تشكل الأساطير وقصص التراث الشعبي، بأنماطها المتنوعة، جزءاً من ذاكرة وتاريخ الدول والتي أدرك الكثير منها طبيعة الخطر الذي يهدد ذاك المكون التراثي المنطوي على مفردات شتى من هوية المجتمع وأصالته، خاصة في ظل واقع التقدم التكنولوجي العصري والتغريب الثقافي الحادث.

وهو ما دعاها، وفي مقدمتها دولة الإمارات العربية المتحدة، إلى أن تحرص بمبدعيها ومؤسساتها الرسمية والمجتمعية الأخرى، على تلقف تلك المضامين وعكسها في قوالب إبداعية شتى، وعلى رأسها التشكيل.

إلا أن واقع الحال في الفترة الأخيرة، بات ينبئ بغياب مقلق لمفردة تراثية مهمة هي «الخروفة» عن اللوحة التشكيلية في الإمارات، حيث أصبحت بعيدة عن توجهات المبدعين عقب أن أخذت كفة الميزان تميل لصالح التغريب واللجوء إلى موضوعات عصرية لا تمت بصلة لمضمون تراثنا.. فما سبب هذا الغياب عن مخيلة الفنان التشكيلي الإماراتي، وماذا عن طبيعة تأثيراته حالياً..؟

وذلك خاصة بعد أن كان لافتاً وبارزاً حرص العديد من فنانينا على توثيق عناصر تراثهم وبيئتاهم، في البر والبحر والجبال، في أعمالهم ومنها :"الخروفة". «مسارات» تسبر أغوار هذه الإشكالية الإبداعية والثقافية المجتمعية العامة، من خلال بحث جوانبها وتقليب أوجهها وبحث أسبابها مع مجموعة من التشكيليين الإماراتيين، من مختلف الأجيال.

إذ أكد كثير منهم أنها لم تكن غائبة عنهم، وهؤلاء مثل: عبدالرحيم سالم وسلمى المري.. اللذان تناولا الموضوع ببحث تاريخي وعمق وجداني. والشيّق أن مبدعين عديدين بالصدد، فوجئوا بطرح الفكرة من قبل «البيان»، موضحين أنها كانت غائبة عنهم.. وأن طرحها يشكل حافزاً مستقبلياً لتناولها.

مهيرة عشقي

تعد تجربة التشكيلي عبدالرحيم سالم، رائدة ومتفردة في ساحة الفن المحلية، على صعيد «الخرّوفة الإماراتية»، إذ إنها ذات خصوصية وجماليات كثيرة. ويحكي عنها: «بعد تخرجي وعودتي إلى بلدي، تملكني فضول حول عوالم الغيبيات وما يرتبط بها، وبدأت بقراءة الكثير عنها، وأخافَ تعمقي والدتي فسردت عليّ وجدتي قصة العبدة «مهيرة» في زمن الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، والتي كانت تعمل وتعيش في كنف أسرة ثرية. وكانوا يرسلونها إلى السوق لشراء حوائجهم.

وهناك خطب رجل ودها فصدته فكانت تصده على الدوام، ما دفعه إلى الانتقام منها، حيث عمل لها عملاً وسحرها حتى أصبحت مجنونة. ويردف سالم بصوت أكثر عمقاً وشجناً: هذه القصة استحوذت على تفكيري كفنان وآلمتني الحالة، لتدور في ذهني العديد من التساؤلات عنها: هل يمكن للمحب أن يتسبب بأذية من يحبه؟ وحاولت من خلال لوحاتي الدفاع عنها، بصورة مباشرة بداية.. وغير مباشرة لاحقاً.

وهيمنت حالة مهيرة على عوالمي وسكنت وجداني. وصورتها بالمراحل الأولى بأسلوب واقعي تعبيري لتتحول مع مرور الزمن إلى الرمزية في أعمالي، فتبدو تارة كهلال أو تظهر في ديناميكية الألوان الهاربة من طيفها. وفي المرحلة المتقدمة باتت مهيرة تتقدمني إنسانياً، فهي رمز محوري في حياتي، لتأخذني عوالمها الملهمة إلى الفن المستقبلي المعتمد على الإحساس الحركي والديناميكية بين زمنين.

