مرّتْ المنطقة التي تقع فيها دولة الإمارات العربية المتحدة، بتغيّرات مناخيّة هائلة، منذ العصور القديمة إلى العصر الحديث، ولكن هذه التّغيّرات لم توثّق في كتابٍ مستقلًّ.

وقد تراوحتْ هذه التغيّرات بين المناخ المطير، والمناخ الجافّ، وبين الطّقس الحار وبين الطقس البارد، وبالتالي فإنّ هذه الأوضاع المناخية المتغيّرة عبر العصور والأزمان تؤكد أنّ المنطقة لم تستقرّ على وضعٍ مناخيٍّ واحد عبر تاريخها الطويل. وأنّ ما يحدث هذه الأيام من تبدّلات مناخيّة، وهي لم تُعرَف سابقاً منذ أكثر من ثلاثين عاماً، جعلتْ بعض المتابعين يقولون بقرب تغيّر الأوضاع المناخية في المنطقة والعودة إلى حياة الاخضرار والمياه المتدفّقة.. والأنهار الجارية.

وربما تقوم الجهات المسؤولة باستشراف المستقبل المناخي إلا أن ذلك لا يتمّ دون العودة إلى التاريخ المناخي للمنطقة فهو كفيل بأنّ يمدّنا بمعلومات قيّمة حول هذه المسألة.. وعدم الاهتمام بالخلفيّة التاريخيّة لا يجعل الاستشراف المستقبلي صحيحاً أو دقيقاً بل إن ذلك إشارة إلى نوع من الإهمال.

ثغرات وسوابق

بلا شك فإن توثيق الأوضاع المناخية أمر مهم يقدم للمتابعين والمهتمين بالمناخ معلومات موثقة تغنيهم عن التخرصات والتكهنات.. ويسجل التأريخ البيئي لمنطقة الإمارات عبر عصورها المختلفة. كما يثبت للمتابعين أن ما يحدث الآن من تغيرات مناخية وبيئية قد سبقت لأمثالها الحدوث في المنطقة.

وينبّه الإدارات المسؤولة إلى خطورة التغيرات البيئية، وإلى أن طول أوقات الجفاف لا يعني الثبات والاستمرارية لِمثل هذه الأوضاع. وتلك المعلومات تلفت الأنظار إلى ما حصل من كوارث وفقْد وضحايا وخسائر، ثم تشرح كيف تمكّنت المنطقة من تجاوز كل هذه الأحداث البيئية.

ويعدّ ذلك من قبيل حفظ التراث البيئي للدولة عبر تقديم سجل متكامل لآلاف السنين، من خلال جمع المعلومات عن هذه الفترة الطّويلة من مصادر مختلفة ومتنوّعة. إضافة إلى جمع الألفاظ والتعابير والأمثال التي لها علاقة بالبيئة والتبدّلات المناخيّة في المنطقة.

ومن حُسن الحظّ أنّ الجهات المسؤولة عن الأرصاد تمتلك جملة مواد فيلميّة جيّدة، كما أنّ أرشيفات الصحف المحلّيّة ربما تضمّ أخباراً تتحدّث عن المناخ خلال الأربعين سنة الماضية.

وقد عاصر كثيرون من أبناء الدولة، عدداً من كبار السّنّ وغيرهم من الذين عايشوا واختبروا بدقة الأوضاع المناخيّة خلال الأربعين سنة الماضية، وهؤلاء ربّما يقدّمون معلومات قيّمة في هذا الميدان. ومَن رغب في تتبّع الأوضاع المناخيّة من خلال المصادر المختلفة، فعليه أن يلقي اهتماماً كبيراً للمخلفات والدلائل الآثارية التي تفيدنا في تتبع الأجواء المختلفة من خلال المواقع الآثاريّة، واللقى والمعثورات المتنوعة.

