الخليج العربي في الذاكرة اليونانية.. حكايات حضارية ومكانة متميّزة

يُعدّ المؤرخ لُوكْيُوس فْلاڤيوس أَرِّيَانُوس كْسِينُوفُون، أحد أنشط وأفضل كتّاب عصره، خلّف عدداً من المؤلَّفات التي وصل إلينا الكثير منها. وتدور موضوعات الكتب التي دوّنها في بداية حياته حول موضوعات فلسفية، كما يتضح من عناونيها.

وله كتاب مفقود على الأغلب حول تاريخ البارثيين في 17 جزءاً، وكونه يكتب عنهم هو مؤشّر لِما كانت تمثّله هذه الدولة من عظمة وقوة في القرن الأول الميلاد، وهو على علم بما دار بين البارثيين والرومان في عهود تراجان وخلفائه.

كما وضع كتاباً عن تأريخ السنوات التي أعقبتْ وفاة الإسكندر المقدوني، ولكن أكثر مؤلفات أَرِّيَانُوس أهميةً هو كتاب «حملات الإسكندر»، ويذكر فيه الكثير من التفاصيل عن بلاد العرب، وخاصةً الخليج العربي.

دوافع

يُعَرِّفُنَا آرِّيَانُوس ذاته، الذي عاش بعد حملات الإسكندر بنحو 4 قرون تقريباً، بمصادر بحثه، وبالدافع وراء اختياره لموضوعه في كتاب «حملات الإسكندر».

إذ يبيّن أن السبب رغبته في إبراز الإنجازات العظيمة التي قام بها الإسكندر الكبير، واعتمد في تاريخه على مصادر معاصرة للأحداث وحدّد في بداية كتابه منهجه في البحث، ولم تكن عملية الانتقاء هذه سهلة على الإطلاق؛ نظراً لأنه كان هناك العديد من الكتابات عن الإسكندر، وكان هناك أيضاً من بين المعاصرين لآرِّيَانُوس من يواصل الكتابة عنه ويدلّنا تدقيق آرِّيَانُوس ومنهجه في البحث على أن إعجابه بالإسكندر لم يبلغ به حد الانحياز له..

ومع ذلك، فإن الكتاب لا يخلو من بصمة آرِّيَانُوس التي تتضح في وصفه لشخصية الإسكندر وحُكْمِه على بعض أعماله من منظور فلسفي رواقيّ، وفي تقديره لأعماله العسكرية، كذلك فإنه أدرك أن طاقات الإسكندر كانت هائلة وأن طموحاته كانت لا تعرف حداً، كما يتضح من تعليقه على مسألة الدوران حول شبه الجزيرة العربية.

تفاصيل

يتضمّن كتاب «حملات الإسكندر» 7 أجزاء، تعارف الباحثون على تسمية كل منها كتاباً، ولأن حديث آرِّيَانُوس عن بلاد العرب في هذا الكتاب لم يكن مقصوداً لذاته، فإن الإشارات إليها تأتى في معرض حديثه عن أعمال الإسكندر.

وهكذا فإنه يُفَصِّلُ الحديث نوعاً ما عن حدودها الشرقية في الكتاب السابع في معرض إشارته إلى الحملة التي كان الإسكندر يرتّب لها على بلاد العرب في الأيام الأخيرة من حياته. كذلك فإنه يشير ببعض التفصيل إلى أعماله في جنوب العراق والمنطقة المجاورة لحدود بلاد العرب الشمالية الشرقية.

ومن ناحية أخرى فإن الكتاب الذي يتحدّث فيه عن تفاصيل رحلة أسطول الإسكندر في أثناء عودته من الهند، في كتاب أسماه (Indica)، وينقسم هذا الكتاب إلى قسمين، الأول: وصْف بلاد الهند، والثاني: رحلة نيارخوس، أحد الأصدقاء والقادة المميّزين للإسكندر الثالث، من مصبّ نهر السند إلى مصبّ نهر الفرات، عبر الخليج العربي.

وكان يعتبر الكتاب الثامن ضمن مؤلَّفه، ويشير إلى القاطنين على السواحل الذين رآهم في طريقه، ويتضمن وصفاً لبعض المواضع على الساحل الشرقيّ من الخليج العربي. كما أشار آرِّيَانُوس إلى الاختلاف في تسمية الخليج إذ ذكر أن بعضهم يطلق عليه اسم البحر الأحمر، وأحياناً يشمل بحر العرب والخليج العربي.

جزر الخليج العربي

ذكرآرِّيَانُوس في كتابه: أنَّهُ تُوجَدُ جزيرتَان في البحرِ بمواجَهَة مصبّ نهرِ الفرات، أولاهُمَا ليستْ بعيدة عن المصبّ، وتَبْعُدُ حواليّ 120 استاديون من الساحلِ ومن مخرجِ النهرِ.