تقول التشكيلية نجاة مكي التي تعد من الرواد المؤسسين للساحة الفنية في الإمارات، والتي تناولت في أطروحتها للدكتوراه، العملات المعدنية في الوطن العربي: لم تكن حكاياتنا الشعبية بعيدة عن مخيلتي كفنانة. ربما لم أرسمها في لوحاتي لكنني استلهمت منها ومن الأساطير القديمة التي حملت العملات المعدنية بعضاً من أشهر شخوصها، والتي كانت تجسد الكثير من الفضائل كما لدى الإغريق والرومان.

وحينما اكتشفوا في المليحة عملة نقدية تحمل صورة الإسكندر الأكبر، رأيت في مخيلتي الملكة «مليحة» الجميلة التي رسمتها في لوحة، كما استلهمت من اكتشافات منطقة «أم النار» امرأة أسطورية نسج خيالي ملامحها. ومثل هذه الأعمال محملة برموز فنية.

حديث الهدهد

تعد تجربة التشكيلية سلمى المري التي تعتبر من الرواد الأوائل أيــــضاً، مختلفة في الشان، حيث شكلت عوالم «الخـــرّوفة المحلية» والأسطورة، جزءاً من الأجواء الملحمية للوحاتها في السنوات الأخيرة التي تجـــمع فيها بين البيئة والمكان والتاريخ والرمزية، والتي تناولتها بعمق ودراسة وبحث.

وتصف سلمى تجربتها في هذا المجال قائلة: «الخرّوفة أو الأسطورة موجودة في أعمالي بشكل عام، ودمجتها بنسيج واحد مع تاريخ الإمارات والآثار والتراث والعمارة فيه، ابتداءً من العصر الحجري وحتى زمن اتحاد الإمارات وما بعده، برؤية ملحمية شاملة.

واستخدمت على صعيد المضمون العديد من العناصر، كالآثار والعملات التي عثر عليها، مثل الدراخما من زمن حضارة الإغريق، والتي وصلت إلينا مع فتوحات الإسكندر».

فتاة عاشقة

وتحكي سلمى المري عن أسلوب معالجتها لمثل هذه الموضوعات قائلة: «اخترت تناول تلك المحاور والرموز بأسلوب غير تقليدي مثل «أم الدويس» التي تعددت الروايات حولها لأختار موضوعي من القصة التي روتها لي سيدة مسنة حول فتاة عاشقة لفتى من غير قبيلتها، ما دفعهم إلى قتله، فبدأت بالانتقام منهم.

وجمعت في لوحتي بينها كفتاة بكامل زينتها وبين مفردات أثرية مما تم اكتشافه، سواء في أم القيوين أو القصيص، على خلفية المباني القديمة ضمن نسيج متكامل فيه تكــــوين الختم بنوعيه الغائر والبارز، ليعطي إحســـاساً بالتاريخ الأثري الأيقونة». وتستطرد: كذلك تناولت شخصية ملكة تدمر زنوبيا التي تنوعت قصص التراث حول إقامتها خلال فصل الشتاء في قصر يقع أعلى جبل حجيل في شمال رأس الخيمة.

وزنوبيا في لوحتي بتسريحة إماراتية قديمة وصولجان يحمل نقوشاً وأبواباً تقليدية مزينة بالذهب. وهناك أيضاً، شخصية الحكواتي الأسطورية من عهد الأجداد في لوحتي الجدارية «حديث الهدهد» التي عالجتها برمزية أيضاً، فللراوي رأس الثور الذي يمثل العزيمة والقوة والحماية واستشراف المستقبل من خلال «إكسبو 2020». ولا بد من الإشارة في النهاية إلى أن الفنان حر في اختيار موضوعاته التي يمليها عليه إلهامه.

اهتمام بالعمارة

وتمثلت ردة الفعل الأولى للتشكيلي الشاب فريد الريّس المتمرس في رسم التراث المعماري لدى طرحنا الفكرة بقوله: صراحة، لم يخطر في بالي موضوع رسم الخرّوفة، لأن اهتماماتي بالمجمل تمحورت حول التراث المحيط بي.

وبعد سنوات أدركت الغياب التدريجي لعمارتنا القديمة، ما ولّد في داخلي حافزاً إضافياً لتوثيقها في لوحاتي. ويسترجع فريد الريس عوالم الخرّوفة الباقية في ذاكرته: «أبرز الشخصيات التي تركت أثرها في نفسي هي «أم الدويس» و»الغول» و»الياثوم» الذي يجثم على صدر النائم ويمنعه من التنفس أو الحركة.