حقبة خصب

تعتبر حقبة العصر الحديدي من أوسع الفترات التاريخيّة التي مرّت على المنطقة نظراً للمناخ المطير ووفرة المياه. وفي هذه الحقبة المتميّزة اتّسعتْ الرقعة الزراعيّة انتشاراً هائلاً فظهرتْ مواقع القصيص وساروق الحديد وشمل وخت وكوش والثقيبة ورميلة وهيلي وأم الصفاة، كما شهدتْ تلك الحقبة استعمال نظام الأفلاج وشقّ قنوات الرّيّ، إضافة إلى حفر الآبار.

ويبدو أنّ حقبة الحديد خلَفتْ فترة من الجفاف والقحط أدّتْ في النّهاية إلى هجران القرى القديمة. وتشير العملات المكتشفة في موقعَي مليحة والدُّور إلى شيء من الأوضاع المناخيّة، حيث يدلّ تصوير أشجار النّخيل بعذوقها الممتلئة إلى فترة من الخصب والنّماء والجوّ المطير بينما تصوير سعف أشجار النّخيل دون غيرها، إلى حصول بعض من الجفاف وقلّة الأمطار.

إشارات وقصص

وقد أشارتْ العديد من آيات القرآن الكريم إلى تطوّرات الأوضاع المناخيّة في شبه الجزيرة العربيّة بصورة عامّة، مثل ما كانت تحياه قبيلتا عاد وثمود من خصب ورخاء ونماء وأمطار لدرجة جعلتْ منهما من بين أعظم الحضارات في شبه الجزيرة العربيّة، وهذا النّماء المناخي جعل من القبيلتين تشعران بتفرّدهما وعلوّ شأنهما وكأنّهما أعظم ما في الكون في زمانهما.

وقد أشار القرآن الكريم كذلك إلى الوضع المناخي في مصر في قصّة يوسف عليه السلام، وإلى السقي بالآبار في مدين حين زارها نبيّ الله موسى عليه السلام. وكان سدّ مأرب يمثّل قمّة التطوّر التقني في حفظ المياه نتيجة لوفرة الأمطار وانتشار الزراعة وكثرة القرى وتقاربها وعموم الخيرات، ويعتبر دماره قمّة في التخلّف والانهيار الحضاري، ثمّ ما تبع ذلك من تفرّق القبائل وانتشار القحط وقلّة الأمن وعموم الفقر.

كما تُقدِّم لنا الأحاديث الشّريفة إشارات إلى أوضاع بيئيّة معيّنة أو إلى أوضاع مناخيّة محدّدة. وفي السّيرة النّبويّة، ومن خلال تتبّع الحياة النّبويّة الشّريفة، نلاحظ عدداً من الأحداث التي لها علاقة بالبيئة والمناخ والقحط والجفاف والاستسقاء والأمطار والفيضان. وزخرتْ كتب التاريخ الإسلامي العام بأخبار للرياح والعواصف والأمطار والفيضانات والقحط والمجاعات عبر أزمان مختلفة ومتتابعة.

أعاصير وأهوال

ويؤكد تدوين المصادر التاريخيّة للأحوال المناخيّة مدى حرْص مؤلّفيها على تسجيل ما مرّ به النّاس من أحوال بصورة عامّة، وشعورهم بأنّ ذلك جزء من حياة المجتمع والجامعات والأفراد. وهذا يتطلّب تتبّعاً حوليّاً لهذه المصادر. إضافة إلى النّقوش والكتابات القديمة التي تضمّنتْ بعض الألفاظ التي لها علاقة بالمناخ.

وقد ساهمت الأشعار الجاهليّة والإسلاميّة والشعبيّة، في تثبيت ما عاصره الشعراء وما شاهدوه من أحوال جويّة مختلفة وأوضاع مناخيّة معيّنة عبر الأعصار والأزمان. ومن الجدير بالذِّكر أنّ اللغة العربية تزخر بالألفاظ والتراكيب والمصطلحات المتعلّقة بالمناخ والأمطار والوديان والأنهار.