وهذه الجزيرةُ هيَ أصغرُ الاثنتَيْن، وهي مغطّاة بكثافةٍ بكافةِ أنواعِ الأشجارِ. كمَا أنَّه يُوجَدُ فيهَا أيضاً معبد لأرْتِمِيس، وأنَّ المقيمينَ عليهَا يعيشُونَ حياتَهُم حولَ المعبدِ. كذلك فإنَّ الجزيرةَ مخصّصة للغزلانِ والماعز البريَّةِ التي ترعَى بِحُريَّة لكونِها مكرّسة للمعبودة أرْتِميس.

ولمْ يَكُنْ مسموحاً باصطيادِهَا إلا إذَا رَغِبَ أحد في أن يصطادَ لتقديمِ أضحية لآلهة ذلك الزمن، فلهَذَا الغرضِ وحدَه لم يَكُنْ الصيدُ ممنوعاً. وقد أمَرَ الإسكندرَ أنْ يُطلقَ على هذهِ الجزيرةِ اسم إيكَارُوس مثلَ الجزيرةِ التي تحملُ هذَا الاسمَ في بحرِ إيجَه.

جزيرة فيلكة

بلا شكّ، يشيرآرِّيَانُوس إلى جزيرة فيلكة الواقعة بالقرب مِن مدخل جون الكويت، وتبعد نحو 20 كم من مدينة الكويت. وتبلغ مساحتها الكلّيّة نحو 44 كم2، وطولها 14 كم، وعرضها نحو 4.5 كم. وهي جزيرة مشهورة، وهي من أكبر جزر الخليج مساحةً. ويقول: أمَّا الجزيرة الأخرَى فقد رُوِيَ أنَّهَا كَانَتْ تَبعُدُ عن مصبِّ الفراتِ نحواليّ يومٍ وليلةٍ بالنسبةِ لسفينةٍ مبحرةٍ في ريحٍ مواتيةٍ.

وكَانَ اسمُهَا تايلُوس، وهي جزيرةٌ كبيرةٌ، ولمْ تَكُنْ في غالبيتِهِا وعرَةٌ ولا مليئةٌ بالغاباتِ، بل كَانَتْ تنتجُ الفواكهَ المختلفةَ والنّباتاتِ الملائمةِ لكلِّ موسمٍ على مدارِ الفصولِ. وهو هنا يشير بلا شك إلى جزيرة المنامة أكبر جزر البحرين، وقد أصبح هذا الاسم عَلَماً للجزيرة في فترة امتدت من القرن الثالث قبل الميلاد (ق.م.) إلى القرن الأول أو الثاني الميلاديين. والاسم هو صيغة يونانية للاسم القديم لهذه الجزيرة وهو «تيلمون» أو «ديلمون».

طريق بحري

يقول آرِّيَانُوس عن المعلومات التي تحصّل عليها الإسكندر حول بلاد العرب أنّها أتت عن طريق: بعضُ هذه القائد أرْخِيَاس ابن أكسيدوتوس، الذي تمَّ إرسالُهُ على متنِ سفينةٍ لاستكشافِ الطريقِ البحريّ إلى بلادِ العربِ، الذي وَصَل حتَّى جزيرةِ تايلُوس.

وبعدَه تَمَّ إيفادُ أنْدْرُوسْثِينِيس ابن كاليستراتوس معَ سفينةٍ أخرَى، وأبْحَرَ حولَ خليجٍ العربِ. ويقول آرِّيَانُوس: إنّ الحملة اليونانيّة رست عند جزيرة كبيرة الحجم، تدعى أوراكتا وينمو على هذه الجزيرة أشجار الكروم والنخيل، كما تنتج الذرة.

ويبلغ طولها نحو 800 استاديون. ويُدعى حاكم الجزيرة الذي أبحر مع الأسطول حتى وصل معهم إلى سوسة بحّاراً متطوّعاً. ويقال إنه على هذه الجزيرة يوجد ضريح أول رئيس معروف لهذه المنطقة، ويدعى إريثريس، ومنه جاءت تسمية البحر الإرتيري. وهو هنا يعني جزيرة قشم الواقعة عند مدخل الخليج العربي، عند مضيق هرمز.

ثم يقول: إنّهم من هناك رفعوا المراسي متّجهين جنوباً، وهم في مقابل الساحل بنحو 200 استاديون من تلك الجزيرة لَمَحوا جزيرة أخرى، تبعد عن تلك الجزيرة الكبيرة بنحو 40 استاديون. وقد قيل: إنها تعتبر حرماً مقدّساً للمعبود پوسايدون، ومحرّم أن تطأها أقدام الإنسان. وهو هنا يقصد جزيرة «هنجام» أو «هِنيام» المعروفة.

