#هلا_بالصين - الأسبوع الإماراتي الصيني

في بطحا آل علي..«البوش» من سلالة مصيحان .. و«الهوش» يفرز الأشخر

صورة

سلك فريق «البيان» درباً جديداً من «دروب الإمارات»، على امتداد شارع الشيخ محمد بن زايد، من دبي باتجاه رأس الخيمة، وعند المخرج «113» انعطفت المركبة التي تقلنا يساراً من تحت الجسر، لنصل إلى هدفنا: بطحا آل علي.

هناك حللنا في رحاب منتجع بدو لاند السياحي، مكان يحتفي بكثبان الرمال المطلة عليه من كل جانب لتشيع أجواء ثقافة الصحراء وشروطها، إنها «البطحا» التابعة لإمارة أم القيوين، هنا مرابع بدو آل علي، الذين عاشوا في المكان مئات السنوات، في ظل وفرة المراعي وغابات الغاف الكثيفة، من جراء ما حظيت به البطحا من وفرة مياه «المدفق» التي جلبتها الأودية القادمة من العين «الشويب» ومن الذيد وجبال الفجيرة.. كلها تنتهي هنا.

مغامرات

هنا في منتجع بدو لاند الواقع في قلب صحراء أم القيوين يلتقي عشاق البادية و«العراقيب» من كل مكان، ليحظوا بطقوس الضيافة البدوية في استراحات خاصة شيدت من الخيام التقليدية وسعف النخيل والحظائر والعريش، ومنها ينطلقون إلى عرض البر الفسيح، بعضهم يقتنص طرائد البر وطيوره، ويتفرق آخرون في كل مكان على متون الإبل أو الخيل والحمير، وثمة من يمارسون قيادة الدرجات النارية.

عشق المغامرة ومعايشة التراث الأصيل هو العنوان العريض الجامع لزوار منطقة البطحا خاصة وأنهم يمارسون هنا، وبتلقائية، فنون اليولة والونة والشلة وغيرها من الفنون الشعبية خاصة في عطلات نهاية الأسبوع والأعياد والمناسبات الوطنية.

صاحب منتجع «بدو لاند» سالم بن ركاض العليلي «بو حسن» هو مضيفنا هذه المرة، وهو مَن وُلِدَ ونشأ وترعرع في هذه الأرض، يقول: منطقة بطحا آل علي تمتد من فلج المعلا إلى المدفق، وتضم منازل الأقرن، الويابة، الرويضة، طوي ربيّع. لقد كان ولا يزال نشاطاً هنا في الرعي الذي يشمل تربية الإبل والغنم والبقر، بجانب جمع حطب الغاف لكثرة هذا النوع عندنا، ومن بعده يأتي الشخر ثم الرمث والسبط والثمام.

ومن نباتات الصحراء الأخرى المستوطنة في البطحا: الحماض والخبيز والبصيلات والفقع والحرشة والغمّير والدخنة.

ذاكرة المكان

يقول بو حسن: في الشتاء وعلى مر الزمان كانت القبائل تفد إلى هنا من كل مكان في الجوار بحثاً عن المراعي الخضراء، فيأتي إلينا العوامر والمناصير وبنو كتب والغفلة والمزاريع. كانوا يجدوننا في خيام الشعر كعادة البدو، وأما اليوم فقد انتقلنا إلى شعبية الرعفة، التي تقع على مسافة 5 كيلومترات من هنا.

يميز قبيلة آل علي البساطة والأمانة والكرم كعادة العرب البدو، بينما يميز إبل هذه البادية، كما يقول سالم بن ركاض العليلي: بوش «بن معلا» أصلها بوش الشيخ، من سلالة مصيحان، وهي تتربي بيننا هنا في مراعي المنطقة.

ثم ينشد بو حسن شعراً بدوياً يقول فيه:

يات من الشوامخ واليبال

لسيرها سوى وحيف

ودعت بياتا ش النعال

وادخلت فيهن بضيف

على الأقرن على كل حال

غدير وهواره زيف

مقر منسوع اليدال

ما تاح في الصافي عديف.

ونسأل بو حسن عن الحيوانات التي تصلح للقنص في هذا البر فيقول: طيور الحبارى والكروان، وأما الغزلان فقد انقرضت بعد أن كانت سابقاً منتشرة بيننا، ولقد أخذت فصائل منها أخيراً إلى جزيرة السنية في أم القيوين.

مزايا

بدو لاند ليس منتجعاً تقليدياً بمواصفات الفنادق ذات النجوم الخمس، ولكنه يميل إلى مواصفات القرية التراثية، مع إضافة فرصة استئجار الغرف «الشاليهات» المطلة على الصحراء، في ظل معايشة مفردات فولكلور الماضي الإماراتي والبيئة البرية بصورة حية ومباشرة، وهذا ما يميزه.. أن تعيش تراث الماضي بنفسك ومع أسرتك في أحضان الطبيعة وفي الهواء الطلق ولكن بأمان.

وسط الغاف

أخذنا بو حسن بعيداً عن منتجعه نحو أعماق الصحراء، فمرّ بنا على وادي البطحا وقال: إنه قادم من رؤوس جبال الفجيرة مروراً بالذيد حيث يلتقي بوادي الشويب هناك ثم يكمل مشواره إلى هنا حيث المدفق «المصب»، وأضاف كانت مياه كثيرة تتدفق إلى هنا قبل أن تتعدد السدود التي تعترض طريق الأودية الأمر الذي قلل كمية المياه الواردة.

