في دولةٍ أدركت قيمة القراءة، وسَعَت جاهدة لتعزيز حضور الكتاب عن طريق أضخم وأهم المشروعات الثقافية، نشهد يوماً بعد يوم ظهور أجيال قارئة، تتشبث بالكتاب وتدرك قيمة الكلمة المقروءة.
ومن خلال مشروع «تحدي القراءة العربي» الذي يندرج ضمن مبادرات محمد بن راشد آل مكتوم العالمية، نجد أنفسنا أمام مستقبل واعد، أبطاله نوابغ صغار وضعوا الكتاب على قائمة أولوياتهم، وسلطوا أنظارهم نحو المستقبل، مدركين - منذ نعومة أظفارهم - مسؤولياتهم تجاه المجتمع والوطن، ورافعين شعار البناء والتنمية والتطوير، في سعيٍ جاد لرد الجميل لوطن وضعهم على أبواب استشراف المستقبل.
وها هو تحدي القراءة العربي في دورته الثانية يخطو خطوات كبيرة تجاوزت التوقعات، إذ وصل عدد المشاركين فيها إلى أكثر من 7 ملايين و400 ألف مشارك مقابل 3.5 ملايين مشارك في الدورة الأولى، إضافة إلى الإقبال المتميز من دولة الإمارات العربية المتحدة، حيث بلغ عدد المشاركين والمشاركات للعام الحالي نحو 318 ألف مشارك ومشاركة من 983 مدرسة، اثنتان منها خاصة بأصحاب الهمم، فيما بلغ عددهم العام الماضي نحو 160 ألف مشارك ومشاركة وهو ما يشير إلى الوعي الكبير بأهمية هذا المشروع التنويري الرائد، والذي يحتفى بأبطاله من الدول العربية بعد التصفيات النهائية لهذا العام، في حفل بدبي في شهر أكتوبر المقبل.
«البيان» تواصلت مع أعضاء اللجنة العليا لـ«تحدي القراءة العربي»، والقائمين على التعليم في الدولة، حيث عبروا عن تفاؤلهم بمستقبل دولةٍ غرست وزرعت بذرة القراءة في نفوس النشء، لتحصد جيلاً واعداً يعيد رسم المشهد الثقافي والإبداعي من جديد بأسلوب مبتكر ومتطور، وقادراً على استشراف المستقبل بخطى ثابتة، واضعاً الإمارات في مكانة مرموقة على مختلف المستويات والأصعدة.
نتاجات إيجابية
أكد معالي حسين الحمادي وزير التربية والتعليم، أن مشروع تحدي القراءة العربي الذي وجه به صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، اكتسب بعداً تعليمياً جديداً عبر تحقيقه نجاحات متتالية ولافتة، تمثلت في الانتشار والامتداد السريع للمبادرة في المدارس على امتداد الوطن العربي، بجانب تنامي الإقبال على المشاركة فيها رغم حداثتها، وقال: إن هذا المشروع الضخم، الذي يسعى إلى تأصيل القراءة كعادة يومية في حياة أجيال الشباب في الدولة خاصة وفي العالم العربي عامة، أفرز نتاجات إيجابية بدأت تتشكل ملامحها ونلحظ أهميتها في اهتمام الطلبة على مختلف مستوياتهم الدراسية في تدوين أسمائهم في صفحات القراء المتميزين والمواظبين على هذه العادة الحميدة، ما ينعكس بالتالي على قدراتهم التعليمية ومعارفهم، إذ تعد القراءة مدخلاً أساسياً للتعلم والتزود بالمعارف وتنوير العقول وتهذيب الأخلاق.
مكانة مرموقة
وأوضح معالي حسين الحمادي أن القراءة من شأنها وضع الدولة في مكانة مرموقة ومستحقة على المستوى الثقافي الدولي والعالمي، إذ إن إقبال الشباب على القراءة والمطالعة يسهم في زيادة الإنتاجات الأدبية والعلمية في مختلف الحقول، وتخريج أجيال من الكتاب والأدباء الذين يعدون إضافة حقيقية لقدرات الوطن ومكتسباته، وإرساء منصة لجيل من الشباب النوابغ والعلماء الذين سيقودون مستقبل وطنهم ويحافظون على إنجازاته.
واعتبر معاليه، أن مبادرة تحدي القراءة العربي تنبثق من رؤية استشرافية لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، وتعكس حرصه على نشر العلم والمفاهيم التربوية الراقية بين صفوف الشباب والطلبة، ليس على صعيد الدولة فحسب، بل على مستوى الشباب العرب، علاوة على تكريس أفضل الممارسات والمبادرات التعليمية التفاعلية التي تثري مخزونهم المعرفي ومحصلتهم اللغوية حتى يظل الشباب العرب في الطليعة.