موجات المد

يذكرآرِّيَانُوس أنّهم اتجهوا مبحرين جنوباً، فصادفهم انحسار المدّ عنهم بقوة ما دفع بثلاث سفن إلى الانجراف نحو الشاطئ، حيث حُجِزت بسرعة في أرض جافّة.. والسفن الثلاث الجانحة بقيت تنتظر موجات المد العالي المقبلة ثم انطلقت مبحرة لتلحق ببقية الأسطول في اليوم التالي، ثم ألقوا مراسيهم في جزيرة أخرى تبعد عن الساحل بنحو 300 استاديون، بعد رحلة إبحار بلغت 400 استاديون، وبعدها واصلوا إبحارهم جنوباً حتى بلغوا جزيرة أخرى من جهة مينائها، وهي جزيرة صحراوية تُعرب «بپالورا» (Pylora).

وهو هنا يعني جزيرة طنب الكبرى، ثم ألقت الحملة مراسيها عند بلدة صغيرة مهجورة، ليس فيها سوى الماء والسمك، تدعى «صيصيدونا»، ولا يوجد غذاء للأهالي سوى الأسماك شاءوا أم أبوا؛ لأنهم في منطقة معزولة. فتزوّدوا بالمياه العذبة. ولفظة «صيصيدونا» لها علاقة بالصيد.

ويتابع آرِّيَانُوس مبيناً أنه أبحرت الحملة حتى وصلت إلى جزيرة صحراوية منخفضة، تُعرَف بـ«كاتايا»، وقيل: إن فيها حرماً مقدّساً للمعبوديْن «هيرمس» و«أفرودايت»، وبلغت الرحلة حينها إليها 300 استاديون.

وفي كلّ عام يقوم الأهالي بجولة حول الجزيرة، ثم يبعثون بالأغنام والماعز قرابين لـ«هيرمس» و«أفرودايت»، ويمكن للشخص أن يلاحظهم وهم يقومون بذلك. أمّا الآن، ومع مرور الوقت، أصبحت قَفْراً، ولم تعد فيها مثل هذه الطقوس. وهو هنا يقصد جزيرة «قيس» الشهيرة.

تميّز الأسلوب والنموذج الأدبي

اعتمد آرِّيَانُوس الذي عاش بعد حملات الإسكندر بحواليّ 4 قرون تقريباً، في تاريخه على مصادر معاصرةٍ للأحداث، وفاضل بينها، وحدّد في بداية كتابه منهجه في البحث، ولم تكن عملية الانتقاء هذه سهلةً على الإطلاق، نظراً لأنه كان هناك العديد من الكتابات عن الإسكندر، وكان هناك أيضاً من بين المعاصرين له من يواصل الكتابة عنه.

ومن الملاحظ أن أَرِّيَانُوس أراد من كتابه أن يكون نموذجاً أدبيّاً، وليس فقط مصنَّفاً تاريخيّاً. كما أن المتتبّع للمادة التاريخية الواردة في كتابي الـ(Anabassi)، والـ(Indica)، يلاحظ أنه على الرغم من تعدّد مصادره الأصليّة، إلا أنه بصورة عامّة يعرضها بأسلوب موحّد، فيما عدا بعض الفقرات المؤكّد إسنادها لواحد من مصادره المعروفة فإنها تبقى متمايزة.

الولادة والنشأة

وُلِد آرِّيَانُوس في نيكوميديا عاصمة بيثينيا في آسيا الصغرى، ربما عام 85م، ثم انتقل إلى أثينا وتواصل مع الإمبراطور الروماني الشهير هادريان نحو عام 124م، وبعدها انتقل إلى روما التي ذهب إليها مع الإمبراطور الذي مَنَّ عليه بالمواطنة الرومانية، وعيّنه حاكماً على ولاية قبَّادوقيا في بلاد الأناضول المهمة عام 136م.

وفي أثناء إقامته في روما شغل آرِّيَانُوس العديد من المناصب المهمة، ووصل في عهد الإمبراطور أنْطُونِينُوس بيوس إلى أعلى المناصب الإدارية في السلّم الوظيفيّ الرومانيّ، إذ تحصّل على منصب قنصل. وفي عصر الإمبراطور ماركوس أوْرِيلْيُوس عاد إلى أثينا، حيث حصل على المواطنة الأثينية وأقام بعض الوقت، ثم عاد في النهاية إلى مدينته الأم وأقام فيها حتى نهاية حياته.

مصدر موثوق

مع ما وُجّه من نقدٍ لكتاب «حملات الإسكندر»، إلا أنه يكاد يُعتبر المصدر الموثوق الوحيد الموجود بين أيدينا الآن حول عهد الإسكندر الكبير، بل اعتُبِرت معلوماته حول بعض الأحداث في سيرة الإسكندر هي المعلومات الأكثر دقّة من بين كلّ مَن كتب مَن القدماء حول حياته.

تعليقات

تعليقات