وعن ظاهرة كثافة أشجار الغاف يقول: إنها تبلغ نحو مليون غافة في مجملها، وهي تمتد بكثافة اليوم من وياية حتى فلج المعلا، أما المدفق فقد قل الغاف فيه كثيراً.

وكما هو معلوم فإن الغاف شجر محبذ لدى «البوش» وغيره من الحيوانات، وحتى الإنسان، فضلاً عما يوفره من ظل ظليل وأخشاب للوقود والبناء معاً.

توحّلنا في الرمل

أثناء تطوافنا بين الكثبان الرملية «العراقيب» وسط بطحا آل علي، «غرّزت» إطارات عربتنا ذات الدفع الرباعي في الرمل، فانبرى بو حسن لنجدتنا بشهامة عيال زايد المعروفة، خاصة أبناء البادية، إخوان شما، إذ ترجّل عن مركبته وجثا على ركبتيه ينحي الرمل ليعين مركبتنا على الخروج من الحفرة التي صنعتها سيارتنا المتوحلة عند المنحدر، ثم يقود العربة بسلام لنواصل السير.

قال: سياقة البر تحتاج لراعي بر، فسرعان ما تغرز الإطارات إذا لم نكن نعرف درب النجاة من تتبع سطح الأرض وتلمّس الممرات الآمنة من خلال تجاربنا وخبراتنا السابقة في المكان ذاته. كما يجب أن نكون جاهزين في الوقت ذاته لعملية «القلص». وعموماً تقول العرب: أهل مكة أدرى بشعابها.

وادي بو روبية

وقفنا على وادٍ تتناثر فيه أعواد الرمث اليابسة، بجانب نبات الرمث وأيضاً شجيرات الأشخر وكانت الأغنام «الدبش» تسرح وتمرح في العراء الذي تهب عليه نسائم الشتاء الطيبة، ووقف بنا بو حسن ههنا لجمع حطب وهو يمشي حافي القدمين، قال هذا وادي بو روبية، والتسمية تعود إلى أن أحدهم في زمن سابق أضاع روبية واحدة سقطت منه بين طيات الرمل.

فأبى أن يعود مع ربعه إلى حي أهله وبقي سحابة يومه يبحث ويعيد البحث من الصباح حتى وجده قبيل المغيب، فسمي الوادي باسمه: وادي بو روبية. الرمال هنا تميل إلى اللون الأحمر، لأنها رمال بر، وأما قرب البحر فإن لون الرمال يميل إلى الأبيض.

بو حسن حذرنا من السائل الأبيض الذي يخرج من شجر الأشخر وقال إنه سام ويسبب العمى، سواء للإنسان أو الحيوان، والسوائم تعرف هذا بفطرتها «سبحان الله» ولذلك فإنها تعمد إلى التغذي بالبرم «أزهار الشجرة» فقط.

ونّات

جلس بو حسن يتصفح نسخة اليوم ذاته من صحيفة «البيان» في عرض الصحراء، وما لبث أن أنشد شعراً نسبه إلى خاله عبيد بن علّوه الذي يقول:

ونّيت ونات التلايف

يا سعيد ع زيناً فارقناه

راسه على نهوده سفايف

بالخط يزهي كف يمناه

ما يا طويل وهو بنايف

مدماي ويشوقك ممشاه

يشبه على ريم الكفايف

ما صاده القنيص ورماه

جرب مطايانا نحايف

ولهن شمق ع الليل مسراه

ليبعدن توحا الصفايف

ثنتين ما فيهن منقاه

بورتريه

الزميل سالم بن ركاض العليلي «بوحسن» يتذكر أنه عام 1969م التحق بمدرسة ترعاها الكويت أقيمت في الحمرية بالشارقة. قال كانوا يأخذوننا باللاندروفر من هنا كل يوم وكانوا يمنحوننا 15 درهماً بجانب الفواكه المجانية. لقد شجعونا بهذه الطريقة. وأضاف: عملت لاحقاً في بلدية أم القيوين قسم التراخيص وكان ذلك عام 1980م، ثم التحقت بشرطة أم القيوين، وفي عام 1987م دخلت الجيش فعلمت بالمنطقة العسكرية الوسطى وكنت أداوم في زعبيل.

أما الآن فإن بو حسن يقوم بوظيفة معلق رياضي في قناة دبي ريسينغ التابعة لمؤسسة دبي للإعلام، ويعمل في نادي دبي لسباق الهجن.

نذهب عميقاً في دروب الخير والوفاء للوطن وإنسانه.. نتجول في ربوع البلاد بحثاً عن منابع التميز، عن إمارات الرضا والسعادة، في عيون الأطفال والكهول.. نلتمس مكنونات هذا الشعب الكريم، في قراه البعيدة وبواديه وضواحيه، حيث النقاء والأصالة، نقف على آثار الماضي ونمط العيش الجديد، لنشهد كيف حدث ويحدث التحول التاريخي العظيم من حياة البساطة إلى حياة الرفاه والمعاصرة، دون خسران للهوية الغالية. «البيان» في هذه السلسلة تجالس الناس، تستعرض طواياهم الجميلة، تقاسمهم الماء والخبز والذكريات.

 

 

تعليقات

تعليقات