«زئيرٌ في جزيرة العرب» ديوان شعري أتحفنا به أخيراً معالي الدكتور عبد الله بلحيف النعيمي، وزير تطوير البنية التحتية، وتم التوقيع على هذا الإصدار في أول أيام معرض أبوظبي الدولي للكتاب في نسخته الأخيرة، وجمع قصائد فصيحة ونبطية تؤرّخ أهم الأحداث والمناسبات الوطنية والقومية والإنسانية بلغة سلسة بسيطة وعميقة في الوقت نفسه.

وقد مُهّد بحوار غني أجراه الناقد الصحافي شكري رافع، ومن خلاله نتعرف على السيرة العلمية لمعالي الدكتور الشاعر عبدالله بلحيف وعصاميته وتواضعه وتفضيله صفة الشاعر على كل صفة أخرى.

سماء الوطن

هذا الديوان الشعري يدور في محاور عدة من أهمها المحور الوطني، حيث يتغنى الشاعر بوطنه، وطن الخير الإمارات، حيث يرفرف علمه شامخاً تحت سمائها.

إنه يعيش تحت ظلال علم الإمارات، علم الشموخ والعزة والكرامة، فلا يتوانى في التعبير عن عمق عواطفه نحو هذا العلم الخفاق في سماء الوطن في يوم العلم:

علمي شموخٌ من شموخِ بلادي وبها يُرفرفُ عالياً وينادي

ليقولَ للأعــــــــــــداءِ: ها إنَّا هُنَا اللهُ أكبرُ مِنْ شرورِ مُعادِ

ويصل في حبه لبلده إلى مرحلة العشق الصوفي:

أنــــــــــــتِ الإمــــــــــــــــــــاراتُ التي سَـوّاكِ عدلاً خالقي

وفي عشق الإماراتِ يرى وطنه هو الأجمل والأغلى بين كل الأوطان، وهذا ذكرني ببيت لأحمد شوقي في تقديس الوطن:

وطني لو شُغلـــــتُ بالخلدِ عنهُ نازعتْني إليهِ في الخلدِ نفسي

وشاعرنا دائم الشوق للوطن في حضوره وفي غيابه؛ لأن عشق الإمارات ينبض في دمه:

يزيدُ الشَّــــــــــــــــــــوقُ والأحلامُ تربو وحبٌّ في فؤاديَ كم يَلـِبُّ

فعشقــــــــــــــــــــُكِ يا إماراتي دفيـــنٌ ولا يَرضى بديلاً عنكِ قربُ

صياغة شعرية آسرة

كما نرى تكرار هذا المعنى الوطني في «يا موطني» عبر صياغة شعرية آسرة على مجزوء الكامل الذي كتب عليه الأخطل الصغير قصيدة «عش أنت إني مت بعدك»:

يا مــــــــــــــــــــوطني ما أروعَكْ صاغَ الإلهُ وأرفعَكْ

النُّــــــــــــــــــــورُ مِنكَ فيـــــــوضُهُ والمجدُ يبغي مرتَعَك

منارة الحب

كما يتغنى ببعض الشخصيات الإماراتية التي جعلت من الإمارات منارة للحب والسلام كالمغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان مؤسس دولة الإمارات، وصاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، ففي عام زايد 2018 يقول:

خــــــــيـرُ الزَّمانِ أتاكَ في الميعـادِ وأتى لعامِ الخيرِ خيرُ عمادِ

هــــــــــــــــو زايدُ التاريخِ والنُّورُ الذي نادى بنا العلياءَ: هيّا انقــادي

أما عن صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي فيقول:

ســـــــــــــــــألَ الزّمانُ وأكَّدَ العنوانَا ورأى بِسِلطانِ العُـلا سُلـطانَا

شيـــــــــخ سَما بِالحَقِّ عدلاً نافِذاً يرعى الضَّعيفَ ويُنصِفَ الإنسانَا

وبمناسبة إعلان دولة الإمارات عن 2017 عاماً للخير قال:

