الأغنية الشعبية صوت الماضي ومدوّنة التطوّر

صورة

لكل دولة تراثها وأغنياتها وأهازيجها الشعبية، التي تعبّر بصورة أو بأخرى عن موروثها، وحضارتها وتقاليدها، وتعكس صورة حية عن شعبها، وكذلك هي دولة الإمارات التي ترتدي ثوباً أصيلاً، مفصّلاً من الأغاني والأهازيج الشعبية، التي تعدّ صوت الماضي، لاسيما وأن كل واحدة منها تعبّر عن بيئة معيّنة، وبالتالي فهي ترسم لوحة مختلفة الألوان عن مناطق الدولة.

والمتابع لطبيعة الفنون الشعبية المحلية، يجد أنها موغلة في القدم، وتبيّن مراحل التطوّر التي مر بها مجتمع الإمارات، والذي تنقسم فنونه إلى 4 أنواع رئيسة، هي: «الجبلي» و«السهلي» و«البحري» و«الصحراوي»، حيث يتميز كل واحد منها بطبيعة إيقاعاته وأهازيجه، وحتى رقصاته، فضلاً عن تأثيره في أركان المجتمع المحلي.

إعادة ترميم

تأثير الأهازيج والأغاني الشعبية على أرض الواقع، بدا واضحاً، من خلال اتساع شريحة الذين تعاملوا مع الأغنية الشعبية، وساهموا بإيصالها لكل أرجاء الدولة، والخليج أيضاً، فلا يزال صوت الفنان المعتزل علي بالروغة وزميله الراحل جابر جاسم حاضراً في الأذهان، ولا تزال أصوات الفنانين ميحد حمد وعبدالله بالخير وغيرهم، تعانق فضاء الإمارات.

ولكن مع دخولنا لمرحلة التطوّر وملاحقتنا لتفاصيل التكنولوجيا، بدأ تأثير الأغنية الشعبية يقل، وقد ساهم في ذلك، غياب الذين حملوا على أكتافهم مهمة إبرازها على الساحة، بعد رحيل بعضهم واعتزال البعض الآخر، الأمر الذي دفع «البيان» لتشريع الأبواب أمام عدد من العارفين في تفاصيل الأغنية الشعبية، لمناقشة نوعية المقدم حالياً على الساحة، وطبيعة احتياجات هذه الأغنية، ليتفقوا جميعاً على ضرورة إعادة ترميم الأغنية الشعبية وتقديمها بصورة جديدة، تواكب روح العصر، وتتماشى مع متطلبات الأجيال الحالية، وطالبوا بضرورة توثيق هذه الفنون لحمايتها من الاندثار.

فراغات

يُبيّن الملحن الإماراتي إبراهيم جمعة، أن الإيقاعات التراثية الإماراتية لا تزال تحافظ على نفسها كما هي، وأن التطوّر أصاب الآلات نفسها وطريقة العزف عليها.

وقال: «في الماضي كانت «الضروبات» ذات إيقاع واحد فقط، بينما حالياً اختلفت وأصبحت مُشكلة قادرة على التفاعل مع الجمل اللحنية، وأصبحت تستغل في «الكوبليهات» لملء الفراغات، وهو ما يمكن اعتباره تطوّراً في تقنية العزف نفسها»، منوهاً إلى أن الإيقاع الشعبي الإماراتي قديماً كان يطلق عليه اسم «الردح»، وليس كما هو معروف حالياً باسم «البندري». ويؤكد جمعة، أن الإمارات غنية بالفنون الشعبية، قائلاً إن أكثر ما يميزها على مستوى الخليج هو طبيعة اللهجة.

وأضاف: «هناك فنون مشتركة مع دول الخليج مثل «الرمبة» و«الليوا» و«الطنبورة» وغيرها، ولكن يظل لفنون الإمارات خصوصيتها»، موضحاً أنها تنقسم إلى 4 ألوان رئيسة، هي «الصحراوي» و«البحري» و«السهلي» و«الجبلي»، ولكل واحدة فروعاً عدة، علماً بأن لكل منطقة بالدولة خصوصيتها من ناحية الفنون الشعبية»، مشيراً إلى أن ألوان الأغنية الشعبية متعددة وتتجاوز الـ36 لوناً، ولكن المستخدم منها حالياً عدد محدود.

وتابع: «لا أحد ينكر تأثير الأغنية والأهازيج الشعبية في المجتمع المحلي، خاصةً في الماضي، فهي تدلّل على عمق الموروث الشعبي، والمؤسف أنها أصبحت اليوم ذات تأثير أقل، وبالتالي فهي تحتاج لإعادة ترميم وصقل، حتى تتمكن من مواكبة طبيعة العصر الحالي، فالسائد في الأغنية الشعبية الحالية هو كثرة «الكوبليهات»، وهذا «لا يجوز» فنياً× لأنه يساهم في قتل الأغنية واللحن معاً».

