تفتح «البيان» اليوم مساراتها نحو الطفولة والمستقبل الذي نراهن عليه، فـ«أدب الطفل» هو موضوعنا وذراعنا لملامسة تلك الخيالات الغضة التي ستبني الحياة يوماً بقدر ما ما سنسديها من المكونات التي يلعب فيها الكاتب والكتاب الدور الأهم بلا منازع.

أدب الطفل هو تلك الآثار الفنية التي تصور أفكاراً وإحساسات ومرائي تتفق ومدارك الصغار وتتخذ أشكال: القصة والشعر والمسرحية والمقالة والأغنية. وبقدر ما توافرت عناصر ثلاثة هي: اللغة الرشيقة البسيطة، والرسوم التوضيحية الجذابة مع تناول الموضوعات العميقة بأسلوب شائق من دون تعقيد.. بقدر ما توافرت فرص أكبر لنجاح وتأثير هذا النوع الخاص من الأدب على عقل الطفل، وبالتالي تحققت غايته التثقيفية السامية.

وقد بدأ الكتّاب منذ زمان طويل يؤلفون قصصاً خاصة بالأطفال والفتيان من أجل أهداف سامية مثل اكتساب المعارف وتعلم شؤون الحياة والمعيشة وتبني السلوك الحسن، وبذلك يصبح هذا الأدب تربوياً وتعليمياً، ليصبح نافذة تطل على اكتساب المعارف وإعداد الفرد الصالح، استشرافاً لغد أفضل. ومن هنا فإن الإمارات قد بذلت لترقيته جهوداً باتت تؤتي ثمارها كل حين بدليل تنامي الاهتمام بالفعاليات والمنتجات المرتبطة به يوماً بعد يوم.

في ملفنا اليوم استدعاءات لماضي أدب الطفل ولجهود اليوم فضلاً عن رؤى المعنيين بهذا الشأن، وكل ذلك يتغيّا بلورة تصور أكثر فعالية لترسيخ منتج أدبي معاصر ومواكب شكلاً ومضموناً يتوجه لأطفالنا برسائل ذات بال ويمكن أن يحبوها ويتأثروا بها في ظل منافسة الأثير المزدحم بالمعارف والملاهي التي تهب إلينا من جهة الغرب.

وقبل أن ننطلق في تفاصيل الملف، لا بد من الإشارة إلى أن طفل اليوم ليس كما كنا يوماً، خيالاً وطموحاً ولغة تواصل، ولذلك فلا مندوحة عن أن يكون له أدبه وقنوات تواصل تليق به، بما يعني ضرورة تفريخ منتج أدبي يتناغم وشروط المرحلة بل يتجاوزها ما دامت مسؤولية الأدب والإبداع هي السبق إلى المستقبل، وإلى التفاصيل..

تباين

الشاعر علي الشعالي مؤسس دار الهدهد للنشر والتوزيع التي تهتم بكتب اليافعين والأطفال يقول: هناك تباين في مستوى أدب الطفل الذي يقدم في منطقتنا العربية، دون تعميم بالطبع، حيث إن العامل المؤثر في جودة الإنتاج ليس فقط القدرة المادية أو الاستطاعة الاستثمارية للناشر وللدولة التي تضع الأرضية لذلك مثلما تفعل دول الخليج المعروفة بالثراء والرفاهية.. فأدب الطفل يبدأ بالقصة أو النص الأدبي، وهذا يتضمن اللغة والمضمون والسياق والتسلسل والرسائل الموجهة للطفل، فكل هذه المنظومة يجب أن تكون مكتوبة بعناية وذلك قبل أن نبدأ بإنفاق درهم واحد على إنتاج الكتاب.

