كُتاب وشعراء: في بيتنا «سارق»

«لصوص الكلمات» يبحثون عن مجدٍ زائف

السرقة فعل أجمع الناس على مقته والتنفير منه، فمن شكله المادي الذي يسطو فيه شخص على مال شخص آخر بغير وجه حق، إلى شكله المعنوي المتمثل في سرقة الإبداعات العلمية أو الأدبية، في استهتار بجهود الناس وهضمٍ لحقوقهم التي قد تترتب على إبداعهم العلمي أو الأدبي.. طمعاً في مجدٍ زائف مبنيّ على زيف وادعاء.. واشتهرت عدة حالات، مثل توماس مان الذي ألّف كتاباً بأكمله عن النصوص التي اقتبسها من آخرين، واستخدمها في روايته «دكتور فاوستوس»، وقد سُنّت قوانين لحماية الحقوق الفكرية كانت رادعة في كثير من الحالات.

زالت حدود كثيرة في عصر ما بعد الحداثة بين الاقتباس المشروع والسرقة المشينة، رغم ذلك فإن السؤال ما زال مطروحاً: أين تنتهي حرية الفن، وأين تبدأ سرقة الأفكار؟ هذا السؤال ليس جديداً، لكنه بات مطروحاً بشدة بعد اتهام الكاتب المصري الشاب ضياء الدين خليفة، أخيراً، الكاتبة المغربية فاطنة الغزالي بسرقة روايته «حورس: أحجية التاريخ القديم»، الفائزة بجائزة نجيب محفوظ لإبداع الشباب، وأعادت نشرها تحت عنوان «الفرعون المتمرد: أسطورة الموت والحياة».

مواقع التواصل

وأوضح الكاتب ضياء الدين خليفة تفاصيل السرقة الأدبية التي تعرَّض لها عبر بيان صحفي جاء فيه أنه اكتشف السرقة عن طريق أحد قرّائه، وبحث عن الأمر فوجد أن روايته بنفس التفاصيل منشورة باسم كاتبة مغربية اسمها فاطنة الغزالي مع دار أطلس، بعنوان مختلف، فنشر الأمر على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، وبمجرد نشره الموضوع وصلت إليه تهديدات ورشاوى مالية تقدر بـ10 آلاف جنيه -حسب قوله- كلها من الشاعر علاء شكر، مقابل ألا تعلم الكاتبة تفاصيل الأمر.

حقوق النشر

وأوضح خليفة أنه مع الضغط الإعلامي الذي تعرضت له الكاتبة فاطنة الغزالي، اعترفت بأنها اشترت حقوق نشر الرواية من علاء شكر مقابل 1200 دولار، بعد أن ادعى أن الرواية من تأليفه، وكشفت عن وثائق تُدين شكر.

مسؤولية المؤلف

من جانب آخر، أصدرت دار أطلس للنشر بياناً بشأن رواية «الفرعون المتمرد»، أوضحت خلاله أن إجراءات النشر لدى الدار تتضمن كثيراً من الخطوات من ضمنها عرض العمل على لجنة أدبية للقراءة لتقييمه من الناحية الفنية والأدبية، وليس من ضمن هذه الخطوات مقارنة العمل بكافة الأعمال المنشورة أو التي سوف تنشر في كافة أقطار الوطن العربي، وإلا استغرق نشر رواية واحدة سنوات عدة.

وبناءً عليه فإن المؤلف يوقع على عقد النشر الذي من بين بنوده إقرار بأن هذا العمل من بنات أفكاره وغير منقول أو مقتبس أو مأخوذ من أي عمل آخر، وأنه الوحيد المسؤول عن حقوق الملكية الفكرية للعمل المقدم منه للدار.

فوضى الإبداع

فوضى سرقة الكلمات باتت اليوم -كما يشير العديد من الكتاب والشعراء في حوارهم مع «البيان»- مجرد وجهة نظر، وليست خيانة، بدليل انطفاء مثل هذه الانتهاكات بسرعة، ليعود أصحابها إلى الساحة بطروحات أدبية جديدة، وكأن شيئاً لم يحدث، فهناك سرقات موصوفة كاملة لكتب بعينها، وأبحاث، ورسائل جامعية، ودواوين شعر، وهي تمر دون ضجيج لأن هذا الحقل -حقل السرقات الأدبية- بات ملتبساً ومشبوهاً، بسارقيه ومسروقيه وشهوده وقضاته! لا بل إن كثيراً ممن يدعون سرقة نتاجهم أو يسرقون نتاج غيرهم ليسوا سوى متطفلين على الإبداع، وغايتهم لفت الأنظار، أو تحقيق ربح ما، أو نيل شهادة ليس غير.

