حجّاج دولة الإمارات العربيّة المتحدة "3-5"

قوافل الإيمان حين تحدت صعوبات الطريق

صورة

اختلفتْ طرق الحجّ من منطقة الإمارات إلى الحجاز، فَمِن الحجيج مَن يتوجّه بحراً إلى البصرة، ومن ثَمّ ينضمّون إلى قافلة الحجيج العراقيين المتجّهة إلى الحجاز عبر طريق الحجّ العراقي.

وفي أواخر عهد الشّيخ زايد بن خليفة، حاكم أبوظبي (1855-1909)، توجّهتْ مجموعة مكوّنة من حوالي 1512 فرداً من أبوظبي بالمراكب إلى حيفا، ومن هناك إلى بيت المقدس، ومنها إلى مكّة.

وهذه في حقيقة الأمر ما تتداوله الذّاكرة الشّعبيّة ولا يوجد دليل يؤكّدها أو ينفيها.

ولا يُعلم كيف وصلتْ هذه المراكب إلى حيفا.. وإذا كانت الرِّحلة عبر البحر الأحمر فقناة السّويس، كان من الأولى النّزول في مرسى جدّة، إلا إذا كان المقصود زيارة بيت المقدس كوجهة لهذا الرّكب، ومنها ينطلق أفراده إلى الدّيار المقدّسة.

كانت الرحلة البرّيّة تتمّ على ظهور الإبل، في رحلة تستغرق حوالي 6 شهور ذهاباً وعودة، وكان بعض مقاولي الحجّ يحملون أعداداً هائلة من الحجّات.

وكانت قوافل الحجّاج ربما تضمّ قرابة 15 جملاً إضافة إلى إبل لنقل المعيشة والطعام والماء والأغطية ولوازم السّفر الأخرى. كما أنّ بعض الحجيج كانوا يسافرون راجلين، مرافقين لهذه القوافل.

تحضيرات ومحطات

مَن كانوا ينوون الحجّ من الأهالي فإنّهم يعدّون ركابهم قبل شهر شوّال فيعلفونها، ويهتمّون بها، ولا يمنع أن يسافر أحدهم راكباً جمله الخاصّ، مرافقاً للقافلة.

ويتنادى الأهالي للخروج فيبدأ خروجهم من كلباء على السّاحل الشّرقيّ، ويمرّ الركب بالفجيرة فيلتحق به مَن يرغب في الحجّ ثمّ يمرّ الركب بالقرى في الطريق إلى أن يبلغوا قرية مسافي فقرية المنامة والسّيجي.

ثمّ ينطلق الركب صوب الذّيد، وهم في الطّريق سائرون يلتحق بهم النّفر والاثنان والجماعة، يعبرون الوديان والشِّعاب والسّيوح والسّهول حتى تتجمّع القوافل في منطقة مزيرع، كما يلتقي هناك حجّاج المدن السّاحليّة، مثل: رأس الخيمة وأمّ القيوين وعجمان والشّارقة.

ومنها غرباً إلى الخوانيج في إمارة دبي، ثمّ إلى موضع ذباح القريب من جبل علي، ثمّ إلى موضع بوصلف قرب المفرق في إمارة أبوظبي، لتتّجه غرباً صوب موضع العجيلة ثمّ تنطلق في خطّ مستقيم نسبيّاً إلى منطقة السلع وسبخة مطّي ثمّ إلى جنوبيّ قطر فقرية سلوى للتزوّد بالمياه، ومنها إلى موضع البحث (وهو مورد ماء يقع في الجانب الشماليّ من الرّبع الخالي)، ومنها إلى الإحساء وبعد مسيرة يومين تصل إلى موضع الفروق ثم بوليفان (ويوجد موضع في المنطقة الشّرقيّة يدعى: «البوليات» حاليّاً، وهو عبارة عن مجمع مياه) بعد سير خمسة أيّام، وبها آبار للمياه العذبة، ومنها إلى المريغات شرق مطار الرياض حاليّاً، وبهذا المكان استراحة للحجّاج فيها الأكل والشرب، (وفي حقيقة الأمر، لم أهتدِ إلى معرفة هذا الموضع، ولكن بصورة عامّة فإنّه في عهد الملك عبدالعزيز آل سعود، رحمه الله، قد أقيمتْ العديد من المخيّمات الكبيرة خارج مدينة الرّياض، وجرى تزويدها بالموظّفين اللازمين من رجال الأمن والصّحة لاستقبال الحجّاج القادمين والإشراف على راحتهم).

