رواية دائمة العصرية والحداثة وزاخرة بالمغامرات

معــاناة تنتهي بإبداع أدبي خالد

صورة

لم يكن محرر «أوبزرفر» ديفيد أستور يدرك ربما أنه حين أعار جورج أورويل مزرعته الاسكتلندية النائية عام 1946 ليتفرغ لكتابة روايته الجديدة، أنه سيحظى برائعة عنوانها يتسم بالغموض، وشعارها الأبرز سيكون متقلباً على صفحات الكتب ومتصدراً أحاديث الصحف والمجلات، ومقتحماً دور السينما وخشبات المسارح على مستوى عالمي مدهش.

إلا أنه أيقن على وجه التحديد أن أورويل سابَقَ الموت وتحدى المرض وبرودة الجزيرة لينجز الفرض الأخير وواحداً من أهم الأعمال الروائية للقرن العشرين.

«1984» خرجت إلى نور النشر في يونيو 1949، بصيغة طبيعية آسرة ساطعة الوضوح تناقض المخطوطة الأصلية من حيث صفاء الرؤية، وتخون نسخاتها المتعددة روح الاضطراب الاستثنائي التي عصفت في كواليس التأليف.

مكانة متفردة

مسوغات كثيرة وكبيرة تضع رائعة أورويل في مصاف الروايات الحاسمة للقرن العشرين، وتتلخص في كون «1984» رواية دائمة العصرية والحداثة، ذات تعابير يحتل أولها مفهوم الـ«أورويلية» الذي بات مرادفاً عالمياً لكل ما يتسم بالتوتاليتارية ، إضافةً إلى تعابير أخرى مثل «الأخ الأكبر» و«ازدواجية التفكير» و«نيوسبيك» التي أصبحت جزءاً من اللغة اليومية المتداولة.

وساهمت ترجمة الرواية إلى أكثر من 65 لغة وبيع ملايين النسخ حول العالم في منح أورويل مكانة متفرّدة في عالم الأدب.

وتآزرت الظروف البائسة التي أحاطت بكتابة 1984 لإيجاد بيئة هيمنت على شرح كآبة قصة مدينة أورويل. فالكاتب يعاني من مرض عضال ويصارع وحيداً شياطين مخيلته في بلدة على جزيرة نائية عقب النتائج الكارثية التي تمخضت عنها الحرب العالمية الثانية.

أضف إلى ذلك تأثيرات شخصية طبعت حياة أورويل وانعكست على أعماله متمثلةً بانهيار شقته بعد فترة وجيزة من تبني ابنه ريتشارد، ومسار رعب الحرب في لندن وتلقيه خبر وفاة زوجته من جراء كمية المخدر التي حقنت بها خلال جراحة بسيطة.

وتعود المشكلات التي اعترضت أورويل بجانب منها إلى نجاح رواية «مزرعة الحيوانات»، حيث بدا العالم بعد سنوات من الإغفال وانعدام المبالاة وكأنه تنبه فجأةً لعبقرية أورويل، الذي شكا حالته لصديقه آرثر كوستلر قائلاً: «لا يتركونني بحالي.. الجميع يأتيني طالباً أن أعطي محاضرة، أو توقيعاً أو الانضمام لحدث ما.. لا تعلم كما أتوق للتحرر من كل ذلك، وأحظى بالوقت للتفكير مجدداً».

الغرفة 101

على وقع لملمة أشلاء حياته، ابتدع أورويل رواية 1984 عن مدينة تتبع وقائع حياة بطلها ونستون سميث، المصاب بإحباط متولّد عن انتشار أعين كلية الوجود، ورقابة «الأخ الأكبر» المتحكم في كافة جوانب حياة الناس بعد أن اخترع لهم لغة «نيوسبيك» الخيالية منعاً لإشغالهم بها، وابتكر ما أطلق عليه آنذاك «جرائم التفكير» لردعهم عن إعمال عقولهم في أي تحرّك معادٍ.

وحرص على مراقبة ما يقرؤون ويقولون ويفعلون وبِمَ يتحدثون تحت ضغط التهديد بإرسال كل من تسوّل له نفسه العصيان إلى «الغرفة 101»، ويأتي مصطلح 2+2= 5 الذي أتت به الرواية وشاع في تلك الفترة معبراً عن وصاية «الأخ الأكبر».

إلا أن ونستون سميث يشنّ تمرداً خفياً على الحزب متسلحاً بمفكرةٍ يدون فيها أفكاره السرية التي تشكل جريمة تفكير قاتلة. ويخوض مع جوليا حرباً محتومة نحو الحرية والعدالة في عالم يبدو أن لا أحد غيرهما يرى فيه القمع أو يمقته.

تأثير ثقافي

ولا تتولد أهمية 1984 من الحبكة بقدر ما تتأتى من التأثير الثقافي الذي تركته على العالم، وما تحقق لتلك الرائعة الأدبية بنيلها جائزة الإسهام الأدبي الأبرز الذي يستمر حتى يومنا هذا.

وقد برع أورويل بطرح أفكار وجوانب في الرواية لا يزال يتردد صداها بقوة في عالم الإعلام؛ إذ إنه سبر ثيمات السيطرة الشاملة على وسائل الإعلام وما يكتنفه من وصاية تحد من ممارسة وظيفته، وما له من دور في التأثير بالغ الأثر على تشكيل الآراء وكتابة التاريخ والأفكار والحيوات والتحكم بها على نحو لا مفر منه.

كما ولدت تعابير قوية مستجدة كـ«شرطة التفكير» و«ازدواجية التفكير»، إضافةً للاستخدام المفرط لمفاهيم البروباغندا والرقابة والتحكم وإعادة كتابة التاريخ والتصنيفات والشعارات التي تعني نقيضها.

وتصل الرواية إلى خواتيمها التي أدخلت أورويل في المراحل النهائية من مراجعتها في صراع من نوعٍ آخر تغير معه العنوان من «رجل أوروبا الأخير» إلى «1984» التي وصفها كاتبها بأنها «طويلة للغاية وتضم نحو 125 ألف كلمة». وأضاف: «لست راضياً عن الكتاب لكني لست مستاءً منه. أعتقد أن فكرته جيدة، لكن التنفيذ كان من المحتمل أن يكون أفضل لو لم أكتب تحت تأثير السلّ».

تعليقات

تعليقات