بورِكْـــــــــــــــــــــتَ يا من قد جعلْتَ العامَ مفعولاً إليهِ

وَرسمْــــــــــــــــــــــــــتَ للخيراتِ درباً كي نُنَافِسكم عليهِ

وفي «قبلة المجد» يشيد بدولة الإمارات التي صارت مثلاً يحتذى للوحدة والمحبة والسلام:

أنتــــــمْ بُناةُ الأرضِ شدُّوا عزمَكُـمْ وضَعوا إماراتِ الخليجِ مِثالا

وقد نظمت هذه القصيدة عند إطلاق صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، وصاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، الشعار الرسمي لعام زايد 2018، وللتعبير عن مدى الفخر بما قدمه المغفور له لأهل الإمارات من شأن ورفعة، وما وضعه لإماراتها السبع من طريق للتطور والنماء. ومن شعره في الديوان:

سـجّــــــــــلْ لنــا يا مُنـصِفَ الأزمانِ ما قد تراهُ يســيرُ في الأوطانِ

سـجّـــــلْ لنا ما قد رأيتَ منَ الوفا عندَ القـدومِ لِجـنّةِ الأجنانِ

وفي قصيدة «نصب الشهيد» يرى الطيور نفسها تحتفي بالشهيد، حيث يقول في تقديمه لها: «عندما قلّد صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، إحدى ساحات المدينة الجامعية بنصب الشهيد تكاثرت الطيور على تلك الساحة، وكنت أراقبها بصورة مستمرة وهي تتزايد وتطيل البقاء في تلك الساحة». وفي «أنا الشَّهيدُ»:

قالوا نرى فيكَ نورَ الحقِّ مرتسماً ومن جبينِـكَ ثارَ الصّخرُ والحِممُ

وفي لسانِكَ آهــــــــــــــــــــاتٌ تُكلّمُــنا وفي شِفاهِـكَ قولٌ صـاغَهُ ألمُ

هم قومي

ولا يغيب الموقف من اليمن، هذا البلد الجار الذي يعاني الأمرّين من العصابات الحوثية، حيث يعبر الشاعر عن تضامن الإمارات معها مادياً ومعنوياً:

في مأربِ العربِ أودعناك مهجتَنا ربّاه فالطف بجندٍ منكَ تقتربُ

جنودُ عزٍّ همُ، درٌ معادنُهــم لا يجزعونَ إذا ما اشتدَّتِ الخطبُ

كما لا تغيب القدس، المدينة العربية الفلسطينية المقدسة التي جعلها ترامب عاصمة لإسرائيل من دون وجه حق إلا حق القوة والغطرسة، لذلك نرى شاعرنا يعبر عن موقفه العروبي شعرياً من هذه القضية القديمة الجديدة، ويرى أن ضعف العرب هو السبب الذي جعل الآخرين يعبثون بالمقدسات العربية والإسلامية:

قـــــــــــــــولي لمن يَبكيـكِ يا قُـدسُ قَد مَسّني من صَمتكُم رِجسُ

وأصــــــــــــــــــابَني مِـن جَهلِكُم خَورٌ وألَمَ بي من جبنكمْ مَسُّ

وفي عيد الكُوَيـتِ يقول:

أرضُ الكــــــــــويتِ وكَم لَها نشتاقُ ونرى بها مجدَ الزّمانِ يُساقُ

ونرى بِها شــــــــــعباً يُحِبُّ سَماءَها مَا دامَ في حضنِ الوجودِ عِناقُ

رؤية حضارية

والأمر الجديد في هذا الديوان هو هذا الموقف الحضاري السليم من التجارة بالدين على المستوى الفردي والجماعي، حيث يصبّ الشاعر جام غضبه على هؤلاء الذين اتخذوا من الدين مطيّة لمصالحهم الرخيصة، لاسيما شيوخ الفتاوى الذين امتلأت وابتليت بهم الساحة العربية طولاً وعرضاً:

دعـــــــــــــوناَ نقرأِ التاريخَ كي لا نــــــرى مــن غـــــــدرِهِ خوفــــــــاً وذلّا