ومن الرياض، تنطلق القوافل جنوباً صوب بلاد قحطان فالدّرعيّة فالطّفّة والبقرة فالمويّة (ويوجد أكثر من موضع يرد فيه اسم: «المويه»، في منطقة القصيم، و«المويه الجديد» و«المويه القديم» في منطقة مكّة المكرّمة، و«مويه الذيب» في منطقة الرياض)، حتى عشيرة (وتقع فيما يبدو ضمن منطقة مكّة المكرّمة،)، وفي منطقة الجزيمة حيث يحرم الحجّاج (ولكن من المعروف أنّ القادمين للحجّ من مناطق نجد وعمان أو المارّين بها من تلك الأنحاء، يحرمون في ميقات «قرن المنازل» أو «قرن الثعالب» المسمّى حاليّاً باسم: «السّيل الكبير»، وهو يبعد عن مكّة بنحو 94 كم)، ثمّ تمرّ القوافل على أفلاج مياه في طريق دخولها إلى مكّة.

ويكون طريق العودة من المدينة إلى الرياض في نحوٍ من 24 يوماً ثم إلى الإحساء في حوالي خمسة أيّام، ومنها إلى العقير حيث يستقلّ بعض المسافرين المراكب مقابل روبيّتين كأجرة، إلى البحرين.

وبعد قضاء بضعة أيّام فيها، ويسافرون منها على ظهر إحدى البواخر إلى دبي بحوالي 6 روبيّات. وممّا زاد من سعادة الحجّاج أنّ الملك عبدالعزيز آل سعود قد أعفى القادمين منهم على ظهور الإبل من دفع ضريبة الحجّ.

كما وفّر لهم استراحات على الطّريق تستضيف المسافرين، وتكرمهم وذلك عند وصول قوافلهم إلى موضع المريفات الذي أشرنا إليه سابقاً. وكان الحجّاج يبحرون من دبي إلى البحرين فيبقون فيها مدّة، ومنها بحراً إلى الخُبَر، ومنها يركبون شاحنات ضخمة مكشوفة تقطع البراري والقفار في 7 أيّام إلى المدنية، وكانت تلك المركبات مشحونة أيضاً بالأغراض والقدور وأدوات الطّبخ وقِرب الماء.

وقُبيل قيام الاتحاد وحتى أواخر عقد التسعينيات من القرن الماضي، كانت حافلات الحجّاج تخرج من منفذ السّلع نحو قطر، فتدخلها من منفذ سوداناثيل، وبعد بضعة كيلومترات تخرج من منفذ أبو سمرة إلى منفذ سلوى في السّعوديّة، ومنها إلى الهفوف فَمَن أراد مكّة يتّجه صوب الرياض، ومَن أراد المدينة سار نحو بريدة وعنيزة ثمّ غرباً إلى المدينة.

وكان مقاولو الحجّ يدفعون ضريبة للحكومة السّعوديّة تعرف بــ«كوشان»، وهي مبلغ مقطوع على كلّ حملة.

وشاع السّفر بالطّائرات متأخّراً، مقارنة بالسّفر بحراً وبرّاً. وساعد استعمال السّيّارات في عقدَي الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين، على قيام عديدين بالحجّ، وغالباً ما كانت السّيّارات من النّوع ذات الدفع الرباعي، والكبيرة الأحجام التي تتحمّل السّير في الطرقات البرّيّة غير المعبّدة، لتتمكّن بالتالي من سلوك الطرقات الرمليّة.

وكان مقاولو الحجّ في الإمارات في البداية ينقسمون إلى قسمين: الأوّل: يقوم بتجميع حجّاج السّاحل وينقلهم بحراً في الأغلب إلى الخُبَر، ومن هناك يسلّمهم إلى مقاول حجّ سعودي يتولى نقلهم إلى الحرمين، وهو الذي يشرف على تفويجهم وإقامتهم وأداء نسكهم.