وأشار الحمادي إلى أن المبادرة ترمي إلى غرس ثقافة القراءة بين الطلبة، وجعلها محط اهتمامهم اليومي، مؤكداً أنها تعد مفتاحاً للعلم، ووسيلة مثلى للإبحار في عوالم فكرية وتعليمية وبحثية وابتكارية مختلفة تنمي فكر وإبداع وقدرات الطلبة، وتغرس فيهم القدرة على النقد البناء، وهذا بمجمله ينعكس في المحصلة النهائية على وعي وإدراك الطالب، ويسهم في تحفيزه على التعلم المستمر، بحيث يصبح يمتلك مفردات العصر.
أول خطوة
ومن جهتها، أشارت معالي جميلة بنت سالم مصبح المهيري وزير دولة لشؤون التعليم العام، إلى أن القراءة أضحت انعكاساً حقيقياً لمدى تقدم ورقي وتطور الشعوب، وقالت: الأمم التي تقرأ هي التي تملك زمام تقدمها، ولديها رؤية واضحة المعالم عن المستقبل، فالقراءة أول خطوة نخطوها للكشف عما يشغل تفكيرنا ويشبع ميولنا العلمية والفكرية والثقافية، ويعزز حضور الفرد في مدرسته أو مكان عمله أو على صعيد مجتمعه.
مؤشر مهم
واعتبرت معالي جميلة المهيري، أن أهمية القراءة للعقل توازي أهمية الرياضة للجسم، إذ تسهم في تحفيز الذاكرة والعقل، وزيادة المعرفة والحصيلة اللغوية والقدرة على الكتابة، بجانب امتلاك الفرد محصلة لغوية وقدرة كبيرة على التعبير والكتابة، إضافة إلى زيادة مهارات التحليل والتفكير والتركيز، وانعكاسات أخرى إيجابية على الفرد القارئ، إذ تتسم شخصيته بالهدوء والسكينة وتقليل التوتر، وهي بمجملها مهارات يكتسبها الفرد الذي يقرأ بصفة مستمرة، وهي ذاتها التي يركز عليها التعليم ومهارات القرن 21 التي يتم تقييمها في الاختبارات الدولية.
ولفتت إلى مؤشر مهم ينبثق عن القراءة، إذ إن مستوى المهارات القرائية في نهاية الصف الثالث يعد من أهم العوامل التي تساعد على التنبؤ بمدى نجاح الطلبة في مراحل دراسية متقدمة كالثانوية العامة، وأيضاً نجاحهم على صعيد الحياة المستقبلية.
وأفادت بأن الدراسات الحديثة أظهرت أهمية اهتمام أولياء الأمور بالمواظبة على القراءة لأطفالهم في سنواتهم الأولى، إذ يسهم ذلك في بناء علاقات أعمق مما يؤثر في ميولهم العقلية واللغوية والاجتماعية بشكل أكثر إيجابية، وقالت: إن صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، أوجد حراكاً تنويرياً كبيراً على مستوى الشباب العرب في مجال القراءة، بإعلانه عن هذا المشروع العالمي الضخم الذي يستهدف الشباب العرب أينما وجدوا، وهو بدوره ما تمخض عن حالة فكرية إثرائية جديدة أخذت تتشكل ملامحها في عالمنا العربي، تتصف بالديمومة.
وأضافت معاليها، إن المؤشرات التي تمخضت عن المبادرة تؤكد مدى رسوخ أهدافها وقدرتها على إحداث الفارق في حياة طلبتنا، الذين أظهروا جدية ورغبة وشغفاً في القراءة، عبر تحقيق شروط مبادرة تحدي القراءة العربي، فضلاً عن حرص أولياء الأمور والمجتمع المدرسي بصفة عامة على حث الطلبة على القراءة، والتشجيع على اقتناء الكتاب، وهي جميعها دلائل تبشر بجيل قارئ مسؤول يمتلك شخصية مسؤولة ومتزنة.