ويضيف الشعالي نحن كدور نشر محلية قطعنا جزءاً كبيراً من الطريق لأن النص هو الحاكم، وإذا تحدثنا عن مكونات الكتاب، فالرسم لا يحتاج الى استثمار، بل إلى إبداع وأفكار، وكذلك الشخصيات التي تمثل عناصر القصة وكيف ستتواءم اللغة الأدبية مع اللغة البصرية، باختصار القصة الجيدة للطفل وأدب الطفل عامة يقوم على عوامل عدة أكثرها لا تقوم على المادة، هناك مراحل هامشية صغيرة مهمة مثل التدقيق والتحليل والإخراج والتصميم، لكن المرحلة الأساسية هي الطباعة، وهنا نجد الفرق بين اكبر ناشر في العالم وناشر متوسط ليست كبيرة، لانه في النهاية الطفل يحتاج الى ورق معين والقصة لها شكل متعارف عليه، ولعل الفروقات تتمثل في بعض المؤثرات مثل قص الكتاب بطريقة مختلفة واختيار أحجام غير معيارية أو غير معتادة، لذلك أركز على هذه النقطة، إذ كثيراً ما نسمع أن الأدب متطور في منطقة معينة لأن هناك دعماً وقدرة مادية وقوة استثمارية وهذا زعم غير صحيح و يجرنا الى نقطة ثانية هي أن الإمارات بكل فخر اليوم متمثلة في دور النشر المتخصصة في أدب الطفل بقيادة دار كلمات ودار سما والهدهد ودار العالم العربي وغيرنا، استطاعت أن تضع نفسها في الطليعة مع زملائنا في الدول العربية، ودار كلمات بالذات قفزت بالنشر العربي للطفل من مستوى المقبول الى الممتاز بل أن بعض الأعمال لدور النشر الإماراتية، قد ترجمت الى لغات اخرى بطلب من الناشر الغربي فهذا نجاح كبير.

تجاوز

أما الكاتبة بدرية الشامسي التي أسهمت بعدة إصدارات للطفل فتقدم شهادة من له تجربة عملية في المجال إذ تقول: من خلال إطلاعي على بعض ما نشر في أدب الطفل ضمن المعارض المحلية والدولية، أستطيع أن أقول إن كتاب الطفل الموجود راهناً جيد، والمواضيع متنوعة وثرية، أما إذا تحدثنا عن عدد الكتب المنشورة محلياً، فأظن أن العدد لا يزال أقل من الطموح، من الجانب الكمي، كما أن هناك مؤسسات تقدم ورشاً ذات مستوى رفيع، لبناء قدرات كتاب متخصصين في أدب الطفل كمؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم للمعرفة، ووزارة الثقافة وتنمية المعرفة.

ومن خلال تجربتي الشخصية فإن هذه الورش لها إسهامات متميزة في صناعة الكتاب.

وتذهب بدرية الشامسي إلى أن الساحة المحلية تزخر بكتّاب مميزين في أدب الطفل، تجاوزت نجاحاتهم وانتشارهم السوق المحلي، مثل الكاتبة ميثاء الخياط والكاتبة نورة الخوري، وهناك الكثير من الكاتبات الواعدات في أدب الطفل مثل أسماء كلبان وعائشة المري ونادية النجار.

فعاليات محفزة

وتقول الكاتبة نادية النجار إن الساحة الثقافية في الإمارات شهدت في السنوات الأخيرة تطوراً لافتاً في إصدارات أدب الطفل، شكلاً ومضموناً، مما أثرى المكتبة العربية بإصدارات مميزة، ورفع معايير نشر كتب الأطفال إلى مستويات عالمية، وظهرت دور نشر محلية متخصصة في أدب الأطفال واليافعين يحرص أصحابها على إخراج كتب ذات جودة عالية تقارب ما هو عليه في الغرب.

وتتابع نادية النجار: هنالك الكثير من ورش العمل التي تقام بين فترة وأخرى متخصصة في أدب الأطفال، وتهدف إلى صقل وتطوير مهارات الكُتاب، لتواكب المعايير العالمية في أدب الطفل، ولا يخفى على أحد حاجة المجتمع إلى أدب الأطفال، فهو يستهدف عقول الأطفال وينميها.

حيث تهدف كتب الأطفال إلى تسلية الطفل وتعليمه، توسعة مداركه، وتطور من مفرداته وتثري حصيلته اللغوية. لذلك من المهم اثراء مكتبة الطفل بإصدارات مميزة، تجذب الأطفال إلى عالم القراءة.

أهمية التخصص

الكاتبة ميثاء الخياط ترى أن الكتابة للطفل لابد فيها من التعامل بجدية، وليس مجرد انتاج لملء الفراغ، ولذلك فلابد من وجود متخصصين في أدب الطفل، ومتخصصين آخرين في رسم القصة ومن اللازم وجود دار نشر متخصصة لنشر أدب الطفل، إضافة إلى المدققين اللغويين ذلك لأنه عمل فني متكامل، يصنع شخصية جميلة وبريئة وتتمــتع بخــيال واسع، ومن هنا يجب أن نحترم هذا المخلوق الصغير والجميل وأن يقدم له كتاب يلــيق بمســـتواه ونحترم ذوقه وأفكاره.

