة بالمرأة، الشيء الذي فرض على حياتك الشخصية نوعاً من الضغوط التي يثور حولها الجدل في المرحلة الراهنة، ما رأيك في ذلك؟
هذا الفهم غير صحيح، لقد اختلفت الأوضاع كثيراً، وبالنسبة لي فإنني أنظر إلى ذلك باعتباره حرية شخصية، كما أشيد بدور المخرجة السينمائية اللاتفية «إنارا كولمان» في التوعية بذلك من خلال فيلمها المقبل.
تدور تفاصيل رواية «حليب سوفيتي» حول مشكلة الحب الذي لم تكن الأم قادرة على منحه لابنتها، هل كان الناس على وعي بما يعنيه الحب هنا؟
بكل تأكيد، كانوا يعون ذلك جيداً. إن روايتي مليئة بذلك وتسلط الضوء على الصراع من أجل الحب. وأعتقد جازمة أن الأم في هذه الرواية تحب ابنتها كثيراً، ولذا فهي لا ترغب في إعطائها الحليب كي لا تمر بنفس التجربة القاسية التي مرّت بها هي في حياتها.
ظروف مشابهة
تقول «روزي غولدسميث» التي قامت بمراجعة روايتك: «الحقيقة أننا لم نسمع شيئاً عن لاتفيا منذ استقلالها عن الاتحاد السوفييتي السابق»، إلا أنك تتحدثين عنها بصوت حقيقي وقوي لا تنقصه الأصالة، والآن أخبرينا من أين استلهمت هذه التفاصيل التي ترد في الكتاب، ولماذا كان الحب كثيمة، مهم بالنسبة لك؟
لقد بدأت بالتفكير في كتابة هذه الرواية قبل 20 عاماً، عندما توفيت والدتي عن 54 عاماً. إن موضوعها في الحقيقة شخصي بالنسبة لي، أردت أن أشرح من خلاله المعاناة التي مرّت بها هذه المرأة. والواقع أنني كنت أشعر بأنها قد منحتني نصف عمرها. ولقد توخيت الأمانة التامة في تناولي هذا الموضوع على الرغم مما كان يشوبه من عواطف وصعوبة.
غير أن ما أسعدني هو أن تلقى الرواية صدى واسعاً في العديد من الدول كبريطانيا وإيطاليا وهنغاريا وليتوانيا وأستونيا والسويد وغيرها من دول العالم التي استطاعت أن تصلها والتي لقيت فيها الترحيب بسبب ظروف مشابهة مرّت بها المرأة في تلك الأماكن.
كاتب اليوم
كنت من المشاركين في معرض لندن للكتاب، ما أهمية ذلك بالنسبة لك، وما الذي كنت تنوين القيام به هناك؟
لقد شاركت في فعالية «كاتب اليوم» وهو ما يشرفني ويشرف كل كاتب لاتيفي يتم تكريمه، وأجريت عدة مقابلات وقراءات ونقاشات وما إلى ذلك.
المشهد الذي يأتي في مطلع الرواية، الذي يتحدث عن الأم التي تهرب فور ولادتها لطفلتها ثم تعود ثانية، وعندما يسألونها لماذا فعلت ذلك تخبرهم بأنها لا تريد أن ترضع طفلتها لأنها تخشى أن يكون الحليب ملوثاً، كيف تفسّرين هذا؟
الواقع أن ما حدث لا يتعلق بحليب الأم فقط، لكنه يرمز إلى التلوث الذي تعاني منه لاتفيا في الحقبة السابقة باعتبارها واقعة تحت سيطرة الاتحاد السوفييتي.
بطاقة
نورا إكستينا روائية وكاتبة لاتيفية. حاصلة على شهادة عُليا في فقه اللغة من جامعة لاتفيا، وشهادة عليا في الأدب الإنجليزي من جامعة كولومبيا.