مصدر إلهام
وقالت عفراء الصابري، وكيل وزارة الثقافة وتنمية المعرفة: هذه المبادرة التي أطلقها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، كانت ملهماً لنا في وزارة الثقافة وتنمية المعرفة بتوجيهات معالي الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان، وزير الثقافة وتنمية المعرفة، في إطلاق برامج مخصصة للقراءة، تعمل بشكل متناغم مع مبادرة تحدي القراءة، وذلك عبر تأسيس نادي الإمارات للقراءة الذي ينظم مجموعة مبادرات قرائية وثقافية في أنحاء الدولة، تسهم في تحفيز أفراد المجتمع على تطوير السلوك المعرفي عبر القراءة والمشاركة في التحدي، كما أن الدورة الأولى من «صيف ثقافي 2017» خصصت محوراً للقراءة، وأطلقت الوزارة «جائزة القراءة» وفعاليات القراءة للمجتمع، وعدة فعاليات محفزة على القراءة.
وذكرت عفراء الصابري أن هذا التحدي يعتبر مفخرة الصناعات الثقافية والإبداعية العربية بل العالمية، وقالت: هو أكبر مشروع عربي لتشجيع القراءة لدى الطلاب في العالم العربي، وأداة تحفيز لبناء واستشراف مستقبل تنمية المعرفة واستدامة الثقافة إماراتياً وعربياً، عبر التزام أكثر من مليون طالب بالمشاركة بقراءة خمسين مليون كتاب خلال كل عام دراسي، ما يعني أننا في فترة عقد من الزمن سنكون قادرين على الاعتزاز بقراءة طلابنا وشبابنا لأكثر من 500 مليون كتاب، بما يفترضه ذلك من آليات التنمية الثقافية والاستدامة المعرفية، فالكتاب هو مصدر الوعي وآلة تهذيب النفس، وأداة تطويع الروح والعقل والذاكرة، به يمكن للإنسان استكشاف آفاق المستقبل، والاستفادة من دروس الماضي، وبه وحده يكون الاطلاع على ثمرات الإبداع الإنساني والاقتراب الأوثق من التفوق الأكاديمي والعلمي والتميّز الإبداعي.
انعكاسات إيجابية
وعن انعكاسات المشروع الإيجابية على تطور الدولة الثقافي والإبداعي والعلمي مستقبلاً، قالت عفراء الصابري: إنّ المُخرَج الأول لتحدي القراءة العربي هو جيل يقرأ ويؤسس مستقبله على المعرفة والعلم، وبذلك يصبح قادراً على الإنتاج المعرفي والثقافي المبدع، ويمكن أن نقول بكل ثقة، إن القراءة هي الخطوة الأولى في الإبداع، وإثراء المشهد الثقافي وتطويره سيكون أوسع تأثيراً وأعمق أثراً بوجود جيل قارئ، وهو ما يضمنه لنا تحدي القراءة.
نجلاء الشامسي: التصفيات النهائية ميادين تنافس أبطال القراءة
قالت نجلاء الشامسي، الأمين العام لـ«تحدي القراءة العربي»: شهد تحدي القراءة العربي، منافسة شديدة وازدياداً لافتاً في عدد المشاركين من مختلف الدول العربية في دورته الثانية، وهذا المؤشر يضعنا أمام مسؤولية أكبر، لا سيما وأن الوعي بأهمية المشروع والتجاوب معه تجاوز الحدود ووصل للوطن العربي كله.
وأشارت الشامسي إلى أنه «سيجري الاحتفال بالأبطال العشرة في القراءة على مستوى دولة الإمارات العربية المتحدة خلال شهر سبتمبر الجاري بعد احتفال جميع الدول بأبطالها الذين تميزوا في التحدي، قبل تصفية المشاركين الذين وصلوا إلى المراحل النهائية على مستوى جميع الدول العربية المشاركة، والاحتفال بهم في شهر أكتوبر المقبل في حفل يقام لهذه الغاية في دبي».
إضافة نوعية
وتابعت نجلاء الشامسي: حرص أولياء الأمور على أن يجيب أبناؤهم عن أسئلة لجان التحكيم بشكل جيد، وأن يتميزوا في التعبير عما قرؤوا من كتب في ملخصاتهم، والمساهمة في إجراء المراجعات للكتب مع أبنائهم في المنزل يشكل دليلاً واضحاً على أن المشروع ترك أثراً كبيراً في دورته الأولى، وهو ما انعكس على دورته الثانية. ولفتت إلى أن مشروع تحدي القراءة العربي يعد إضافة نوعية للجهود المرموقة لدولة الإمارات على صعيد خدمة محيطها العربي، حيث يهدف إلى تشجيع القراءة بشكل مستدام ومنتظم عبر نظام متكامل من المتابعة للطلبة طيلة العام، بالإضافة إلى مجموعة كبيرة من الحوافز المالية والتشجيعية للمدارس والطلبة والمشرفين المشاركين.