ويجدر التنبيه هنا، أيضاً، إلى أنّ الذّاكرة الشّعبيّة، أو على الأقلّ مَن تبقّى من الرواة.. تدوّن وتسجّل ذِكرياتهم حول أحوال الطقس في الإمارات في العقود والعصور الماضية، حدوث أعاصير عاصفة ومدمّرة مشابهة لِما خلّفه إعصارَي جونو وفِيت، ولكن هذا لا يمنع من وجود مثل هذه الأعاصير المدمّرة في العصور السابقة، ولم تسجّلها الذّاكرة الشّعبيّة الحديثة. ويقدّم لنا المايدي بن ظاهر في أحد أشعاره تصويراً لأحد العواصف المدمّرة، إذ يقول:

«لفا الأرض ديمٍ لفّها آخر العشا لفا والي الوديان عجّل حدورها.. تسعين ألفٍ مِ المعيريض برهدوا مشروكةٍ ما بين مسلم أو قورها.. وإلى نخيل الحيل جتها مسايلٍ عواوينها قد غرّق الما جذورها.. وإلى كمّلت تسعين يومٍ على الوفا دنا القيظ منها هدّم الحمل زورها».

والمعيريض، بُليدة شرق مدينة رأس الخيمة، وهو يشير هنا إلى أنّ هذه العاصفة الهوجاء هلك فيها تسعون ألفاً من المسلمين، ومن الهندوس «من غير المسلمين» إذ يقال لهم (قورها)، وفي منطقة الحيل، إلى الجنوب الشرقيّ من رأس الخيمة، غمرتْ مياه السيول جذور النخيل العالية.

أمّا قوله اكتمال الــ«تسعين» فهو ربما يشير إلى قرب نهايات فصل الربيع أو ربما يشير إلى فترة فصل الصيف كما هو شائع عندنا: أشهر أبريل ومايو ويونيو، ثم يبدأ بعدها موسم القيظ، وكأنّه هنا فرّق بين فصل الصيف، ووقت نضوج الرطب، وهذا ما يسمّيه أجدادنا حين يرحلون لأماكن المقيظ: «بنروح بنقيّظ»، وهو حين تثقل عذوق الرطب (الحمل) فلا يتحمّلها السعف أو جريد النّخل ممّا يؤدّي إلى كسر جريد النخل (الزور)، دلالة على اكتمال نضوج البسر وتحوّله إلى رطب.

1947

وقع منخفض جويّ كبير في شهر محرّم من عام 1367هــ الموافق نوفمبر 1947م. وفي ليلة النّصف من شعبان من عام 1376هــ الموافق لـ16 من شهر مارس من عام 1957، أصابتْ موجة عظيمة بلدة رأس الخيمة فدمّرتْ نحو 500 بيت، وشرّدتْ 1500 شخص. وقد قدمت السلطات البريطانية مساعدات ماليّة وماديّة عاجلة تمّ توزيعها على المتضرّرين، من ملابس وبطّانيّات وأغذية، ثمّ تبع ذلك إمدادهم بمواد البناء، وذلك حسب ما تقول الوثائق البريطانيّة.

وطبعاً، أدّى إلى هذه الأضرار ما حدث من تآكل شديد على الأطراف الشماليّة من بلدة رأس الخيمة، وأطلق على الخور الذي انكسر في تلك البقعة مسمى خور «خلفان»، نسبة إلى خلفان بن عبدالله الرُّمَس، رحمه الله، وقد تدارك الأهاليَ المغفور له الشيخ صقر بن محمد القاسمي، حاكم الإمارة حينها، الذي أشرف بنفسه على نقلهم إلى أماكن آمنة من المدينة، ولا أستبعد أنّ ما حدث هو موجة من موجات «التسونامي» التي ضربت البلدة. وقد أشار إلى هذا الحدث العظيم الشيخ أحمد بن علي المنّاعي، رحمه الله، في قصيدة، يرد في بعض أبياتها:

خورين مدخالاً ومظهار

من راس الخيمة لين معيريض

تفسج عليهنّ موين اكبار

والدار قضضّها تقضيض

وكما أشار إلى هذا الحدث الجلَل، الشاعر راشد بن السمن، رحمه الله، في قصيدة، من أبياتها قوله:

يا اخواني صارت علينا ضياعة

الأطفال زاغت والنسا مرتاعة

كانّه علينا من قيام الساعة

من عقب ما كنّا بعصر ونماري

من عقب ما كنّا بعصر ويماله

خل القضا وخانت علينا الحالة

البيوت راحت وانعدم ميراها

في ليلة واسرى علينا الساري

في ليلة واجرت علينا مصيبة

يوم الخلايق يزجرون الثيبه

واكشارهم لايث على الحديبة

كلهم عرايا والله السّتّاري

طموة لفّتنا في تعب وانشابه

واللي سحب سدروه عاف إمّا بِه

وفي هذه الأيّام ظهرت مجموعة من الشباب المغرمين بأحوال الطقس وتتبّع تقلّباته وأحداثه، بل ومتابعة أوضاعه في كلّ مكان، ولهذا كثرت اللقطات وتعدّدت الصور وتنوّعت الأفلام، وفي كلّ حين نرى صورة من هنا، وصورة من هناك، ولقطة من هذه البقعة، ولقطة من تلك. ويتسابق الشباب لأخذ الصور من هذا القبيل حتى زخرت بها المواقع وميادين التواصل الاجتماعي بشتّى أشكالها. وطبعاً، فإن كلّ واحد يظنّ أنّ المنطقة التي نعيش فيها لم تشهد مثل هذه الأحوال في السابق.

ظروف ملائمة

أثبتتْ المسوحات الآثارية أنّ منطقة دولة الإمارات كانت مأهولة بشكل كثيف في العصر الحديدي، بفضل ظروف مناخية ملائمة والتنوّع البيئي « المواقع الساحلية ومناطق السهول الدّاخلية والواحات». واستطاع الناس التأقلم مع المعطيات البيئيّة المتوافّرة والاستفادة من المعطيات البيئية للمواقع الأخرى، عبر تبادل عناصر الإنتاج التي توفرها كل بيئة.

1866

أشار الفقيه حسين بن شوّال بن ثاني الحسيني (ت. 976هــ)، إلى حدوث عواصف هائلة، وأمطار غزيرة عمّت معظم أرجاء المنطقة التي تقع فيها دولة الإمارات، من الساحل وإلى الداخل، وهلك في هذه الحادثة آلاف من الناس وغرقت على إثرها سفن كثيرة، وذلك في أواخر شهر شعبان 970هــ الموافق لشهر مايو 1563م. ثم حدوث منخفض جويّ عميق في شهر رمضان 1282هــ الموافق لشهرَي يناير وفبراير 1866م.

ريح الشمال

يذكر الباحث خالد البدور، نقلاً عن الفاضل جمعة البواردي، أنّه في أكتوبر من عام 1946 جاءت ريح الشِّمال بهبوبٍ قويّ تهدّمتْ على أثره بيوت السعف، وبسببها، توفي عمّه جمعة بن بطي البواردي في منطقة زعبيل، إذ سقط عليه سقف الخيمة بينما كان يحتضن ابنه.

كما أنّ رواة كثيرين يعودون بذكرياتهم إلى الحادثة المعروفة بطبعة بن سلوم، حين ضربت ريح الشّمال ساحل دبي عام 1950 تاركة خلفها حطام 80 سفينة. ولطالما كانت هذه السواحل مسرحاً لهبوب الرياح العنيفة التي تتجدّد من فصل لآخر، ومن موسم إلى موسمٍ ثانٍ.