فعربُ الأمـــسِ قد نالــــــــوا دَماراً بجلْبِ الفُـرْسِ أنصاراً وميلا

فيــــــــــــــــــــومُ حليمـةٍ مـا زالَ فينا يُؤجِّجُ بُؤْسَنا صُبْحاً وليلا

وإنَّ الرومَ أثرونا خِــــــــــــــــــــــــــلافاً ومدُّوا بيننا كُرهــاً وغِلاً

كذلك نراه ناقداً ذلك الإسلام المزيف الداعي إلى الإرهاب وقتل الأبرياء، والإسلام بريء منهم ومما يفعلون من جرائم تقشعر لها الأبدان:

أيُّ إسـلامٍ تُرى فـي قتـــلِ شاعـر أم مُحـبٌّ لسـلامٍ ومنــاصِـرْ

أيُّ إســـلامٍ تهاوى في حضـيضٍ يُقتـــلُ المرءُ بدعوى هو فــاجرْ

كـافرٌ ذاكَ الـذي يهــــــــــوى أماناً مـشـركٌ مـن قـالَ: إنّ الشَّعـبَ قـادرْ

وللغزل والحب نصيب كبير في الديوان:

يا خـــــــــــــــــــــــــــــــــــــيالاً أثارَ بي كُلَّ مَا يُلْفِتُ النَظَر

وســــــــــــــــــــــــــــــــــقاني مع العنا عتْمَ ليلٍ بلاَ قَمر

وقد حلق بعيداً في قصيدته هل زانَ بلقيسَ؟

يا هُدْهُدَ الخيرِ هلْ هَدْهَدْتَ لي طَرَبَاً أمْ أنَّ بلقيسَ قَدْ دَقَّتْ لَنَا بابَا

أم في سليمانَ تبدو الجِّنُّ ماكِثَةً فصِرْتَ يا صاحِ تبكِي مُلْكَ مَنْ شابَا

الحبيبة الأثيرة

ويرى في الإمارات حبيبته الأثيرة، فيتغزل بها على طريقة نزار قباني «معشوقتي» عن الإمارات:

سجّــــــــــــــــــــل بأنّي عاشِــــــقٌ ومتيّمٌ في عاشقي

ومجــــــــــــــــــــاهرٌ في حبّ منْ قد نالَ منّيَ خافقي

ومواظـــــــــــــــبٌ في عشقِ منْ البعـدُ عنها حارِقي

يا من ملكــــــــــــــــتِ حشاشتي إن شئتِ عمريَ عانقي

أنتِ الإمــــــــــــــــــــــــــــــاراتُ التي سَــوّاكِ عدلاً خالقي

وفي «خذي قلبي» يرقّ الشاعر، وتصبح لكلماته أجنحة الفراشات في حقل من بنفسج وحبق:

لهـا عــــــــــــــــــــــــــــينـانِ تفتــنني وشعــرٌ زانَ بالميشي

وثغرٌ ضــــــــــــــــــــاقَ من خجـلٍ يصـارِعُ لُقْمـةَ العَيْشِ

ومناسبة القصيدة هي كما جاء على لسان شاعرنا: «في مطار ميونيخ بألمانيا كنت مع أحد الأصدقاء وهو شاعر في انتظار الطائرة للعودة إلى الإمارات، وإذ بتلك الفتاة التي تتجه بسرعة إلى بوابات الدخول إلى ألمانيا، كلانا في نفس الوقت التقط المحرمة من تحت فنجان القهوة، وكتب ما دار بباله تجاه تلك المسافرة». في «أسطورةُ الحسنِ» يحلق الشاعر بعيداً في التعبير عن حب الجمال:

مرّتْ عــــــــــــــــــــليّ بأنغـامٍ تُرَدِدُهــا وتطرِبُ الحيّ عِشقاً في أغانيها

فَرحــتُ أبحَثُ عن وصفٍ يُناسِبُـها وأيُّ وصفٍ تُرى يرقى إلى فيهـا

حوريـــــــــــّةٌ جادَ رَبُّ النّاسِ خالِقُهــا غندورَةٌ تسحرُ الدُّنيا وما فيهـا

