#هلا_بالصين - الأسبوع الإماراتي الصيني

كتاب «تاريخ المستبصر»1 - 2

رحلة علمية في ربوع الجزيرة العربية

صورة

يعد كتاب كتاب «تاريخ المستبصر» من نفائس كتب الرحلات، ويمثل جولة آثارية في مكة المكرمة واليمن، وما يليهما من بلدان شبه الجزيرة العربية. وأوّل مَن نبّه إلى أهمية هذا الكتاب: المستشرق النّمساوي لويس سبرنجر (1813-1893) عام 1864.

ونُشرت نتف منه لأول مرة في ليدن عام 1901. ثم طُبع فيها كاملاً ما بين عامَي 1951 و1954 بعناية وتحرير أوسكر لوڤرين، منسوباً لابن المجاور الدمشقي، متابعاً على ذلك رأي المستشرق الألماني ذائع الصيت كارل بروكلمان، والمستشرق الفرنسي جبرييل فران.

ثم تُرجم الكتاب كاملاً إلى اللغة الإنجليزيّة على يدي أستاذنا الجليل البروفيسور ريكس سميث. ونشرتْه جمعية هاكلويت في لندن ضمن إصداراتها عام 2008، بعنوان: «رحّالة في شبه الجزيرة العربية في القرن الثالث عشر الميلادي: كتاب تاريخ المستبصر لابن المجاور»، وهي ترجمة قضى فيها سميث ردحاً من عمره المبارك، وبذل فيها الكثير؛ فعدّل وأضاف وبيّن وشرح وعلّق وصحّح ووضع له مقدّمة ضافية وافية. وكتب العديد من التعليقات في هوامش الكتاب.

وقبل الحديث عن مضامين الرحلة، سوف نشير إلى مصنِّفها، ومَن هو تحديداً. نُسب الكتاب في تحقيقه العربي على يدَي المستشرق أوسكر لوڤرين إلى ابن المجاور نجم الدين أبي الفتح يوسف بن الصاحب يعقوب بن محمّد بن علي الشيباني الدمشقي الكاتب، المولود في دمشق عام 601 هــ، سمع الحديث على أيدي عددٍ من مشايخ العلم من أمثال: ابن الكندي، وعبدالجليل بن مندويه وجماعة. وتفرّد برواية تاريخ بغداد عن الكندي. ومات في 28 ذي القعدة 690 هــ. وكان ديّناً، مصلّياً عالِماً بالحديث.

وهذا التعريف الموجز ورد في كتاب النجوم الزاهرة لابن تغري بردي، وفي كتاب شذرات الذهب لابن العماد الحنبلي، وفي كتاب الأعلام لخير الدين الزركلي. ولكن نسبة هذا الكتاب لهذا العالِم تحديداً لم تسلم من النّقد والنّقض.

وأول مَن نبّه إلى أنّ كتاب تاريخ المستبصر ليس من تأليف ابن المجاور الدمشقي هو الأستاذ جعفر الحسني، في مجلّة مجمع اللغة العربية بدمشق (32 /‏‏‏ 383/‏‏‏ 1957) وأشار إلى ما ورد في الكتاب من التصريح باسم والد المؤلف وأخيه. وأعاد نقد الكتاب ونسبته إلى ابن المجاور الدمشقي حسن صالح شهاب، والشيخ حمد الجاسر، رحمهما الله. وخلاصة تلك الآراء تكمن فيما يلي:

1- أنّ ابن المجاور الدمشقي كان ابن 17 عاماً لمّا قام صاحب الرحلة بجولته بدءاً من ميناء الديبل.

2- لم يرد في الكتاب أيّ إشارات إلى مدينة دمشق أو أيٍّ من البلدان الشّاميّة الأخرى، ما يشير إلى عدم معرفة الكاتب بهذه المناطق.

3- يرد في الرحلة عدد كبير من الألفاظ العامّيّة، مع سذاجة في الأسلوب، وضعف في التراكيب، واضطراب في ترتيب الكتاب، ما يدلّ على أنّ مصنِّفه من العامّة لا من العلماء مثل ابن المجاور الدمشقي المعروف بالعلم والفقه.

4- يرد في الرحلة العديد من الأشعار والقصائد باللغة الفارسية، وهي لغة لم يكن يعرفها ابن المجاور الشيباني الدمشقي.

5- لم يُذكَر أبداً في سيرة ابن المجاور الشيباني أنّه سافر من دمشق إلى الديبل.

وبناء عليه فإنّ مؤلِّف الكتاب ليس ابن المجاور الشيباني الدمشقيّ العالِم الفقيه.

إذاً، مَن هو المؤلِّف الحقيقي لكتاب تاريخ المستبصر؟

وهنا يمكننا الأخذ بالإشارات التالية:

أ. تتكرّر في الكتاب الأسماء والمواضع الفارسيّة.