وكنا في طفولتنا نخاف منها، خاصة أم الدويس التي تأتي من البحر لتخـــطفنا. أما إن طُلب مني رسم إحدى تلك الشخصيات، فعليّ في البداية القيام ببحث معمق فيها قبل اختيار إحداها. أما إن كان اختيار أحدها بشكل عفــوي، فبالتأكيد ستكون «أم الدويس».

فاطمة والحروفيات

وتقول الفنانة فاطمة الحمادي التي تميزت بفن الحروفيات المعني بالجمع بين الحرف العربي والتشكيل: لم يتبادر إلى ذهني مثل هذا الطرح. وأعتقد أن رسم القصص الشعبية مرتبط بفن القصص المصورة وأغلفة الكتب، وهو أقرب إلى الرسومات المتحركة. ولدينا العديد من الفنانين المعنيين بهذا المجال. وبحكم عملي كموجهة في الفنون البصرية، فإن هذا المــــجال أقرب إلى فن رسم القصص وكتابتها.

حمار القايلة

يبدأ التشكيلي إبراهيم العوضي، الذي يتناول في معظم لوحاته بيئة الإمارات، حديثه: الخرّوفة جزء من التراث القديم سواء على مستوى الإمارات أو منطقة الخليج. وكانت قصصها وسيلة تسلية للأطفال، خاصة بعد الغروب وقبل النوم، حيث كانت الأمهات يروين للأبناء العديد منها.

وأبرز الشخصيات التي كن يستخدمنها كوسيلة لتخويف الأطفال وردعهم عن عصيان أوامرهن.. وبالتالي تهدئتهم: «أم الدويس» و»حمار القايلة» الذي يأتي لخطف الأولاد الذين يخرجون من بيوتهم فترة القيلولة.

وينتقل العوضي إلى غياب الربط بين التشكيل والخرّوفة: من الجميل مثل هذه المبادرة من قبل «البيان» لهذه الفكرة، إذ تلفت الانتباه إلى محور مهم في تراثنا. وأنا إن طلب مني رسم لوحة ما من أجوائها فسأرسم ملامح الأطفال المسحورين بأجواء الحكاية، وبعدها أرسم «أم الدويس» التي كان جدي وعمتي يقولان لي إنها حقيقية بين الأنس والجن، وكانت امرأة طويلة لها عيون القطة وتفوح منها رائحة عطر تغوي الرجال. وأرسم بعدها «حمار القايلة».

الأسطورة

تتصف الأسطورة بعمقها الفلسفي الذي يميزها عن الحكاية الشعبية. وكانت الأسطورة سابقاً جزءاً من معرفة الإنسان العادي وذاكرته. وأغلب شخوص الأساطير من الاعتقاد بالآلهة أو أنصاف الآلهة أو الخلط بينها وبين الإنسان.

وتنوعت مواضيع الأساطير الفلسفية بين تبرير ظواهر الطبيعة، أو مفهوم العدالة والحكمة وغيرها. وتم تداول تلك الأساطير في مختلف بلدان العالم، ولكن أخذت كل منها صبغتها المحلية بزيادة أو نقصان.

«بديحة.. بديحو» تشويق يومي

تصف موزة راشد بن سيفان، المتخصصة بالتراث المحكي لـ «البيان»، مكانة «الخراريف» في الماضي: «كان الجميع، والكبار قبل الصغار، يتوجهون بعد المغرب إلى الجدة كبيرة السن في الفريج ليستمعوا إلى حكاياتها حتى الساعة التاسعة والنصف ليلاً. ولم تكن تنهي القصة في اليوم نفسه كي تبقي عنصر التشويق إلى يوم آخر.

وتروي لنا حكاية بديحة قائلة: «كان يا ما كان في قديم الزمان بنت صغيرة يتيمة وجميلة جداً. وبلغ حب والدها الصياد لها، حد أن رفض الزواج كي لا تظلمها زوجة الأب وتعذبها. وكانت جارتهم تتودد إليها وتغمرها بعاطفة الأمومة، كي تقنع والدها بالزواج بها.

وأصر الوالد على الرفض، وقال إن ابنته ما زالت صغيرة ولن يفكر بالزواج إلا عندما تكبر ويصبح بمقدورها أن تتناول غرضاً ما تركه على الرف العلوي. وتمضي الأيام والأشهر والجارة لا تكل ولا تمل، ما دفع الفتاة إلى وضع قطع خشبية والوقوف فوقها حتى تستطيع تناول الأشياء من على الرف.

