معلومات وتفاصيل تاريخية كثيرة حول الأوضاع المناخيّة في دولة الإمارات العربية المتحدة والمنطقة التي تقع فيها، تطلعنا عليها الوثائق البريطانيّة التي يزخر بها الأرشيف الوطني في أبوظبي.

إذ إنها ترصد العديد من التغيّرات المناخيّة، من حرارة وبرودة وأمطار وعواصف وفيضانات وجفاف، وهي متفاوتة من حقبة زمنيّة إلى أخرى، وهذا يؤكّد لنا أنّ ما مرّت به الإمارات العام الماضي من شدّة في الأمطار، وما تعرّضتْ له بعض المناطق من فيضانات الوديان هذا العام، ما هو إلا حلقة في سلسلة طويلة من الأحداث، وسنستعرضها معكم في هذه القراءة.

وقد عاصرنا نحن خلال سنوات عمرنا، بعضاً من هذه الأوضاع، إذ كانت الأمطار تتواصل لعدّة أيّام مع ازدياد البرد وكثرة جريان الوديان، وقد شاهد جيلنا كلّ هذه الخيرات البيئيّة. كما كانت الأعشاب والحشائش البرّيّة تعلو إلى نحو المتر، وكانت الوديان تجري لعدّة أيّام متواصلة. وبلا شكّ فإنّ المناخ يمرّ بدورات معيّنة تستمرّ عدّة سنوات ثمّ تتغيّر إلى أوضاعٍ أخرى، وهكذا.

1946

وممّا تزخر به الوثائق البريطانيّة من معلومات مناخيّة، أنه في رمضان 1366 هـ، الموافق لشهر أُغسطس 1946، مرّت على المنطقة نسائم باردة خلال الأسبوعين الأولين من الشهر، وهي من الأمور نادرة الحدوث في مثل هذا الشهر من العام. وأنّه بين يومَي 25 و28 فبراير 1947، هطلتْ أمطار غزيرة عامّة على كلّ إمارات الدولة نتج عنها جريان الوديان بكثرة ووفرة.

وفي شهر نوفمبر 1948، هطلتْ أمطار غزيرة على مناطق من إمارة أبوظبي امتدّتْ إلى منطقة العين، واستمرّت خمسة أيّام، وأحدثتْ بحيرة واسعة من المياه على بُعد نحو 25 كيلومتراً صوب الجنوب الغربي من أبوظبي، وبلغ عمقها نحو خمسة أقدام، وجذبتْ إليها أسراباً كبيرة من الطيور، مثل: البط والفلامينغو. وفي شهر يناير 1949، تعرّضتْ المنطقة لهبوب رياح شماليّة غربيّة شديدة تواصلت لمدّة أسبوع، وتأثّرت بسببها المراكب الراسية في عجمان، وفي دبي انقلب على إثرها قارب مات فيه 12 شخصاً. وتجمّد في هذه الفترة الماء في المناطق الصحراويّة، وهطلتْ على الإمارات أمطار غزيرة جدّاً حتى ظنّ النّاس أنّه لم يسبق لهم مشاهدة مثل ذلك من قبل.

هطولات

بين يومي 24 و28 ديسمبر 1949، هطلتْ أمطار غزيرة على دبي والشارقة وبقيّة إمارات الدولة. وفي شهر فبراير من عام 1950 تعرّضت دبي والشارقة وعجمان لعواصف شديدة تحطّمت على إثرها العديد من السفن، كما بلغتْ أمواج البحر منازل الأهالي فتضرّرتْ كثيراً، وامتدّتْ مياه البحر إلى المطار في الشارقة الذي تعطّل عن العمل لبضعة أيّام. وفي 12 مارس من العام نفسه هطلتْ أمطار غزيرة وعواصف رعدية عظيمة على سفوح جبال رأس الخيمة، ووصل مدى تأثير سيولها الكبير إلى مناطق وادي القور متجاوزة في شدّتها أيّ سيول سابقة في مثل هذه الفترة، وقد ذُكر أنّ أحد الوديان واصل جريانه إلى أن بلغ البحر بين عجمان والحمريّة، بينما هذا الهطل لم يكن بالشدّة نفسها على المناطق الساحليّة.

وشهد شهر يونيو من السنة نفسها هبوب نسائم لطيفة من البحر، مع انخفاض في درجات الرطوبة، وهي حالة غير متوقّعة في مثل هذا الشهر من العام ما جعل رمضان الموافق لهذا الشهر أكثر راحة للصائمين.

عاصفة

وفي 28 فبراير 1959 تعرّضت أبوظبي لعاصفة عنيفة خلّفتْ أضراراً تطلّبتْ القيام بعمليّات إنقاذ. ونتيجة للتفاوت في معدّلات هطول الأمطار فإنّ عامَي 1961 و1962 كانا من أكثر الأعوام جفافاً خلال الثلاثين سنة التي مرّت بالإمارات، بينما كان عاما 1956 و1957 من أكثر الأعوام هطْلاً للأمطار. وفي بدايات شهر مايو 1963 أصابتْ أبوظبي عاصفة مطريّة شديدة مصحوبة برياح عاتية سببّتْ خسائر كبيرة في المنازل والممتلكات، واعتُبرت هذه العاصفة إحدى أشدّ العواصف عتوّاً منذ مدّة طويلة. كما تعرّض مطار أبوظبي لبعض الإصابات، وتعطّلتْ العديد من الطرق، وخرجتْ عن العمل لبضعة أيّام. وفي 20 يناير 1964 هبّتْ رياح عاتية على أبوظبي، ثم تلاها سقوط أمطار رعديّة عنيفة، استمرّت أربعة أيّام متواصلة، أصابت المنازل والممتلكات بخسائر كبيرة، وفاضت الطرقات بالمياه ودخلتْ البيوت، كما أصابت العاصفة قرية طريف، فجعلتْ الأهالي من دون مأوى، وتحرّكتْ الحكومة لنجدة النّاس هناك بالأغذية والملابس والبطّانيّات.

«جرفة صفر»

وفي الذاكرة الشّعبيّة ما عرف بـ«جرفة صفر» التي وقعت في شهر صفر من عام 1385 هــ، الموافق لآخر شهر مايو 1965 م. وكان الثاني والثالث من شهر مارس عام 1966 يومين شديدي البرودة، إذ هبّتْ فيهما رياح شماليّة غربيّة، أثارتْ الأتربة، ثمّ هدأتْ الرياح بعد ذلك لعدّة أيّام ولكنها عاودت هبوبها بعنف ثمّ تلبّدتْ السماء بالغيوم، وطوال هذا الشهر لم تستقرّ الأحوال المناخيّة. وقد تواصلتْ هذه الأحوال في شهر أبريل الذي شهد برودة وهطول أمطار على الإمارات، ثمّ هبوب عواصف شديدة في يومَي 23 و24 من الشهر نفسه.. وحدوث موجات من الضباب.

وهذا بينما كانت الحرارة في شهر يونيو من العام نفسه معتدلة، مع هبوب رياح شماليّة شديدة جافّة، ما أثار الأتربة والغبار. كما شهد شهر أُغسطس هطول أمطار بعد هبوب رياح قويّة متربة. كذلك هبت في الأيّام: من 9 إلى 12 من شهر نوفمبر عواصف ترابيّة شديدة. ولم تكن الأجواء مناسبة لهطول أمطار في شهر ديسمبر، بل شهدت نوعاً من الجفاف مع انخفاض في درجات الحرارة.

رياح غربية

وكان شهر أبريل من عام 1967 بارد الأجواء نظراً لهبوب رياح غربيّة في الأسبوع الأول منه، وظلّ الجو لطيفاً حتى نهايات الشهر خاصة في يومَي 19 و27، حيث تعرّضت المنطقة لسقوط أمطار رعديّة ليست شديدة. وكانت أجواء شهر مايو متربة نظراً لهبوب رياح عاصفة أغلب أيّام الشهر مع هطول زخّات من المطر. وكانت أجواء شهر يونيو حارّة ورطبة. وهبّت رياح محمّلة بالأتربة في شهر يوليو أثّرت في الأجواء في أيّام مختلفة من الشهر، وفي الأسبوع الأخير منه هطلتْ أمطار رعديّة مختلفة الشّدّة على كلّ المناطق الجبليّة من السّاحل.

وديان فائضة

وكانت أجواء شهر يوليو 1967 في النّصف الأول منه كثيرة الرطوبة، والحرارة في معدّلها الطبيعي، وشهد النّصف الثاني من الشهر هطول أمطار رعديّة على المناطق الجبليّة. ولم تكن أجواء شهر أُغسطس 1967 حارّة كما هو معتاد في هذا الشهر، خاصّة في النّصف الثاني منه، بل شهد الأسبوع الأخير منه هطول أمطار على المناطق الجبليّة، مع هبوب رياح مثيرة للأتربة.

وشهد شهر سبتمبر تغيّرات في الأحوال المناخيّة وأوضاع الطقس، حيث هبّتْ رياح محمّلة بالأتربة، مع درجات منخفضة للحرارة، إضافة إلى هطول أمطار مختلفة الشّدّة، وكان أقواها في منطقة الذيد، حيث فاضت الوديان وغمرت الأراضي المحيطة.