والثاني: يتّفق مع الحجّاج في إمارات السّاحل ثمّ دولة الإمارات العربيّة المتحدة بعد ذلك، فيتولّى مرافقتهم منذ انطلاقهم برّاً على الأغلب ثمّ جوّاً بعد ذلك، حتى يوصلهم إلى الأراضي المقدّسة، ويقوم بتشييد أماكن إقامتهم، ويشرف على شؤونهم حتى يقضوا نسكهم. ومن الجدير بالذِّكر أنّ مهمّة مقاولة الحجّ هي مهمّة مواطنة متكاملة الأركان والأداء والإشراف، ويشترط فيها مشاركة صاحب الحملة مع الحجّاج في أداء النّسك.

1947

زاد استخدام الطّريق البحريّ في الحج وتطوّر، مع بدايات القرن العشرين، وكان أكثر سهولة للموسرين إذ كانت تكاليف رحلة الحج أكبر من قدرات الكثيرين من أهالي المنطقة في تلك الفترة، وكانت تقلّ الحجّاج بواخر كبيرة معيّنة تأخذ الحجّاج من دبي إلى بومبي قبل استقلال الهند عام 1947، ومن ميناء بومبي تغادر هذه البواخر محمّلة بمئات من الحجّاج القادمين من المناطق القريبة والبعيدة عن بومبي، ثم تتجّه بهم نحو بحر العرب فترسو بهم في ميناء جدّة حيث يستقبلهم المطوّفون كلّ حسب لغته وجنسيّته، ويرحلون على ظهور الجِمال إلى مكّة، وهذه الرحلة البحريّة قد تستغرق أكثر من شهر.

وربّما تبحر هذه البواخر من الشارقة إلى ميناء كراتشي، ومن هناك يسافر الحجاج في باخرة أخرى معدّة للإبحار في أعالي البحار إلى جدّة، في رحلة تربو أيّامها على العشرة، ومن جدّة يستقلّ المسافرون سيّارات كبيرة إلى مكّة. وربّما سلك بعض طلبة العلم وبعض المشايخ الطريق مشياً من جدّة إلى مكّة طلباً للأجر، والعودة بالطريقة نفسها.

ثمّ تطوّر الحال حين أبحرت المراكب من دبي صوب الدّوحة فالبحرين، ومنها إلى الخُبَر أو إلى الدّمّام، وكانت تتولّى أمر استضافتهم والعناية بهم مجموعة من مشايخ الحجّ.

500

كان الحجّاج يبحرون من ميناء دبي في مركب يحمل نحو 500 حاجّ وحاجّة، وكانوا يمرّون بظروف مناخيّة صعبة إذ تهبّ عليهم رياح الشمال، وتتلاطم بمركبهم الأمواج، وهم يبتهلون ويدعون إلى الله أن يسلّمهم، ثمّ بعد هذه الرحلة الشّاقّة، التي عادةً ما تستغرق من 4 إلى 5 أيّام، يصلون إلى ميناء الخُبَر، حيث ينتظرهم مقاول الحجّ، ومن الميناء تقلّهم الحافلات إلى موضع يدعى عين نجم في منطقة الاحساء يقيمون فيها نحواً من 4 أيّام، حيث تنصب لهم خيام ضخمة ثم يركبون الحافلات نحو الطائف في مدّة 4 أيّام.

ومن الطائف إلى ميقات السّيل الكبير ثمّ منه إلى مكّة. وبعد قضاء مناسك الحجّ ينطلقون إلى المدينة حيث يمكثون فيها نحواً من 8 أيّام، يعودون بعدها في الحافلات إلى الخُبَر ومنها بالبحر إلى دبي.

سهولة

وفي بعض الأحيان كانوا يسافرون بالطائرة من دبي إلى الظهران ومنها بالحافلات إلى مكّة.

وكانت الأمور سهلة كثيراً، خاصّة فيما يتعلّق بالنّساء الذاهبات للحجّ، إذ كانت الجوازات القديمة لا تتضمّن صوراً فوتوغرافيّة لحاملة الجواز، ولهذا كانت النّساء يتبادلن جوازات بعضهنّ البعض.

وفي طريق آخر كان الحجّاج يسافرون بحراً من دبي إلى الدوحة ثمّ ينطلقون في الحافلات صوب منفذ سلوى الحدودي، ثم يتوجّهون صوب المدينة في 7 أيّام، ويقيمون بها حوالي عشرة أيّام، ومنها ينطلقون إلى مكّة لأداء مناسك الحجّ المعتادة.