توثيق

جمعة في حديثه، عرّج على أنواع الفنون الشعبية المحلية، وقال: «نحتاج بالفعل إلى الالتفات إلى الأغنية والأهازيج والفنون الشعبية بشكل عام، وأن نقوم برفدها بدماء جديدة، تعمل على منحها صورة جديدة، ويحفظها من الاندثار».

وأضاف: «نحن بحاجة ماسة حالياً إلى توثيق هذه الفنون بصورتها الأصلية، كونها تمثل المكوّن الأساسي لهويتنا الوطنية والفنية». وواصل: «هناك أنواع من الفنون لم تعد مستخدمة حالياً، وإن استخدمت فذلك نادر، وأعتقد أن ذلك يمثل جرس إنذار لنا بقرب اندثار هذه الفنون، في حال لم يلتفت إليها أحد».

تسيّد

من جانبه، يرى الملحن الإماراتي خالد الناصر في الأغنية الشعبية مستوى إبداعي عالي المستوى، ويؤكد أنها لا تزال تتسيّد بقية أنواع الغناء. وقال: «الأغنية الشعبية المحلية لا تزال موجودة في الدولة، ولديها انتشار واسع، كما أنها تتسيّد بقية أنواع الغناء، ولكن بالنسبة للمستوى، فهو متفاوت من ناحية الألحان والكلمات، خاصةً وأن مفهوم الأغنية الشعبية مرتبط بمكان وبيئة معينة، والإمارات بلا شك غنية في هذا الجانب».

وأضاف: «من واقع تجربتي الماضية التي عملت فيها على تلحين مجموعة من قصائد المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيّب الله ثراه، حيث قدمتها بمختلف أنواع الإيقاعات والأشكال، واستطاعت الانتشار خليجياً، والمثير أنه تمت محاكاة كلمات الأغاني والأشعار والإيقاعات والضروب اللحنية أيضاً، وأعتقد أن ذلك نابع أصلاً من اهتمام الوالد المؤسّس، ومتابعته عن كثب لكل ما قُدّم في الأغنية الشعبية».

وقال الناصر: «الأهازيج والأغاني الشعبية موجودة ضمن بيئة الإمارات منذ عشرات السنين، وبتقديري أن تأثيرها بدأ عندما خلقت حالة إبداعية لدى الملحنين الذين استطاعوا إيصال الكلمات بألحان إبداعية تنساب بتلقائية على أذن المستمع»، ضارباً في ذلك مثلاً بقصائد الشيخ زايد بن سلطان طيّب الله ثراه «مشغوب» و«حبكم وسط الحشا»، والتي قام الناصر نفسه بوضع جملها اللحنية.

وتابع: «كانت الألحان على إيقاع «العيّالة»، والذي كان يستخدم في البداية فقط من خلال فرق الفنون الشعبية في المناسبات، إلى أن انتشرت وأصبح لها تأثير كبير في الأغاني الوطنية والعاطفية المنتشرة حالياً، وتردد من قبل المستمعين».

وأضاف: «الأغنية الشعبية خلقت حالة إبداعية من خلال استحداث إيقاع جديد، والذي سمي بـ«الإيقاع الشعبي الإماراتي»، وبدأت به في أغنية «زانها زايد» عام 1996، فالإيقاع عبارة عن تداخل أكثر من آلة، بحيث يشعر المستمع وكأنه من الفلكلور»، مؤكداً أن هذا الإيقاع أصبح سائداً في منطقة الخليج ككل.

دعم

وبرغم ما حققته الأغنية الشعبية المحلية من حضور وانتشار، إلا أن الناصر يؤكد أنها لا تزال بحاجة إلى مزيد من الدعم والاهتمام. وقال: «الأغنية الشعبية تحتاج منّا إلى إعادة ترميم ومزيدٍ من الدعم لتظل محافظة على حضورها ورونقها، وأن تقدم بمستوى جودة عال».

وطالب بضرورة أن تولي المؤسسات الثقافية المعنية بالدولة، مزيداً من الاهتمام بها. وواصل: «بتقديري أنه يتوجب على المؤسسات الثقافية والمعنية بالتراث أن تعمل على تأسيس لجنة رقابية ذات مستوى عالٍ من الإلمام والحرفية؛ لمتابعة المحتوى الشعري والموسيقي الخاص بالأغنية الشعبية تحديداً، والأغنية الإماراتية بشكل عام».

اختلاف

أما الملحن الإماراتي محمد مال الله، فقال: «بشكل عام الفنون الشعبية سواء المتعلقة بالأهازيج أو الأغاني أو حتى الرقصات في الدولة تختلف من منطقة إلى أخرى، وفعلياً عدد الفنانين الذين اتخذوا من الأغنية الشعبية خطاً لهم قليل، ولا يكاد يتجاوز أصابع اليد الواحدة، ولعل أبرزهم الفنان علي بالروغة، والراحل جابر جاسم الذي استطاع أن ينتشر خليجياً؛ لامتلاكه حنجرةً وخامة صوتية مميزة، والفنان ميحد حمد الذي استكمل المسيرة، وكان له دور كبير في رفعة الأغنية الشعبية وتطويرها، وكذلك عبدالله بالخير ومروان الخطيب وغيرهم». وأكد أن الأغنية الشعبية في السابق كانت مؤثرة للغاية في المجتمع المحلي، خاصة أغنيات علي بالروغة.

