114 عاماً و145 نجلاً وحفيداً و110 قصائد

عبيد النيادي.. شاعر من عهد زايد الأول

يستلقي المعمّر الإماراتي الشاعر عبيد بن محمد بن عبدالله النيادي، على سريره الطبي، بأمان واطمئنان، يحيط به 145 نجلاً وحفيداً، من مختلف المراحل العمرية. يحمل على كاهله أعباء 114 عاماً، عاشها بين الحل والترحال في واحات وبوادي مدينة العين، معاصراً 6 من شيوخ آل نهيان الكرام، منذ عهد المرحوم الشيخ زايد الأول.

كُتب في بطاقته الشخصية، أنه من مواليد 1904، حفظ القرآن وأصبح إماماً وتعلّم الشعر وعلّمه. صدر له «ديوان النيادي» يضم 110 قصائد، حيث اشتهر بأشعار «العزاوي» أحد أنماط الشعر النبطي، إضافةً للشلات والونّات وأشعار المديح والمناصحة والمشاكاة. ويعتبر من أشهر مدربي ومؤدبي الإبل. من أشعاره في مدح الشيخ زايد طيّب الله ثراه:

إذا طلب الفقير حاجة من الكريم

فلا ييأس الفقير من الكريم

فإن الأرزاق بيد الله قد قسمت

ولا ينفقها إلا الرجل الكريم

3 أجيال

«البيان» زارت المعمر النيادي في منزله بمنطقة النيادات، حيث كان أولاده وأحفاده، وأحفاد أحفاده من مختلف المراحل العمرية، قد أحاطوا به والبسمة تعلو محياه، فيما كانت عيناه تستعرضهم واحداً واحداً، ورغم وضعه الصحي وضعفه، ذكّرهم أن يقدموا لنا القهوة، وأن يعدوا «الريوق»، فطمأنوه أن الأمور طيبة، عن يمينه كانت زوجته تجلس على كرسيها تراقب المشهد، فهي الزوجة الوحيدة الباقية على قيد الحياة من زوجاته الأربع، وعلى طرف السرير نسخة من ديوانه الشعري «ديوان النيادي» يروي به تجربة 114 عاماً، ولسان حاله يقول:

إن كنت شايب غلق الباب

مالك سنع صوب المزايين

سر في طريقك وخلّ للعاب

عقب الصبا مالك مودّين

حلّ الشيب وفرق الأحباب

وونّيت ونّاتٍ محازين

ونيّت ما بي عسر واطلاب

وابكي زمانٍ زل في حين

ما تمت الدنيا بدولاب

ومن وفقها ياربي اتعين

إن اقبلت ياتك بلا حساب

وإن أدبّرت ما ترف الزين

معاصرة

يروي نجلا النيادي سعيد وشقيقه عوض، عن والدهما بعضاً من سيرة حياته، فيقولان: «حسب ما نعتقد، الوالد واحد من أكبر 4 معمرين في مدينة العين، وهم سرور بن شهوان الظاهري، عقيدة المهيري، عبيد الظاهري، الفارق العمري بينهم بسيط ولا توجد وثائق رسمية تسجل ذلك»، فوالدهم حسب جواز السفر وبطاقة الهوية من مواليد (1-8-1904)، ولد في عهد الشيخ زايد الأول حاكم أبوظبي (1855-1909)، إلا أنه لا يذكر أنه رآه، فيما عاصر وعاش في زمن الشيخ سلطان بن زايد الأول، والشيخ خليفة بن زايد الأول، والشيخ صقر بن زايد الأول، والشيخ حمدان بن زايد الأول، والشيخ هزاع بن زايد الأول، إضافةً إلى أنه عاصر الشيخ محمد بن خليفة آل نهيان، والد كل من سمو الشيخ طحنون بن محمد آل نهيان، ممثل حاكم أبوظبي في منطقة العين، وسمو الشيخ سرور، وسمو الشيخ سيف، وسمو الشيخ سعيد، ووالد المغفور له الشيخ مبارك والمغفور لها الشيخة حصة.