تتميز أعمالها الروائية بلغتها المكثفة إضافة إلى عنايتها بالتفاصيل، وتناقش موضوعات العلاقات الإنسانية والحب والحياة والموت. صدر لها روايات «حليب سوفيتي» 2015، ترجمت إلى الإنجليزية 2018، «بيسا» 2012، «درس العذراء» 2001، «احتفال بالحياة» 1998، «قصص من الحياة» 2004 (مجموعة قصصية).
رواية إكستينا .. تفاصيل تجسّد الحلم الإنساني والحب والمشاعر
تصدرت رواية الكاتبة اللاتيفية نورا إكستينا التي تحمل عنوان «حليب سوفيتي» مبيعات معرض «لندن للكتاب 2017». وفي هذا العام 2018 كانت الأولى بين الروايات المترجمة إلى اللغة الإنجليزية (ترجمة مارغيتا غيلتيس، منشورات بيرين، بريطانيا). وتحكي قصة أم بأسلوب رمزي يشير إلى حقبة تاريخية لم تكن سارة بالنسبة لبلادها، تجسدها شخصية تبحث عن خصوصيتها كامرأة.
رواية حليب سوفيتي التي اكتسحت الأوساط الأدبية في أنحاء البلطيق، تجسّد في تفاصيلها الحلم الإنساني والحب والمشاعر التي ظلت تئن تحت وطأة بعض الممارسات التي قامت بها السلطة السوفييتية. وهي تقتفي أحداثاً تعود إلى سنة 1945 والحرب العالمية الثانية، مروراً بالثمانينيات ثم سقوط جدار برلين واستقلال دول البلطيق، في حين أن تفاصيلها تقع كلها في جمهورية لاتفيا السوفييتية سابقاً.
وفي المشهد الافتتاحي يدور الحوار بين شخصيتي الأم وابنتها اللتين لا تذكر لنا المؤلفة اسميهما، بينما نعرف تاريخ ولادة كل واحدة منهما، الأم من مواليد 1944 والابنة 1969. في هذه الأثناء تحاول كل واحدة منهما تذكّر الأحداث المهمة التي جرت خلال سنوات طفولتهما، إلا أنهما لا تتمكنان من ذلك، فتعمد الأم إلى حكاية الحليب الذي رفضت أن ترضع ابنتها إياه في طفولتها بسبب ما تصفه تلوثاً.
إن ما تقوله الأم يبدو كذلك واقعياً وهي امرأة عاملة مثقفة، فهي تقول إنها كانت تسعى إلى القيام بواجبها كطبيبة فيما كانت تعاني من القهر بسبب القيود التي ظلت تضعها السلطة على ممارسة هذه المهنة، وما كان يعني حرمانها من الحصول على امتيازاتها في المستقبل.
مثلما هو حرمانها من بعض خصائص هويتها الجنسية كامرأة، ثم حرمانها من أن تقوم بالعلاقة الإنسانية بينها وبين ابنتها رافضة إرضاعها كما لو أنها فقدت مشاعر الأمومة. والأغرب من ذلك هو أن هذه الأزمة ظلت تتضخم كلما قامت الدولة بتهميشها حتى تضاعف إحساسها بالعزلة أو الموت مجازياً.
هذه هي التفاصيل الدقيقة التي تفتح المجال للحوار بينهما، لتنفتح ذاكرتهما على تفاصيل أكبر، خاصة عندما يتوقف القارئ على حقيقة مشاعر الأم الميتة على الرغم من أنها على قيد الحياة. ومما تخبر به الأم عن نفسها قولها إذا كانت هناك ولادة فإن ذلك يعني أننا نولد أحراراً من كل شيء لكي نعرف من نكون.
وبناءً على ذلك ظلت تفتش عن خصوصيتها ولم تجدها قط. فيما تتجه مشاعر الابنة الى تقديم حياة أخرى موازية أقل غرابة تعينها على الإحساس بالحياة بعد استقلال بلادها، وتشعرها بالفرح والتفاؤل بالعودة إلى أحضان وطنها الأم الذي كانت قد تعلمت من أجله الشعر اللاتفي في صغرها.