وفي الأيّام الثلاثة الأولى من شهر أكتوبر هبّتْ رياح شديدة على الساحل، ولم تهدأ حدّتها إلا في اليوم السابع فسبّبت إثارة الأتربة وهيجان البحر، وشهدت أيام الأسبوع الأخير من هذا الشهر وصول سحب عظيمة ولكنّها لم تخلّف أيّ أمطار، وانتهى الشهر دون هطل. واختلفت أحوال الطقس في شهر نوفمبر، فبدأتْ المنطقة تتعرّض لهبوب رياح شماليّة قويّة، وهطلتْ أمطار مختلفة الشّدّة في أيّامٍ محددة من الشهر وصاحب ذلك أمطار رعديّة.

واستمرّت الأوضاع غير مستقرّة في شهر ديسمبر، وبدأ الشهر بهبوب الرياح الشماليّة، ثمّ في منتصفه هبّت رياح جنوبيّة قويّة مثيرة للأتربة، وحدث تراكم للسحب في فترة امتدّت من 14 إلى 21 من الشهر، وشوهد لمعان البرق على المناطق الجبليّة، وهطلت الأمطار، في أيّام مختلفة خلال تلك الفترة، وتميزت منها تلك التي هطلتْ في 27 من الشهر، حيث بلغ متوسّط هطولها 3.6 مل.

وبهذا السرد السريع نرى أنّ الأوضاع المناخيّة في منطقة دولة الإمارات ليست على وتيرة واحدة في عصرها الحديث، بل كانت متفاوتة ومتغيّرة من زمن إلى زمن، وأن المبالغة في التوقّعات فيما يجري هذه الأيّام من تبدّلات مناخيّة، لا يعني أنّها هي الأولى أو الأسبق أو الوحيدة، بل إنّ تاريخنا المناخي فيه ما شابه أو ما زاد أو ما قلّ.

ميناء دبي

تأثّرت تجارة الاستيراد والتصدير في ميناء دبي في شهر أغسطس من عام 1957 تأثّراً كبيراً نتيجة عدّة عوامل، منها: شدّة هبوب الرياح الموسميّة في بحر العرب التي أعاقتْ وصول السفن والمراكب إلى الميناء. وفي شهر يوليو من عام 1957 هاجمتْ مزارع إمارة رأس الخيمة أسراب عظيمة من الجراد، قضت على الأخضر واليابس.

أبريل 1957

هطلتْ أمطار غزيرة جدّاً وهائلة على مناطق إمارة أبوظبي، في الأيّام من الثاني إلى الحادي عشر من شهر أبريل عام 1957، وقد دفعت غزارة الأمطار الأهالي للاعتقاد أنّهم لم يسبق لهم أنّ رؤوا شيئاً من ذلك فيما مضى من الفترة نفسها.

وأعاقت السيول تحرّكات الشاحنات بين أبوظبي ودبي. وأصاب النّاس في أبوظبي، حينها، كرب شديد من هذه الأمطار الهائلة. كما وصل تأثيرها إلى منطقة العين ومنطقة ليوا، وجرت الوديان في منطقة العين لعدّة أيّام.

وآنذاك، تحدث مَن أتى إلى أبوظبي من بدو ليوا عن ازدهار عظيم في المراعي بعد هذه الأمطار، لدرجة أنّ الأغنام والماعز ظلّت ترعى حتى سمنتْ وعظمتْ رقابها بشكل كبير بات معه من الصعوبة ذبحها.

7.2 درجات

كان عام 1967 شديد الحرارة والرطوبة في الإمارات بين شهرَي مايو وسبتمبر، مع زيادة في شهرَي يوليو وأُغسطس تحديداً، وشهد هذا العام شتاء ماطراً بشدّة على مستوى المنطقة. بينما كان عام 1968 مشابهاً للعام السابق له في الحرارة والرطوبة، ولكن مع قلّة في الأمطار.

وقد بلغت درجة الحرارة في شهر يناير 1967، 7.2 درجات، وهي أدنى درجة حرارة تسجّل في منطقة الإمارات منذ عام 1951.. وتواصل الجفاف في الشهر التالي، ولم تهطل الأمطار إلا في يوم الخامس من الشهر، وبشكل زخّات، واستمرّ الوضع المناخي كذلك إلى نهاية شهر مارس.ثم تعرّضتْ البلاد لهطل الأمطار، وعواصف رعديّة من 15 إلى 31 من الشهر نفسه.