وتتابع موزة: حينما عاد أبوها من الصيد، أخبرته أنها كبرت بما فيه الكفاية وناولته غرضه، فوافق على الزواج بجارتهم. وسرعان ما تكشف سواد قلبها خاصة بعد إنجابها ابنة، لتتحول اليتيمة إلى خادمة تنام في التنور المليء بالرماد، ولا تأكل إلا بقايا طعامهم. وفي أحد الأيام عاد الأب ومعه ستة سمكات، فطلبت منها زوجة الأب الذهاب إلى البحر لتنظيفها.

وعندما وصلت إلى الشاطئ أخذت تتحرك السمكة «بديحة» التي لا تزال على قيد الحياة، وترجو منها إعادتها إلى البحر لكن خوف الابنة من زوجة أبيها كان أكبر، وبلحظة خاطفة قفزت السمكة مستعيدة حريتها ووعدتها بأن تغنيها وتلبي أمانيها.

وحينما عادت بخمس سمكات حرمتها الزوجة من تناول وجبتي الغداء والعشاء. وجافاها النوم من الجوع، فتوجهت إلى البحر ونادت «بديحة بديحو» لتشكوها همها. فطلبت منها الأخيرة إغماض عينيها لتفتحهما بعدها على مشهد أطعمة شهية».

وتستطرد موزة في سرد الحكاية: «بعد أشهر عادت الفتاة إليها باكية لتركها في البيت، حيث يذهب الجميع إلى عرس الأمير (وتتطابق هنا تفاصيل الحكاية مع سندريلا حين بحث الأمير عنها). ولكنه حينما يعثر عليها تقام الأفراح، لكن كيد زوجة الأب وغيرتها يدفعانها إلى إطعام الابنة كل يوم سمكاً مالحاً وبصلاً، وبات بطنها يكبر كل يوم.

وقبل ليلة العرس سارت الابنة إلى «بديحة» تشكو لها مصابها. ونفذت طلبها بالعودة صباح اليوم التالي، وبعدما أدخلتها البحر نظفت بطنها واستبدلت الانتفاخ بصرة من الجنيهات والذهب وطلبت منها ألا تغادر غرفتها ليلة زواجها. ونفذت العروس التعليمات ليصحو الأمير في الصباح ويجد حوله ثروة من المال.

وشاع بين الناس غنى ابنة الصياد فطلبت إحدى العائلات يد ابنته الثانية. ولم تتردد أمها في إطعامها السمك المالح والبصل معتقدة أنهما السبب فيما أصاب ابنة زوجها من حظ وافر. وأوصتها ألا تغادر غرفتها ليلة زواجها، ففاحت منها أكره الروائح وأفسدها، ما دفع العريس إلى إعادتها إلى بيت عائلتها. وهكذا رد كيد زوجة الأب إلى نحرها».

موروث ثقافي

«الأسطورة موروث ثقافي عالمي وإن تغيرت مسمياتها من بلد إلى آخر مع اكتسابها الصبغة المحلية». هكذا تعرف سلمى المري بنية ومضمون الأسطورة. إذ تضيف: ومن نماذجها المحلية قصة «بديحة بديحو»: سندريلا الإمارات الشعبية، وشخصية أم الدويس التي تشبه إلى حد كبير قصة النداهة في مصر و«لا ليورنا» في التراث المكسيكي الإسباني.. وغيرها من القصص في تراث الحضارات القديمة، كالفراعنة والهنود الحمر.

الحكاية الشعبية

تتناول الحكاية الشعبية أخلاق المجتمع وقضاياه بشكل رئيسي، ويتسم أبطالها بالأخلاق الحميدة والبطولات الخارقة التي تنبع غالباً، إما من الذكاء وسرعة البديهة أو من الخصال الحميدة كالشجاعة والتضحية وحب الوطن وغيرها، كذلك الفوارق الاجتماعية والعرقية والعلاقات الأسرية ومكانة الأم والأب ودور الجدة والجد في تنشئة الأحفاد. وتعتمد تلك الحكايات على روح المغامرة وعنصر التشويق والغموض، وبالتالي تحفز الخيال وتشحذ الذهن لاستقراء الحلول.