ب. تكرّر في الكتاب مصطلحات وألفاظ غير عربية.

ج. صرّح في أحد مواضع الكتاب بأنّه نيسابوري.

د. ذكر اسم أبيه، واسم جدّه، وهما يخالفان اسم والد وجدّ ابن المجاور الدمشقيّ.

هـ. يتضح أنّه كان شاعراً يجيد نظم الشعر باللغة الفارسيّة.

و. يتضح أنّ الكاتب رجلٌ من العامّة، كثير اللحن.

ي. يتّضح أن المصنِّف كثير الميل إلى الفرس، ونسب إليهم عدداً من الأعمال الإنشائية والمعماريّة والمدنيّة في بلاد الحجاز مثل جدّة، وفي بلاد اليمن مثل عدن. وهذا يخالف الواقع التاريخيّ.

وبناء عليه فإنّ صاحب الرحلة يدعى: محمد بن مسعود بن عليّ بن أحمد البغداديّ النّيسابوريّ.

إذاً، كيف تمّ الخطأ في نسبة الكتاب إلى غير صاحبه؟ يمكن تفسير ذلك بالأمور التالية:

1- متابعة مفهرسي المخطوطات لكارل بروكِلمان في كتابه عن الأدب العربي، الذي يعدّ أول مَن نسب الكتاب إلى ابن المجاور الدمشقيّ.

2- تكرار اسم: «ابن المجاور» في الكتاب دون نسبة، فظنّ بعضهم أنه الدمشقيّ نظراً لشهرة هذا العالِم دون ذاك النيسابوريّ.

3- دُوّن على المخطوطة الوحيدة للكتاب، والمحفوظة في آيا صوفيا بإسطنبول: «تأليف الشيخ المسند المحدّث جمال الدّين أبي الفتح يوسف بن يعقوب بن محمد المعروف بابن المجاور الدمشقيّ رحمه الله رحمة الأبرار».

4- أكّد خير الدين الزركلي نسبة هذا الكتاب لابن المجاور الدمشقي أثناء ترجمته له في كتابه الأعلام.

5- نسبه محقّق الكتاب ومعدّه أوسكر لوڤرين لابن المجاور الدمشقي.

1864وأمّا أستاذنا الجليل ريكس سميث فيذكر في مقدّمة ترجمته وتحقيقه لكتاب تاريخ المستبصر فيقول: إنّ بداية ظهور نصّ «تاريخ المستبصر» لدى العلماء عام 1864 حين قام ألوي سبرينغر بأخذ نسخة له من السّيّد م. سكيفر، واستخدمها بصورة مكثّفة في القسم العربي لعمله، ثم تلا ذلك نقاش العلماء حول المؤلِّف الحقيقي لهذا العمل.

وفي عام 1899 شكّكت مؤسّسة دي غوج في حتمية كون يوسف بن يعقوب المؤلِّف الحقيقي على خلاف مؤسّسة ديرنبرغ عام 1901، حيث وجد اسمه مطبوعاً في صفحة العنوان للمخطوطات، وفي الطبعة المنشورة عام 1950. بينما أيّدت مؤسّسة جواد عام 1938 مؤسسة دي غوج في شكوكها.

وذكر أنّه درس كلّ الحجج والبراهين بدقّة وبغضّ النظر عن الاسم المعنون في المخطوطات التي حصل عليها، وفي الطبعة المنشورة لأوسكار لوڤرين عام 1951، توصّل بأنّ المؤلِّف الحقيقي هو أبوبكر بن محمد بن مسعود بن علي بن أحمد بن المجاور البغدادي النيسابوري.

أما بالنسبة للاسم الموجود على صفحة العنوان (يوسف بن يعقوب بن محمد ابن المجاور الشيباني الدمشقي) فهو خطأ مطبعي حدث أثناء عملية النسخ التي دامت لقرون، واستمر النساخ بتناقلها لوفاة عالِم معروف يحمل الاسم نفسه عام (690هـ - 1291م).

60وفي الواقع، لم يكن يوسف بن يعقوب سوى عالِم إسلامي ومحدّث، بينما لم يكن مؤلّف الكتاب كذلك.

ومن خلال النّصّ يمكن معرفة المؤلِّف الحقيقي لـ«تاريخ المستبصر» مع الإشارة إلى أنّ الشخص المذكور في صفحات العنوان كان قد توفي قبل 60 سنة بعد آخر تاريخ ذُكر في النص 627 هـ /‏‏‏ 1230-1229 م، ولذا لا بد أن يكون شابّاً فتياً قام برحلاته في بلاد العرب في بداية القرن السابع الهجري، الثالث عشر الميلادي، ولم يُعرف بعدها أي شيء لبقية حياته.

وتوجد أدلّة كثيرة تجزم بذلك، وهي تقريباً في كلّ صفحات النّصّ، وتشير تلك الأدلّة إلى كون المصنِّف الحقيقي من بلاد الشرق الإسلامي. وعلى الأرجح أنّه فارسي، قام بالاقتباس من الشِّعر الفارسي في عدّة مناسبات، وأحياناً كان ينظمها بنفسه. كما كانت مقارناته كلها بالشرق الإسلامي، وعند التدقيق في أسماء الرواة الذين نقل عنهم ابن المجاور نجد أنّ عدداً لا بأس به منهم يعود لبلاد الشرق الإسلامي وقلّة من السوريين. وفي الصفحة 14 من طبعة لوڤرين لتاريخ المستبصر، يخبرنا ابن المجاور بأن خراسان هي موطنه، كما كانت بغداد محلّ إقامته، وهذا ما يؤكد لقبه البغدادي النيسابوري بدلاً من الشيباني الدمشقي.

ويبدو أن المصدر الوحيد في معرفة الكاتب هو من خلال نصّ «تاريخ المستبصر»، ومن المدهش أنّه مهتمّ كثيراً بالتجارة، وإن لم يكن تاجراً، فلا بد وأنه مهتم بها أينما حل؛ وقد سافر أولاً لأداء الحج، ثم سافر من الحجاز إلى اليمن عبر تهامة، كما كان يزور الهند وشرقيّ أفريقيا من حين لآخر لممارسة تجارته، ومن هذا المنطلق يمكن القول إن مؤلِّفنا يؤمن بالفلسفة القائلة بأن على التاجر معرفة الناس أولاً قبل التعامل معهم، كما كان مهتمّاً جدّاً بالناس والملابس والطعام والزراعة والعادات الاجتماعية لسكان شبه الجزيرة العربية.

وقد دفعه حبّه للتجارة إلى تسجيل الأسعار والضرائب الجمركية المفروضة على مختلف السلع التي تدخل أو تخرج من المنطقة، والأسواق والعملات والأوزان والمقاييس.

دراية بالأقاليم

يمكن القول إنّ مؤلف كتاب «تاريخ المستبصر» هو أبو بكر بن محمد بن سعود بن علي بن أحمد ابن المجاور البغدادي النيسابوري، وربما هو من أصول خراسانية أو عاش هناك على الأقلّ في مرحلة ما من حياته، حيث إنه على دراية بالأقاليم الإسلامية الشرقية دراية تامّة، وعلى ما يبدو أن الفارسية هي لغته الأم.

ومن خلال التواريخ المذكورة في النص، يمكننا الجزم بأنه قد وُلد في النصف الثاني من القرن السادس الهجري، الحادي عشر الميلادي، وتوفّي في النصف الأول من القرن السابع الهجري، الثالث عشر الميلادي.

قصص وغرائب

يلاحظ في نص كتاب «تاريخ المستبصر» شغف ابن المجاور وهوسه بنقل الأمور الغريبة السائدة آنذاك، وكذا مجموعة من الحكايات العجيبة والمدهشة من الماضي البعيد، وفي المقابل كان لديه حسّ دعابة عال جدّاً، فقد كان يروي العديد من الطرائف المسلّية والقصص المضحكة، ربما بعد ساعات طويلة من التدرب عليها أو حتى سرقتها من الأصدقاء، ما يجعلك تستمر في الشعور بأن مثل هذه الحكايات ما هي إلا نتيجة أحاديث الرجال في تجمّعات مجالسهم، وقد أُعيدت روايتها مرة تلو الأخرى مع بعض الزيادات والمبالغات.

تاجر وباحث

يشير محتوى نص الكتاب إلى أنّ ابن المجاور، مؤلف الكتاب، كان تاجراً أو على الأقل شخصاً مهتماً جدّاً بالأعمال والتجارة إلى جانب كونه رجلاً يملك حسّاً كبيراً من الدعابة واهتماماً عميقاً بعالَم السِّحر وممارسيه، وقد سافر إلى شبه الجزيرة العربية في مناسبة واحدة على الأقلّ، وزار الحجاز وتهامة والساحل الشرقيّ لشبه الجزيرة العربية ومنطقة الخليج العربي وبعضاً من المناطق الداخلية. ويعدّ هذا الكتاب خلاصة لهذه الرحلات.

كما نستنتج أن مؤلِّفنا لم يكن يوماً عالماً أو باحثاً دينياً، ولم تغطِّ اقتباساته الأدبية مساحة كبيرة من «تاريخ المستبصر». وكان يحفظ القليل من الشعر، كما كان ينظم بعضه بنفسه، وحتى اقتباساته القرآنية كانت قليلة وكذلك أفكاره ولقاءاته بالجماعات الدينية، بل كان يبدو مندهشاً أو ساخراً منها.

تعليقات

تعليقات