تمويه السطو

في السياق، تؤكد الشاعرة الإماراتية الهنوف محمد أن السرقة الأدبية أخطر أنواع السرقات على الإطلاق، وتأتي بدرجات وطرق مختلفة، فهناك السرقة الفكرية الشاملة مثل: استيلاء كاتب على مقال كما هو بشحمه ولحمه وفواصله، مدعياً أن النص بكامله هو نصُّه، أو عندما يسطو أحد ما على خط بياني لقصة أو رواية ويبني عليها عملاً كاملاً، وهي سرقة بمنتهى التمويه والخبث، وبعض الكتّاب يأخذون لفظاً أو معنى أو فكرة، ثم يكسبونها سماتهم وثقافاتهم وتجاربهم، وكأن الفكرة تولد من جديد على يدهم بحُلة جديدة.

نسخ ولصق

وتضيف الهنوف: «في لحظتنا الراهنة انتعشت قضية السرقات الأدبية مع انتشار وسائل التواصل الحديثة لتبلغ مبلغاً خطيراً، وسط هذا الكمِّ المخيف من النصوص المتناسخة ولا أقول المتشابهة، وهي ظاهرة استشرت ولم تجد من يرصدها أو يدينها، حتى أصبحت جزءاً من أخلاق العصر مع شيوع تقنيات (النسخ واللصق) في وسائل الكتابة الحديثة فأصبح الأمر أقل عناءً من (الإغارة)، ولم يعد السارق بحاجة حتى إلى نسخ ما يسرقه بالقلم والورقة ليخطر له إبدال عبارة أو كلمة أو حتى فاصلة!

وهنا لم نعد نتحدّث عن نصوص وأفراد، بل ثمة مؤسسات‌ ومنابر قامت على هذا النوع من الاستيلاء غير الشرعي. بيد أن هذا النوع من السرقات يبقى ضرباً ساذجاً من السرقة، وما لصوصه سوى ضحايا لغاويات النصّ الآخر، ففي نهاية المطاف لا يمكن الاستحواذ التاريخي على نصّ الآخر. فالنص كالذكورة والأنوثة لا يمكن أن تُسرق، بل يمكن أن تشوَّه وتمسخ فحسب!

في موازاة هذا النوع ثمة سرقات أخرى يصفها الكاتب محمد مظلوم بأنها «سرقات محترفين، كأن يقوم أحدهم بسرقة جهدك اعتبارياً ومادياً، وتسويقه في عمل يدر عليه مردوداً مادياً، هذا النوع من السرقة تعرضت له كذلك، وهو لصوصية صريحة من دون أدنى مواربة نقدية، فهي لا تحتمل الكثير من مقولات التناصّ والتأثر والتخاطر والقصة المأثورة عن الحافرين!».

سرقات افتراضية

وحول مساهمة التطور التكنولوجي والفضاء الإلكترونية المفتوح في انتشار السرقات الأدبية، يعتقد الباحث والكاتب الإماراتي ياسر القرقاوي، رئيس مسرح دبي الشعبي، أنه عندما نتحدث عن السرقات الأدبية فنحن نتحدث عن جريمة حقيقية وهي الشروع في «قتل» الإبداع.

فأكثر المبدعين يتوقفون عن نشر إبداعاتهم بسبب استغلالها أو نسبها لغيرهم، بقصد أو من غير قصد، وعندما بدأت التكنولوجيا ببساطتها و«بغبائها» في نهايات العصر الماضي فقد ساهمت كثيراً في تمهيد الطريق نحو السرقات الأدبية والفنية والإبداعية بشتى أنواعها، وكلنا يعلم أنه في العقد الأخير من هذا الزمن انتقلت التكنولوجيا من مرحلة التنفيذ إلى مرحلة أخرى تعرف بـ«الذكاء الاصطناعي».

ويضيف القرقاوي: «في هذه المرحلة تقدمت القوانين الخاصة بالجرائم الإلكترونية، والقائمون على تطوير مناهج الذكاء الاصطناعي يعلمون جيداً أن أكثر وأكبر الجرائم فظاعة في عصر الذكاء الاصطناعي هي السرقات الأدبية وضياع حقوق الملكية الفكرية ونقل غير مشروع الابتكارات العلمية.

ونحن بحاجة إلى ثقافة متكاملة وتعلم مستمر في هذا الجانب، كما أن الجنود العاملين في حقل مكافحة الجرائم الإلكترونية مهمتهم الأكبر في حماية الملكية الفكرية والسرقات الأدبية بشتى أنواعها وألوانها، فهي أهم السلبيات التي نتجت عن ما يُعرف بالعالم الافتراضي، ولكن في المقابل يتوجب علينا الاستعداد والتحصّن وتعلّم القوانين والإجراءات المتبعة لحفظ حقوق الملكية الفكرية بما يواكب مرحلة الذكاء الاصطناعي».