نادي «الخراريف»

شهدت جامعة زايد في أبوظبي عام 2013 مبادرة فنية إبداعية في إطار الخروفة الإماراتية وعوالمها، والتي تجلّت في تأسيس الطالبات لنادي «الخراريف» الذي سرعان ما تطور إلى مشروع كبير حتى عام 2016، فتمخض عن كتاب للأطفال جمع بين الحكاية والرسومات، متضمناً 48 حكاية، استلهمت 24 شخصية منها من الشخصيات الشهيرة في الحكايات الشعبية المحلية.

وسبق طباعة الكتاب باللغتين العربية والإنجليزية إقامة معرض لهذه الحكايات المكتوبة في شكل لوحات وزعت على طول كورنيش أبوظبي، ومن ثم بعدها في متنزه خليفة بأبوظبي، حيث ضم 50 حكاية، وذلك ضمن فعاليات مهرجان أبوظبي 2014.

وتكمن خصوصية تجربة هذا النادي في استلهام الطالبات قصصهن من وحي الحكايات الشعبية وشخصياتها برؤية معاصرة، ورسومات مصاحبة أبدعتها طالبات في كلية الفنون والصناعات الإبداعية.

لكن، وللأسف، لم يُكتب النجاح في الاستمرار، لهذه التجربة الإبداعية الناجحة التي انطلقت بداية كمشروع عملي لفريق من طالبات السنة الأولى بجامعة زايد، ولتتحول سريعاً إلى نادٍ ضم طالبات من مختلف الكليات والتخصصات والصفوف الدراسية.

هدف

فكرة شيّقة

تحكي التشكيلية فاطمة لوتاه التي تعد من أوائل رواد الفن الإماراتي، عن غياب «الخرّوفة الإماراتية» في لوحاتها: «لم يخطر على بالي هذا المحور من قبل ولا أعرف لماذا. فجلّ تركيزي في مسيرتي الفنية ودراساتي المختلفة، يتمحور حول المرأة، وبحثي في هذا المجال يربط بين الماضي والحاضر».

وتضيف بعد لحظة صمت: «ربما لأن حياتنا كلها خرّوفة سواءً كانت معتمة أو مضيئة، سيما في الزمن الحالي. أما المرأة في لوحاتي فمرتبطة بحكايات من وحي التراث والتاريخ، وترمز إلى الجمال والقوة والحضور المؤثر.

ومثال على ذلك لوحات معرضي «نساء بعطر العود» الذي أقمته بدبي عام 2014، والذي يعكس إرث وتاريخ وهوية بلدنا فيما يخص عالم النساء وخصوصية تفاصيله بين الخارج.. كاللون والأزياء والداخل الوجداني بالتكوين.

إذ صورت النساء في لوحاتي بأجواء قريبة من «أم الدويس» الشهيرة في قصصنا الشعبية، وهي الجنية التي كانت تغوي الرجال بعطرها. وطرح الخرّوفة في اللوحة، فكرة شيّقة سأعمل عليها مستقبلاً من خلال كتب قصص الأطفال، بهدف تعريفهم بماضيهم وتراثهم».

واقع

مخزون ناضب

يقول النحات والتشكيلي الدكتور محمد يوسف الذي يعد من جيل الرواد الأوائل حول هذا الغياب: «الخروفة مرتبطة بالإنسان.. وعليه، فقصصها معنية بالعبر والقيم والأخلاق، وتروى للتخويف أو الترغيب أو الترهيب أو التحفيز للخير والجد والعمل والوفاء.. وغيرها من الصفات الحميدة.

أما أسباب غيابها، فتتمثل في رحيل رواتها من جهة، وتأثير التكنولوجيا من جهة أخرى. والأجيال التي تعاقبت بعد السبعينيات من القرن الماضي، لا مكان لإرثها في ذاكرتها. فتلك القصص كانت تحكى قبل النوم في بيوت بسيطة لا وسائل تسلية فيها، قبل النوم، سواها.

ويتابع: أما سبب غيابها عن أعمالي التشكيلية والنحتية، فراجع لكوني أعتمد في أعمالي الفن التجريدي، لذا لا يمكنني ترجمة حضورها، خاصة وأن المتلقي يتطلب شرحاً وبالتالي يصبح العمل مباشراً، وهذا ما لا أميل إليه.

ومن يهتم بالخرّوفة حالياً قلّة ومعظمهم من الباحثين المعنيين بالتراث. وكانت لي مبادرة في هذا المجال، إنما على صعيد الكلمة، حيث كتبت مسلسلاً بعنوان "أم الدويس" لإذاعة أبوظبي، وتناولت في كل حلقة منه إحدى الحكايات.