وأضافت: شخصياً احب الكتابة في المواضيع الغير تلقينية، لأنني ككاتبة ليست وظيفتي بأن أربي الطفل ولكن أن أجعل الطفل يستمتع بما يقرأ مع مراعاة عدة أمور منها الدين والمجتمع، فأنا اكتب المواضيع المسلية والفكاهية والجذابة، واهم خلطة سرية اعتمد عليها لجذب الطفل هي عملية النقل بمعنى عندما يفتح الطفل الكتاب تكون بداية دخوله عالم القصة لتكون كأنها آلة الزمن تأخذ الطفل الى عوالم من الخيال والتشويق.

وعن الورش قالت ميثاء: هناك الكثير من الورش كالتي يقدمها مجلس الإمارات لكتب اليافعين بالتعاون مع المركز الثقافي الألماني «جوته»، وهي مبادرة «صـــنع في الإمارات» وهي مستمرة منذ عدة سنوات، وفي كل سنة تكون هناك ورشة جديدة لتدريب كتاب وهــواة أدب الطفل، وتعلمهم على المعايير العالمية في هذا المجال، وبسبب هذه المبادرة أصبح كتاب اماراتيون يكتبون لأطفال الإمارات بمستوى راق، ومن ضمن الكتاب الذين تخرجوا من هذه الورش: نورة النومان وهي كاتبة في الخيال العلمي ونورة خوري، وفاطمة البريكي اضافة الى دورات مؤسسة محمد بن راشد للكتابة وقد شاركت فيها وسيكون لي هناك إصدار قريب بالتعاون معهم.

وعن خصوصية علاقتها بعالم الطفل والتأليف له تقول ميثاء الخياط: أصبحت لدي عادة أن أهدي عند زيارتي للمستشفيات وللمواليد الجدد باقة من الكتب تصلح لمختلف الأعمار، فالكتب تغذي خيال الصغار وتهذبهم فكرياً وأدبياً وفنياً، ولابد للأهل وأولياء الأمور أن يشجعوا أطفالهم على القراءة من خلال معرفة كيفية تسويقهم ١ والقراءة ويضيفوا نوعاً من التشويق، اضافة الى زيارتهم لمعرض الكتاب وحضور حفلات توقيع الكتب والأنشطة المرافقة ليكون هناك تفاعل وانسجام بين الطفل والكاتب والقصة.تجربة إنسانية

وقالت الكاتبة رهف المبارك إن أدب الطفل هو كل تجربة إنسانية موجهة للطفل، والطفل اليوم بات واسع الإدراك له ذائقة خاصة فيما يقدم له، والمتمعن فيما حولنا من مواد أدبية تقدم للطفل يجد هناك نهضة و بداية تنافسية جديدة في العالم العربي و تحديداً في دولة الإمارات فدور النشر باتت تتنافس لتقديم الأفضل في المادة والرسم والإخراج. ولكن لازال الإنتاج الأصيل بحاجة إلى دعم والكاتب المبدع لايزال يجتهد في العثور على دار نشر تدعم إبداعاته.

وتضيف رهف أن أدب الطفل أصبح الآن مسانداً أصيلاً لدور الأسرة والمدرسة في التوجيه وحل المشكلات والصراعات التي يعيشها بعض الأطفال ولقد أصبح الطب يتجه نحو العلاج بالقراءة كواحدة من أكثر الطرق العلاجية تطوراً، وخاصة الأمراض السلوكية أو النفسية أو حتى في مرحلة النقاهة ما بعد العلاج، ويجب أن لا نغفل دور أدب الطفل في غرس القيم الأخلاقية وتعزيز المبادئ الاجتماعية.

إضافة الى أن التعليم الحديث في المدارس الدولية بات قائماً على تدريس أدب الطفل ومناقشة قضايا المجتمع من خلال التحليل الأدبي العميق الذي يربي الأطفال على النقد البناء الإيجابي، وهناك بعض المؤسسات التي تعنى بتقديم الدعم لكاتب أدب الطفل كالورشات المقامة خلال معارض الكتاب.