انهيار معنوي

من جهتها، تعتبر الأديبة الإماراتية باسمة يونس أن السرقات الأدبية «جريمة» يتم التخطيط لها وتنفيذها مع سبق الإصرار والترصّد من قبل شخص غير أمين ولصّ يستسهل أخذ ما ليس من حقه، وهي تشبه جريمة اختطاف إنسان ذي عقل ومشاعر، فالعمل الأدبي، ليس مجرد كلام مكتوب على الورق إنما هو حياة وذكريات وعالم يزخر بالأحياء والشخوص والأماكن والمشاعر، ويرتبط بالكاتب ارتباط الأب بالابن وارتباط الشخص بوطنه، وسرقة عمل أدبي سهر الكاتب عليه واعتنى بتفاصيله ونسج حروفه ليس بالأمر الهين، بل يمكن أن يتسبب في مرض الكاتب وانهياره نفسياً ومعنوياً عدا عن خسائره المادية الأخرى.

حق الفكرة

وتتساءل باسمة هنا «لا أعرف كيف يستطيع شخص ما الادعاء بأنه كاتب عمل أدبي لا يملك فيه حق الفكرة ولا الصياغة ولا حتى الخيال، ولا أدري كيف تواتي البعض الجرأة على ارتكاب جريمة شديدة الحساسية كهذه، وكيف يمكن أن ينقادوا وراء فكرة جاهلة كهذه الفكرة؛ لأن الأديب الحقيقي يتصارع مع الأفكار كي لا يكتب مقلداً الآخرين.

ولا شك في أن حفظ حق المؤلف الأصلي ومالك الكتاب أو الجهد المسروق بحاجة إلى دعم واهتمام وطني من قبل الدولة، وتطبيق القوانين الرادعة والحامية له وليست التي تتضمن حماية حق الملكية الفكرية فقط بل وتمتد إلى حماية حق الملكية الوطنية في سرقة أثر من تراثها من خلال تطبيق قوانين حفظ التراث ومعاقبة السارقين مثل معاقبة لصوص الآثار، فالعمل الأدبي جزء من تراث الدول، ويشبه سرقة الآثار والممتلكات المنقولة بكل ما تعنيه كلمة سرقة من معنى».

المشرّع الإماراتي يحمي أصحاب الحقوق من المؤلفين وورثتهم

فيما يتعلق بطبيعة القوانين الرادعة لظاهرة «السرقة الأدبية»، يقول المحامي والمستشار القانوني يوسف البحر إن القانون يوفر الحماية للمؤلفين وورثتهم في الإمارات، حيث أولى المُشرّع حقوق المؤلف أهمية بالغة في الحفاظ عليها لاسيما في جوانب حقوقه الأدبية أو المالية، لذلك جاء القانون الاتحادي رقم 7 لسنة 2002 في شأن «حقوق المؤلف والحقوق المجاورة» ليوفر الحماية القانونية للمؤلفين وورثتهم وأصحاب الحقوق في التأليف من التعدي عليها وسرقتها، وجاءت المادة 2 من القانون نفسه لتنصّ صراحة على حماية حقوق المؤلفين وأصحاب المصنفات بجميع أشكالها وأنواع المصنفات الفكرية والأدبية.

ويؤكد البحر أن المادة المشار إليها نصَّت على أنه «يتمتع بالحماية المقررة في هذا القانون مؤلفو المصنفات وأصحاب الحقوق المجاورة، إذا وقع الاعتداء على حقوقهم داخل الدولة، بمختلف أنواعها لتضعها جميعها تحت مظلة القانون من أجل توفير الحماية لأصحابها وكذلك للورثة في حال وجود ورثة لمصنف فكري»، ويضيف: في ما يتعلق بحقوق المؤلف والحقوق المجاورة، تتيح المادة للمتضرر من أصحاب الحقوق الأدبية اللجوء إلى القضاء من أجل حماية حقوقهم سواء الأدبية أو المالية ومنع الاعتداء عليها.

وقد جاءت المادة 37 من القانون لتنص على أنه «مع عدم الإخلال بأي عقوبة أشد واردة في أي قانون آخر، يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن شهرين وبالغرامة التي لا تقل عن 10 آلاف درهم، ولا تزيد على 50 ألف درهم، أو بإحدى هاتين العقوبتين، كل من قام بغير إذن كتابي من المؤلف أو صاحب الحق المجاور أو خلفهما بأي من الأفعال الآتية: الاعتداء على حق من الحقوق الأدبية أو المالية للمؤلف أو صاحب الحق المجاور المنصوص عليها في هذا القانون، بما في ذلك وضع أي مصنف أو أداء أو تسجيل صوتي أو برنامج إذاعي مما تشمله الحماية المقررة في هذا القانون في متناول الجمهور سواءً عبر أجهزة الحاسب أو شبكات الإنترنت أو شبكات المعلومات أو شبكات الاتصالات أو غيرها من الطرق أو الوسائل الأخرى».

تعليقات

تعليقات