عاصر بعد ذلك الشيخ شخبوط بن سلطان آل نهيان، والشيخ خالد بن سلطان، وصولاً إلى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان طيّب الله ثراه، قبل أن يتولى منصب ممثل الحاكم في العين ومن ثم حاكم أبوظبي، إلى أن توفاه الله، فمنّ الله عليه بطول العمر ليشهد ولاية صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة حفظه الله، إضافةً لعلاقته المتميزة بصاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي، نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، والذي أولاه رعاية خاصة وزاره في منزله، ووجه بتوفير طاقم طبي ومعدات رعاية صحية داخل منزله على مدار 24 ساعة.

بقايا صور

يروي سعيد أن والده كان مسؤولاً عن نقل الشيوخ خلال مسيرهم من العين إلى أبوظبي والعكس، وذلك خلال رحلات الصيف والشتاء، وكان ذلك على ظهور الإبل. لذا تعتبر العلاقة بين أسرة الشاعر عبيد النيادي وإخوانه وأنجالهم مع آل نهيان علاقة يسودها الود والاحترام والوفاء والولاء، حيث أصدر الشيخ زايد بن سلطان طيّب الله ثراه، في العام 1968 مرسوماً أميرياً بإنشاء دائرة الجنسية والجوازات والإقامة، عيّن فيها سعيد بن هلال الظاهري نائباً لمدير الدائرة، وحجّة في معرفة القبائل والأنساب، ومعه 10 أشخاص منهم راشد بن حميد بن عبدالله النجادي، وكلمة «النجادي» هي أصل كلمة «النيادي»، حيث قلبت الجيم ياء حسب اللهجة المحلية، فيما تولى ابنه حمد راشد النيادي ممثل النيادات في المجلس الاستشاري حينذاك، حيث كان يتم منح الجنسية والجوازات لأبناء القبائل.

وأضاف: عاش الوالد متنقلاً في مناطق عدّة بمدينة العين، حيث بيوت الشعر وسعف النخيل، منها ملاقط والعراقية وأم غافة، واستقر في منطقة النيادات المعروفة حالياً وسط المدينة بالصاروج، بين فندقي «إنتركونتننتال» سابقاً و«هيلتون»، الذي يعتبر من أقدم فنادق المدينة، والذي شهد استقبال الرئيس المصري الأسبق الراحل جمال عبدالناصر حيث اصطف أبناء المدينة على جانبي الطريق للترحيب به.

تعلّم النيادي في شبابه القرآن على يد «المطاوعة»، وتم تعيينه إماماً في مسجد خاص بقبيلة النيادات، كما جرت العادة، مقابل راتب شهري، ونظراً لانشغاله بتأديب الإبل وتضمير الهجن، تنازل عن الإمامة والمرتب لشخص آخر.

ويروي أبناء النيادي أن أباهم تلقى في العام 1955، رسالة من أحد العاملين لدى الشيخ محمد القاسمي لأداء فريضة الحج ولبى الدعوة، وكان برفقتهم حينذاك صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، وكان سموه لا يزال حينها طالباً في المدرسة، كما يذكرون أن مجموعة من تجار مدينة العين ذهبوا إلى دبي ولبّوا دعوة لطعام الغداء في قصر الشيخ سعيد بن مكتوم.

ويضيف أحد الأبناء أن الشيخ زايد طيّب الله ثراه، طلب من والده ذات مرة، أن يأتيه بأبناء قبيلة النيادات لتخصيص أراضي سكنية لهم في المنطقة الكائنة بين دوار المربعة ودوار الساعة، فذهب إليهم في المسجد وأبلغهم ذلك، فذهب عدد قليل منهم وفضّل بعضهم البقاء في منطقة الصاروج، ولم ندرك في ذلك الوقت أهمية تلك الأراضي التي أصبحت سوقاً تجارية وسط المدينة.