وقال: «تلك الأغاني كان لها امتداد جماهيري كبير؛ بفضل أصوات هؤلاء الفنانين والألحان الموسيقية الصحيحة، ولكن حالياً، يمكن القول إن تأثير الأغنية الشعبية تراجع كثيراً، ولم يعد لها تأثيرها السابق، فالموجود على الساحة لا علاقة له بالفن الشعبي، ولا بالموسيقى، وأعتقد أن ذلك شكل سبباً في ابتعاد الكثير من الفنانين المؤثرين عن الساحة، لأن طبيعة المطروح لا يناسبهم».

تأثير

وأكد مال الله، بأن الأغنية الشعبية المحلية قد شارفت على الانتهاء، خاصةً الفردية منها، وذكر أن الأغنية الجماعية لا تزال موجودة بسبب ارتباطها بالفرق الشعبية. وقال: «التكنولوجيا أثرت كثيراً على الأغنية الشعبية، ولذلك أعتقد أنها أصبحت بحاجة إلى ترميم، كما تحتاج أيضاً إلى الدعم، وأن يتم تسليط الضوء عليها».

وأضاف: «خلال الفترة الماضية شهدت الساحة بعض محاولات إعادة تقديم الأغنية الشعبية بقالب عصري، ولكن هذه المحاولات لم تلق نجاحاً؛ بسبب عدم اتباع الطريقة الصحيحة في تقديمها»، وأشار إلى أنه سبق وأن عمل على مشروع متكامل يهدف إلى إعادة الهيبة إلى الأغنية الشعبية وإلباسها ثوب العالمية، وأضاف: «للأسف لم أتمكن من مواصلة العمل بالمشروع؛ بسبب عدم توفر الدعم اللازم».

وطالب مال الله بضرورة العمل على توثيق الأغنية وكافة الفنون الشعبية، وتخصيص برامج تلفزيونية وإذاعية لها، تبرز أهميتها وتأثيرها. وتابع: «نحتاج إلى هذه الخطوة؛ لأن ذلك يُعيننا على تثقيف الأجيال المقبلة، بطبيعة الموروث المحلي».

حفظ

لعبت الفرق الشعبية في الإمارات، دوراً مهماً في حفظ الأغنية الشعبية على اختلاف ألوانها الفنية، وتمكنت من تقديمها وتحديثها بطريقة تتواءم مع روح العصر. وفي هذا الجانب يُعلّق محمد المقبالي، مسؤول فرقة «صقور المقابيل الحربية» قائلاً: «بالتأكيد أن الفرق الشعبية عملت على تطوير بعض جوانب الأغنية الشعبية، وتقديمها بطريقة جديدة تتناسب مع روح العصر»، ضارباً مثلاً في ذلك بما قامت به فرقته من عملية تطوير للأهازيج الخاصة بفن الحربية.

وتابع: «معروف أن أهازيج الحربية تقدّم على شكل نشيد جماعي دون إيقاع، ومن جانبنا قمنا في نهاية التسعينيات بتطوير هذه الأهازيج عبر إدخال الإيقاع عليها، وتقديمها في قالب عالمي، من خلال تقديم هذه الأهازيج باللغة العربية والانجليزية على إيقاع شعبي غربي».

توثيق

ويؤكد المقبالي أن الأغنية الشعبية تحتاج إلى دعم بهدف إعادة بث الروح فيها من جديد. وأضاف: «في ظل التطوّر الذي نشهده حالياً، أعتقد أن الأغنية والأهازيج الشعبية تحتاج إلى توثيق وإعادة إبراز، وتقديم على الساحة من جديد، وذلك حتى تظل محافظة على رونقها وتتمكن من استعادة حضورها وتميّزها على الساحة».

مبيناً أنها استمدت قوتها قديماً من خلال طبيعة أصوات الفنانين الذين قدموها، وتميزوا فيها، مثل الفنان علي بالروغة والراحل جابر جاسم، والذين اعتمدوا على «العود» كآلة رئيسة في الإيقاع واللحن، وهو ما منح الأغنية الشعبية بعداً آخر، وكذلك الفنان ميحد حمد الذي لا يزال متميزاً في الأغنية الشعبية ومنحها الكثير.

ارتباط

قال محمد المقبالي: «الأغنية الشعبية مؤثرة في الإمارات التي تتعدد فيها أنواع الفنون الشعبية؛ بسبب ارتباطها بالآباء والأجداد، فهي موروثنا الحقيقي، وللون الشعبي نكهته الخاصة».

وأكد أنها لم تعد منتشرة كما السابق، مُرجعاً ذلك لغياب من قدّموها وغنّوها بأصواتهم عن الساحة، ولأن الكلمة الحالية لم تعد مسخّرة للأغنية الشعبية كالسابق حيث كانت الكلمات مستمدة من واقع المجتمع نفسه، وهو سر انتشارها الواسع في الماضي».

تعليقات

تعليقات