مناسبات شخصية

كما تحضر في الديوان أشعار ألهمتها مناسبات شخصية، فأثناء تأدية ابن الشاعر البكر محمد واجبه الوطني في الخدمة الوطنية وغيابه لمدة تطول أحياناً كجزء من برنامج الخدمة كتب:

منْ قــــــــــــــــالَ إنَّ لنَا الحياةَ تجيبُ ولنَا وَليفٌ خانَهُ الترْغيبُ

نورُ العيــــــــــــــــــــونِ وللحياةِ رَديفُهَا وبِهِ إذا جارَ الزَّمانُ أهيبُ

وبهِ أرى عـــــــــــــهدَ الطّفولَةِ والصّبا وأراهُ عونَ العُمرِ حينَ أشيبُ

وفّقْ - إلهي - في الحــــَياةِ مُحمّداً واجعلْ لَهُ كلَّ الزَّمانِ يطيبُ

وللصداقة من شعره نصيب فقد قال عن صديقه المرحوم خلفان الرومي: «خلفان الرّومي معلّمي وصديقي، ما تعلمته منه من حب للناس وتفانٍ لخدمة الوطن والمواطنين كان أساساً مهمّاً في تكوين شخصيّتي»، ويقول في رثائه:

يا قـــبرَ خلفـــانَ حقّاً جاءَ من علمٍ حـازَ الخصـالَ وما ينتابهُ الكللُ

فـــــــــذاكَ والـلـهِ حبُّ النّـاسِ كلّهِمُ وحينَ ذكراهُ يهمي النـُّـورُ والأملُ

فذاكَ خلفانُ أهدى الـرّبُّ مغفـرةً وبلاً تــراهُ إذا ما قلّـــتِ الظللُ

إضافة لما يحوي الديوان من انتقادات إلى جهات هدفها النيل من سمعة الإمارات الطيبة الزكية.

لغة القلب والروح

وقد استعمل الشاعر عدة بحور شعرية بمستويات مختلفة وهي: البحر الكامل 10 مرات، والبحر البسيط 10 مرات، وبحر الرمل 4 مرات، والبحر الوافر 3 مرات، ومجزوء الكامل مرتين، ومجزوء الوافر مرة واحدة، ومجزوء الخفيف مرة واحدة، والبحر الطويل مرة واحدة. ومن هنا نرى أن الحصة العظمى كانت من نصيب بحرين هما: الكامل والبسيط، وهما بحران مطواعان يصلحان للموضوعات التي فيها فيض من المشاعر الدفاقة.

كما جاءت اللغة سهلة سلسة تدخل القلب من دون استئذان، وهذا يدل على تمكّن الشاعر من ناصيتها، بعيداً عن التقعر اللغوي الذي ينفر القارئ والسامع من الشعر، لذلك أستطيع القول: إنه قريب الشبه بنزار قباني سواءً في شعره الغزلي أو الوطني والقومي.

أما الخيال والصور البيانية من تشبيه واستعارة وكناية فقد جاءت عفوية الخاطر من دون المزيد من الاحتفاء بها، وكأن الشاعر كان همّه التعبير الواضح المباشر لما تحتاج إليه المناسبة، ومعظم ما جاء من قصائد هي في مناسبات قريبة العهد منا.

وهذا الديوان يحتاج إلى وقفة نقدية عميقة؛ لأنه ديوان عميق في أفكاره ومشاعره وطريقته الفنية، فللشاعر أسلوبه الخاص به، وهو أسلوب معاصر بنكهة تراثية عذبة وزكية، ومن هنا تأثيره الفعال على القارئ الذي لا بد أن يطوف في أرجائه الرحبة مأخوذاً بسحر الشعر وجماله.

ونبقى نحتاج إلى الشعر، لغة القلب والروح، فالحياة من دونه شبه فارغة، وهنا أذكر ما قاله أحد الفلاسفة: «الفن أعظم فرح يمنحه الإنسان لنفسه»، لذلك رسم ديوان معالي الدكتور الشاعر عبدالله بلحيف النعيمي الفرح في زمن يكاد يخلو من الفرح.