وبعد الفراغ من الحجّ يعودون برّاً فيرتاحون في سفرهم للأكل والصلاة، وعند نزولهم من الحافلات كان الرجال يتّجهون في ناحية، والنّساء يتجهن في ناحية أخرى. وبعد رحلة لثلاثة أيّام، يصلون إلى الدّمّام ومنها تقلّهم السفن إلى دبي.

وربمّا سافروا جوّاً بالطائرة من دبي إلى الظهران ومنها برّاً بالحافلات إلى المدينة. وكان بعض أهالي المنطقة يذهبون إلى الكويت عن طريق البحر ومن هناك يسافرون في سيارات كبيرة تحمل العشرات من الحجّاج من الكويتيين وغيرهم، ويستغرق المسير نحواً من 7 أيّام. ويُذْكَر أيضاً أنّ عدداً من الهنود والباكستانيين، وهم في طريقهم إلى مكّة بحراً، كانوا ينزلون ضيوفاً عند بعض التّجّار حيث تقدّم لهم بعض المساعدات، وكانوا ينطلقون برّاً في قوافل الحجّاج سيراً على الأقدام إلى مكّة، وكانوا يتّخذون مدينة الشارقة مقرّاً لاستراحتهم. وكانت الحملة عبر طريق البر سابقاً، عبارة عن أسطول من الحافلات والسيارات.

وكان حينها يتمّ ختم جواز صاحب الحملة بعبارة: «حكيم دار» بحيث لا يتخلّف عن حملته أحد في حال عودته. وكان السفر بالبر أرخص، وانتهى السّفر بحراً من الإمارات مع أواسط سبعينيات القرن الماضي، ولم يعد أحد يسافر عن طريق البحر.

«العقيد»

عرف النّاس، خلال رحلاتهم إلى الحج، عبر البر، شخصاً بعينه يدعى: «أمير الحجّ»، أو بالأحرى: «العقيد» أو «العجيد»، وهو أحد خبراء الدّروب ومسالك الصّحراء. وجرتْ العادة، في الارتحال في فصل الشّتاء أو في وقت انخفاض الحرارة، أن يسير الركب عند الفجر ولمّدة 4 ساعات، مع التوقّف لشرب القهوة بين فترة وأخرى ثمّ يواصلون السّير. وفي فصل الصّيف أو في وقت اشتداد الحرّ فإنّهم يتوقّفون في منتصف النّهار، ويقومون بنصب بعض الخيام لتستظلّ في فيئها النّساء وعادة ما يتوقّفون حين اشتداد الحرّ ثمّ يواصلون السّير ليلاً. ومن الأمور التي كان يعاني منها بعض المسافرين، حينها، ركوب الإبل خاصّة لأبناء المدن الذين لم يتعوّدوا على ركوب الإبل.

مطار دبي

أخذ مطار دبي نصيبه الوافر من الأسفار بُعيد عام 1960، بعد افتتاح مطار دبي المدني، وفي أواخر عام 1961 كان المطار يستقبل 12 رِحلة أسبوعيّاً ثمّ اتّخذت شركات طيران عديدة دبي محطّة لها، مثل طيران الخليج والخطوط السّعوديّة، التي تنطلق مباشرة إلى مطار الظهران. ومن هنا بدأت أفواج الحجّاج تسافر جوّاً ثمّ بدأتْ وتيرة السّفر الجويّ تزداد شيئاً فشيئاً، حتى أخذ النّصيب الأوفر من الحجّاج.

1990

تواصل السّفر للحجّ عن طريق البرّ مدّة طويلة قبل الاستقرار النّهائي على السّفر بالجوّ، وكان على صاحب الحملة الاستعداد والإعداد لهذه الرحلة، وتجهيز الحملة بالأكل وماء الشرب والطبّاخين، مع المسير نهاراً، والنزول عند المغرب. وكان مرور الحافلات عبر سودانثيل حتى عامي 1988 و1989. وبعد 1990، عبرت الحملات البرّيّة عبر منفذ الغويفات في الإمارات ومنفذ البطحاء في السّعوديّة.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات