البريطاني جون هيلي باحث مخضرم متيّم بالشرق وحضاراته

صورة

في الحلقة السابقة، استعرضنا واقع الاستشراق بصورة عامّة، وواقع الاستشراق البريطاني بصورة خاصّة، وموقع هيلي من كّل ذلك الكمّ الهائل من المعارف والعلوم الشرقيّة.

وكنظرةٍ شخصيّة وتعريفيّة به فهو ينتمي إلى أسرة ذات أصل أيرلندي، كاثوليكي، وُلد في مدينة ليدز ببريطانيا في 10 فبراير 1948، وهو من عائلة متواضعة من الطبقة العاملة، ولا يوجد أحد من أفراد هذه العائلة تلقّى تعليماً جامعيّاً، كان والده عاملاً في مصنع للملابس، ثمّ شارك جنديّاً في الحرب العالمية الثانية، ووصل بسببها إلى أوروبا، ورافق هذا الوالد ابنه الصغير جون في زيارات إلى فرنسا وألمانيا وهولندا.

حفرت هذه الزيارات في ذاكرة ابنه ذكريات طيّبة لا تنسى، وكانت لخلفية أسرته المحافظة أثر في تشكيل شخصيته المتديّنة، وعلى الرغم من الثقافة اليسيرة لهذا الوالد، فإنّه كان حريصاً على أن يتعلّم ولدُه الوحيد، ولذلك كان مستعدّاً أن يضحّي في سبيل أن يتعلّم في أرقى المدارس في ليدز، وتزوج هيلي امرأة متخصّصة في الآثار، هي إليزابيث، وأنجب منها ولداً سمي كيڤِن، وبنتاً هي فرانسيس.

النّشأة والتعليم

ذهب جون هيلي في عام 1959 للدراسة في مدرسة القديس مايكل التي يشرف عليها الرهبان اليسوعيون الكاثوليك، ثم درس في الكلّيّة اللاهوتية في دبلن عام 1966، وفي المرحلة الجامعية في عام 1967 درس في الكُلّيّة الجامعية الوطنية بدبلن في قسم اللغات السامية، ثم تحوّل من دراسة الفلسفة إلى دراسة اللغات التوراتية، وتخرّج من هذا القسم في عام 1970.

التوجّه الأكاديمي

قرّر هيلي، الملم بـ13 لغة حية وميتة، التخلّي عن التوجّه الدّيني الذي يؤهّله ليكون قسّيساً لينتقل إلى الميدان الأكاديمي البحت، فحصل على الماجستير في عام 1972، ثمّ ذهب إلى «مدرسة الدراسات الشرقية والأفريقية» (في جامعة لندن)، ليدرس الدكتوراه في تخصّص الديانة والآداب الأوغاريتية، ومن حسن حظّه أنّ أستاذه ومشرفه كان العالِم المتميّز في الدراسات الآشورية، البروفيسور دونالد ويسمان.

وفي الوقت نفسه تعلّم على يدي أحد العلماء الكبار في الدراسات الإثيوبية، وهو البروفيسور إدوارد أوليدورف، وبدأ جون في لندن دراسة اللغة الأكادية للاستفادة منها في تعلّمه في دراساته للغة الأوغاريتية، وكان وجوده في مدرسة الدراسات الشرقية والأفريقية فرصة كبيرة مهمة للتعرّف إلى ثقافة الشرق والثقافة العربية، نظراً إلى ما تتمتّع به الكُلّيّة من اختلاط ثقافي، ما أسهم في قربه من العرب فهماً ومعرفةً.

ونظراً إلى حاجته إلى المال، اضطرّ إلى التحوّل من الدراسة الدائمة في الكُلّيّة إلى الدراسة الجزئية، فتوجّه إلى جامعة بيرمنغهام ليحاضر هناك في طلبة الدراسات العليا في اللغة العبرية والعهد القديم ضمن قسم اللاهوت، وبقي في جامعة بيرمنغهام مدّة سنة كاملة.

ولكنّها كانت مدّة كافية للالتقاء بعددٍ من العلماء، من أمثال عالم الآشوريات الكبير البروفيسور ويلفيرد لامبيرت، وقبل نهاية هذه السنة أيضاً، حصل على منحة دراسية من الكلّيّة الجامعية بكاردف، واتجه إلى كاردف في عام 1974، وأصبح تحت إشراف البروفيسور هاري ساجس، وكان لهذا العالِم أكبر الأثر في شخصية جون، وتلقّى الكثير من عطفه وتشجيعه حتى حصل على الدكتوراه في عام 1977.

الوظائف الإدارية والمهام الأكاديمية والتدريسية

بقي جون هيلي في كاردف يعلّم في قسم اللغات السامية والدراسات الدينية بالكليّة الجامعية بين عامَي 1974 و1980، ثم انتقل إلى جامعة «درهام»، التي كانت تضمّ آنذاك مدرسة الدراسات الشرقية، وهناك تعرّف إلى أحد أعزّ أصدقائه، وهو البروفيسور ريكس سميث، الذي يعتبر أحد كبار علماء العربية والتاريخ الإسلامي والعربي.

وظلّ هيلي في «درهام»، إلى عام 1989، حيث انتقل إلى قسم دراسات الشرق الأوسط في جامعة «مانشستر»، حيث ترقّى إلى درجة محاضر أوّل، وأستاذ مساعد في عام 1989، ثم إلى درجة محاضر، وإلى أستاذ مشارك في عام 1995، وفي عام 1997 ترقّى إلى درجة أستاذ في الدراسات الساميّة، ثم أصبح رئيساً لقسم دراسات الشرق الأوسط، وظلّ يدرّس في القسم حتى تقاعد عام 2014.

ولاهتمام هيلي بالشرق وحضارته وثقافته، انتمى إلى عدد من الجمعيات العلمية المهتمة بالشرق، وهي: الجمعية الملكية للدراسات الآسيوية، جمعية دراسات العهد القديم، جمعية آرام، الجمعية الأميركية للبحوث الشرقية.

15

مما لا شك فيه أن تواصل هيلي مع العالَم العربي له أكبر الأثر في فكره ومبادئه وتعامله وأسلوب كتابته وتناوله تاريخ وحضارة الشرق الأدنى القديم عن طريق جملة أمور، منها:

الإشراف الأكاديمي: فأثناء عمله في جامعة «درهام»، بدأ إشرافه العلميّ على عددٍ من طلبة الدراسات العليا من العرب وغيرهم، وازدادت عملية الإشراف العلمي على الطلبة حين انتقل إلى جامعة مانشستر، وبلغ عدد من أشرف عليهم هيلي إلى الآن 15 طالباً، ويمكن ملاحظة نقاط عدّة من خلال موضوعات دراسات الطلبة تحت إشرافه:

أ- تنوّع جغرافيّ لبلدان الباحثين، وهي: الإمارات والكويت والسعودية والأردن والعراق وسوريا وتركيا، وتتميز تلك الدول بأنه لها مكانة في حضارة الشرق الأدنى، منذ القدم وإلى العصر الحاضر، وهؤلاء الطلبة يشكّلون دعاية إعلامية جيّدة لأستاذهم السابق.

ب- تنوّع في موضوعات أطروحات الدكتوراه، إذ تتوزّع بين الديانة والحضارة واللغة والأدب والاقتصاد والنظرية التاريخية والآثار والسياسة. وهي بلا شك، موضوعات تحمل في طيّاتها أفكار ومبادئ مَن كتبها، وكانوا أصحابها يناقشون أستاذهم فيها، ويتبادلون معه الحديث فيها، فيختلفون ويتفقون، وهذه الحوارات ولّدت عند هيلي قناعات معيّنة تتصل بحضارة وثقافة ولغات وديانة الشرق الأدنى، منذ عصوره الأولى إلى العصر الحديث.

ج- اطلاع واسع ومعرفة ثرية بعصور التاريخ في بلاد الشرق الأدنى، حصل عليهما هيلي من إشرافه على هؤلاء الطلبة مع اعترافنا بما تميّز به هيلي من العلم، وكان هيلي يعامل طلبته معاملة راقية، وأصبحت علاقته بهم علاقة صداقة بعدما أنهوا دراستهم معه.

تأهيل عالٍ

الإنتاج العلمي وصلته بتاريخ وحضارة ولغات الشرق الأدنى

ويتوزّع حسب الموضوعات والمجالات التالية:

أولاً: الدراسات التاريخية العامّة.

ثانياً: النّقوش والكتابات القديمة.

ثالثاً: اللغة السريانية.

رابعاً: اللغة الآرامية وآدابها.

خامساً: ميدان الدراسات الدينية العامّة.

سادساً: ميدان الدراسات المتعلّقة بالديانة المسيحية.

سابعاً: إيبلا.

ثامناً: مشاركات هيلي في تحرير دوريات علمية لها صلة بتاريخ ولغة وأدب الشرق الأدنى.

وتركّز كثير من بحوثه على موضوعين مهمّين، هما:

1- أوغاريت (رأس الشمرا): أنتج هيلي العديد من البحوث والمؤلَّفات والكتب في هذا الميدان، بلغتْ أكثر من 23 دراسة وبحثاً، ركّزت على تاريخ أوغاريت، وذِكرها في العهد القديم، وحيواتها السياسية، والدينية، واللغوية والأدبية، وعلاقات أوغاريت بالخارج.

2- الأنباط: نال الأنباط حيّزاً كبيراً من اهتماماته ومؤلَّفاته، فكتب في تاريخ الأنباط، والديانة النبطية، والأنباط ومدائن صالح، واللغة والكتابة النّبطية، والقانون النّبطي.

وكنظرةٍ فاحصةٍ لمنهج هيلي في تتبعه لتاريخ وحضارة الأنباط، نلاحظ أموراً عدّة:

استشهاده بالقرآن الكريم في مواضع عدّة.

اعتماده على الآثار وتمكّنه من استعراض الخلفية الآثارية.

تأكيده دائماً أنّ الأنباط عرب.

اعتماده على المقارنة بين ما أنتجه الأنباط وبين ما خلّفه غيرهم.

تمكّنه من استنباط الأحكام من خلال النّقوش بما تحتويه من معلومات مختلفة.

نالت الديانة النّبطية حيّزاً كبيراً من اهتمام هيلي بالحضارة النبطية.

تقديمه فكرة واضحة وجريئة عن تاريخ الأنباط.

استشهاده باللغة العربية كلغة وككلمات وألفاظ وحروف.

من الأمور الملاحظة على الإنتاج العلمي لهيلي

بلا شك، فإن عدداً من العلماء والمتخصّصين قد خالفوا أستاذنا في آرائه ولم يتفقوا معه.

إنّ عدداً من مؤلَّفاته تتناول الجانب الديني.

إنّ كثيراً من بحوثه ومؤلفاته تركّز على النّقوش والكتابات القديمة.

ضعف معرفته باللغة العربية مقارنة بتمكّنه من اللغات الساميّة الأخرى.

أثّرت علاقات هيلي الشخصية في تكوين صلاته بالمنطقة.

لما تحدّث هيلي عن قضية التوحيد عند الأنباط وعرب الجاهلية، نجده تحدّث عنها على استحياء، وربط ذلك بوجود نوع من التأثيرات اليهودية والنصرانية، وهي نظرة لم يتفرّد هو بها، بل سبقه العديد من الغربيين.

اطلاع واسع

قام هيلي بزيارات متكرّرة لمنطقة الشرق الأوسط، فزار الإمارات والبحرين وقطر واليمن وسوريا والعراق وتركيا، ووفّرت له هذه الزيارات معرفة ممتازة بالعالَم العربي، وكسب على أثرها أصدقاء ومعارف، وأنشأ شبكة للعلاقات الشخصية في كلّ بلدٍ عربي زاره.

2014

ألقى هيلي، في نوفمبر الماضي (2017)، محاضرة في قسم التاريخ والآثار بجامعة الإمارات العربية المتحدة. وبعد ذلك تنقّلت معه في ربوع رأس الخيمة، وحال عودته إلى بريطانيا بعث إليّ برسالة بالبريد الإلكتروني تفيض شكراً وتقديراً ومحبّة للإمارات وأهلها، وسلاماً على كلّ مَن التقى بهم في زيارته هذه.

وكلّما مرّ الوقت ازددتُ إعجاباً به وحمداً لله على تعرّفي إليه. وأتذكّر أنّه لمّا كنتُ في رحلة العلاج في سنغافورة عام 2014، بعث لي برسالة عبر البريد الإلكتروني أكد فيها تعاطفه وحبّه ودعائه وتشجيعه لي، فما أجلّه من عالِم، نفعنا الله بعلمه، وبسط الله له في عافيته وصحّته.

نصير العرب

مرّ هذا العالِم الجليل بمراحل عديدة عبر تاريخه العلمي والتربوي، وتشبّع بفكر الشرق وحضارته، وتعمّق في دراسة ثقافته، حتى أصبح الآن أحد أكثر العلماء دفاعاً عن الشرق محبّة وتقديراً له.

وقد لازمتُه كثيراً، شخصياً، أثناء دراستي للماجستير ثمّ الدكتوراه، فوجدتُه شخصاً مليئاً علماً وثقافة وأدباً جمّاً، ثمّ تزاملتُ معه بعد أن أنهيتُ الدراسة، وتكرّرت لقاءاتي به، فما رأيتُه إلا يزداد علماً ورغبة في معاونة الآخرين من الباحثين والأخذ بأيديهم، كما عرفتُه مدافعاً عن الحقوق العربية في فلسطين والعراق وسوريا.

 

تعليقات

تعليقات