وفاء وولاء

لم ينس الشاعر عبيد النيادي أبداً أن يعزّز لدى أبنائه الوفاء والولاء للقيادة، والوقوف دائماً وأبداً تحت راية وقيادة الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان طيّب الله ثراه، وأنجاله الذين كانوا خير خلف لخير سلف، حيث التحقوا جميعاً بصفوف القوات المسلحة للدفاع عن حمى الوطن وهم: سعيد (ضابط متقاعد)، عوض (ضابط متقاعد)، أحمد (ضابط)، حميد (ضابط صف)، راشد (متقاعد)، ومن أحفاده 3 أطباء، و5 من حملة الماجستير، و30 من حاملي البكالوريوس، يؤدّون واجبهم ويتحمّلون المسؤولية رداً لجميل هذا الوطن المعطاء.

شهودٌ على الحِقب

المعمرون، رواة وشهود على التحوّلات الزمنية. تبقى روايتهم حبيسة الصدور والذكريات، وتتلاشى مع الزمن بسبب تقدّم العمر، وبالتالي لابد من أن تسجل تلك الشهادات على التي عاشها هؤلاء بتفاصيلها الدقيقة، فهي وثائق حيّة وسجل زاخر ومرجع للكتاب والمؤرخين والباحثين، ومهما كانت تلك المعلومة والفكرة التي يرويها هؤلاء فهي تحمل دلالات وأهمية كبيرة في رواية التاريخ الذي يتناوله الآباء والأبناء والأحفاد.

وشاهِدُنا المعمر الشاعر عبيد بن محمد بن عبدالله بن راشد آل حميد النيادي، من سكان مدينة العين، وإلى قبيلته تنتمي منطقة النيادات السكنية، التي باتت معلماً «ديموغرافياً»، ومكوناً أساسياً في بنية المجتمع، الذي عاصر تحولات كبيرة وسريعة، حيث باتت العين زاخرة بالملامح التاريخية والأثرية.

شاعر بالفطرة

لم يدر بخلد الشاعر عبيد النيادي، أن ما كان يقوله من أبيات شعرية في «الشلات» و«الونّات»، سيصبح مرجعاً ثقافياً لتاريخ الشعر النبطي في الإمارات، فهو قرض الشعر بالفطرة كما هو حال أبناء البادية، حيث صفاء الروح وهدوء الطبيعة، وهو الشحنة الإيجابية في شخصيتهم ووجدانهم. كما عمل الشاعر المعمر بداية حياته في نقل «الجربات» أي نقل الناس الذين يكترون الإبل لترحالهم وتنقلهم، الأمر الذي يتطلب قوة وقدرة على تحمّل عناء السفر، التي يعالجها من خلال الشعر والحداء، وبالفعل بدأ الشاعر عبيد النيادي نظم الشعر مبكراً للاستعانة به على قضاء الوقت الطويل بالسفر تعبيراً عمّا يجول في نفسه وخاطره من مشاعر وخواطر، ومن ثم المشاركة به في الأفراح والمناسبات، فاهتم بشعر «العزاوي» أحد فنون الشعر النبطي.

توثيق ونشر

تبادل الشاعر عبيد النيادي أبيات الشعر والقصائد مع كبار الشعراء الإماراتيين، فهو حافظ لديوان ابن الظاهر وصالح مطوع الكتبي، وسعيد الهاملي وبعض شعراء بني كعب. وقد حرص نادي تراث الإمارات على جمع أشعار عبيد النيادي وتنقيحها ومراجعتها من قبل الدكتور راشد المزروعي والدكتور فالح حنظل، لتجد طريقها إلى طباعة «ديوان النيادي» في العام 2008 عبر 374 صفحة من القطع المتوسط تضم مختلف فنون وأصناف ومجالات الشعر.

رجلٌ خيّر

يُعرف الشاعر عبيد النيادي بأنه رجلٌ سمحٌ وخيّرٌ، مؤدٍ للفروض والواجبات من صيام وصلاة وحج، فقد حج إلى بيت الله عدّة مرات على فترات مختلفة من حياته، فضلاً على العُمَر، كما حرص على بناء 3 مساجد على نفقته الخاصة، الأول في مدينة العين قرب البوادي مول من الجهة الجنوبية باسم جامع عبيد النيادي، والثاني بناه في باكستان، والثالث في سلطنة عُمان.

تعليقات

تعليقات