حجّاج دولة الإمارات العربيّة المتحدة 2-5

قصص البدايات والتطوّر والمشاق في السفر إلى مكة المكرمة

صورة

من المفترض أنّ حجّاج المنطقة بدؤوا بالتوجه إلى الدّيار المقدّسة منذ أن أسلم أهلها.

وتوجد إشارات إلى وجود طريق برّي يربط بينها وبين الحجاز، حيث كانت تسير فيه قوافل الحجّاج والتجّار، وهذا الطّريق البرّي كان كثيراً ما يتعرّض للقطع والاعتداء، والسّلب والنّهب، وكانت تحفّ به المخاطر، خاصّة حين كانت تعمّ الفوضى والاحتراب السياسي، وهو ما أشار إليه ابن حوقل (ت: 367 هـ/‏‏‏ 977 م)، بقوله: «وطريق عُمان يصعب سلوكه في البرّيّة لكثرة القفار وقلّة السّكّان، ومن هنا كان طريق البحر أسلم وآمن، وهو أيضاً ما ذكره ابن حوقل حين قال: وإنما طريقهم في البحر إلى جدّة، فإن سلكوا على السّواحل من مهرة وحضرموت إلى عدن أو إلى طريق عدن بَعُد عليهم، وقلّما يسلكونه».

وهذا أيضاً ما أشار إليه ابن خُرْدَاذَبَة (ت: نحو 300 هـ/‏‏‏ 912 م) مِن أنّ الطّريق البحريّ من المنطقة إلى مكّة يبدأ جنوباً «نحو فرق فعوكلان فساحل هباه فالشِّحر ثمّ بلاد الكندر ومخلاف كندة فمخلاف عبدالله بن مذحج، فمخلاف لحج ثمّ عدن ومنها إلى مخلاف بني مجيد ثمّ مخلاف الركب فباب المندب ومخلاف زبيد فغلافقه فمخلاف عك، ثم الحردة فمخلاف حكم فعثر فمرسى ضنكان فمرسى حلى ثم السرين ثمّ اغيارة فالهرجاب ثمّ الشعيبة فمنزل فجدة ومنها يتوجّهون صوب مكة».

ويتمّ ذلك بمسار عصرنا بركوب البحر إلى الشِّحْر، ثم إلى عدن أبْيَن، ثم مضيق باب المندب ومنه إلى المخا، فجازان، ثمّ إلى جدّة، فمكة المكرّمة.

ومن الجدير بالذِّكر أنّ بعض رحلات الحجّ التي تقوم بها السّفن، كانت تتعرّض لهبوب رياح قويّة بمجرّد تجاوزها باب المندب، فتعيق مسيرها صوب جدّة، خاصّة إذا كان الإبحار شتاءً في البحر الأحمر فتضطرّ السّفن إلى اللجوء إلى أقرب ميناء.. ومن هناك يكمل الحجّاج رحلاتهم على الإبل إلى مكة المكرّمة.

ومن الإشارات التي وردتْ في المصادر ما تعرّض له النوخذة العماني عمران الأعرج، الذي خرج في مركبه من عمان إلى جدّة سنة 325 هـ، وكانت ترافقه عدّة سفن، فثارتْ عليهم الرياح، فقطعتْ حبال المراسي، وغرقتْ إحدى السفن فانكسرتْ وهلك جميع مَن فيها.

وكان حينها موسم السّفر للحجّ يبدأ مبكّراً قبل شهر ذي الحجّة بستّة أشهر، ثمّ يتواصل بعد موسم الحجّ وعودة الحّجاج إلى بلدانهم نحواً من ستّة أشهر أخرى. وهذا يشير إلى أنّ موسم الحجّ يستغرق العام كلّه إمّا ذهاباً وإمّا إياباً.

عهدان

وتنقسم مسارات رحلات حجّ أهل الإمارات إلى عهدين زمنيّين، أما الأوّل منهما فيمتدّ من القرون الهجريّة الأولى إلى القرن الثاني عشر/‏‏‏الثالث عشر الهجريّين، وهو عهد ما كان يندرج جغرافيّاً ضمن المنطقة، بينما نشطتْ مسارات العهد الثاني زمن ازدهار المدن على الساحل، وبالذّات دبي وأبوظبي والشّارقة ورأس الخيمة.

وفيما يتعلّق بمسارات سفن الحجّاج في الطّور الأول، فإنّها كانت تبحر من 4 موانئ شهيرة، هي: جلفار التي كانت المدينة الأشهر على ساحل الإمارات في الفترة الإسلاميّة. وكانت البلدة مركزاً رائداً مِن مراكز لجوء الحجّاج الآسيويين والهنود، حيث ينطلقون مِنه إلى الحجاز إمّا برّاً وإمّا بحراً إلى البحرين والقطيف. إضافة إلى مدن صحار ومسقط وصور.

وفيما يتعلّق بأنواع السّفن الملاحيّة التي سافر فيها الحجّاج من الإمارات والمنطقة قديماً، فهي كثيرة مختلفة الأحجام والأشكال، وقويّة متينة لها قدرة على الإبحار في أعالي البحار ووصول موانئ البحر الأحمر مع تحمّل مسؤوليّة نقل الحجّاج. وتعدّدتْ سفن نقل الحجّاج من حيث النّوع، ومِن طرزها: البدن، والبغلة، والغنجة، والسنبوق، والبتّيل، والعكيري، والجالبوت، والبوم.مسارات

بصورة عامّة، فإنّ السّفن القادمة من جلفار وبقيّة مرافئ السّاحل بعد أن تتجاوز مضيق هرمز تتّجه شرقاً فجنوباً، كما أنّ السّفن المبحرة من صحار أو مسقط أو صور وبعد أن تتجاوز رأس الحدّ تمرّ بموانئ جعلان فجزيرة مصيرة ومنها تنطلق السّفن جنوباً، حيث تمرّ على الجازر وسدح في ظفار حتى تصل مرباط، ومن هذا المرفأ تتزوّد السّفن المبحرة بالماء والأخشاب التي تحتاج إليها السّفن، ثمّ تتابع سيرها بمحاذاة مرفأ الغيظة، ثم تمرّ بالشِّحر، فالمكلّا، وعدن، ثمّ تتجاوز باب المندب مروراً بالحديدة أو المخا.

فجازان مباشرة، فالليث حيث كانت ترسو فيه وينزل في مرفأ الليث الحجّاج المبحرون ليسلكوا طريق البرّ، إلا أنّ سفناً أخرى تتّجه مباشرة إلى جدّة، حتى تصلها، ويكون بالتالي طريق مسقط جدّة هو الرابط البحري الأهم عبر بحر العرب ثم البحر الأحمر. ومَن تعذّر عليه المضيّ صوب جدّة فإنّه يتوقّف في موانئ جازان أو الرياضة أو حمضة، ومنها يسلك الحجّاج الطريق البرّيّ نحو الأماكن المقدّسة.

ومن الجدير بالإشارة أنّ التّوجّه لنقل الحجّاج في مواسم الحجّ أوجد نشاطاً تجاريّاً كبيراً بين المنطقة والحجاز.

محطات

ومن الموانئ والمرافئ التي تمرّ عليها مسارات السفن في طريقها إلى الحجاز، على سواحل بحر العرب وسواحل البحر الأحمر:

Ⅶالغيضة:وهو أوّل الموانئ في إقليم حضرموت، ويمثل موضعاً للتزوّد بالماء والحطب، وربما يسافر منه بعض حجّاج البلدة، أو ينزل به بعض الركّاب الآسيويين.

Ⅶالشِّحر:ميناءٌ قديم نشط، يقع في محافظة حضرموت، ترسو فيه بعض السفن، خاصّة تلك التي تنقل حجّاجاً من باكستان وبلوشستان، حيث يفضّلون النّزول فيها، وسلوك طريق البرّ إلى مكة، وبعد موسم الحجّ يصل إليه عدد من الحجّاج القادمين من طريق البرّ من الحجاز ليستقلوا السفن في عودتهم إلى ديارهم.

Ⅶ المُكلاّ: مدينة وميناء، وهو من الموانئ اليمنية النّشطة، تصله السفن الناقلة للحجّاج، وفيه يتمّ التزوّد بالماء، كما ينزل فيه بعض المسافرين من الباكستانيين والبلوش وفق اتفاقهم مسبقاً مع النّواخذة إذ يفضّلون سلوك الطريق البرّيّ إلى مكة، وبعد انقضاء موسم الحجّ يعود أولئك الحجّاج برّاً ليستقلّوا السّفن العمانيّة، مبحرين إلى بلدانهم.

Ⅶعدن:وكانت المدينة المركز التجاريّ الكبير في جنوبيّ شبه الجزيرة العربيّة، وكان ميناء عدن منتهى طرق القوافل البرّيّة القادمة مِن شبه الجزيرة العربية، وهو منطلَق لطرق الملاحة البحريّة نحو البحر الأحمر وبحر العرب وبحر عمان والخليج العربي وعموم المحيط الهندي.

Ⅶالحُدَيْدَة:من الموانئ اليمنيّة على البحر الأحمر، وتصل إلى الحديدة السّفنُ العمانيّة المقلّة للحجّاج والحاملة للبضائع، وتعتبر المحطّة الأخيرة بالنّسبة للسّفن المتّجهة صوب جازان، أمّا إن كانت وجهتها الليث أو جدّة، فتتزوّد منه السفن بالماء والحطب وما يحتاجون إليه من تموين.

Ⅶ جازان أو جيزان:وفيها ميناء بحريّ تجاريّ على البحر الأحمر، وترسو في جازان عددٌ من السفن المقلّة للحجّاج من المنطقة، ومنه ينطلقون برّاً إلى المدينة المنوّرة لبدء موسم الحجّ، وبعد نهاية الموسم يعودون بالكيفيّة نفسها إلى جازان للسفر بحراً بواسطة السفن إن كانت إلى المنطقة أو إلى الدول الآسيويّة الأخرى.

Ⅶ الشقيق:تقع إلى الشمال من جازان، وهي بلدة ساحليّة ومرسى للسفن، وكانت ترسو فيها السفن من المنطقة وقت الضرورة.

Ⅶ القنفذة:تقع هذه البلدة إلى الشّمال من الشّقيق، وهي من المرافئ التي كانت ترسو فيها السفن في رحلاتها في البحر الأحمر.

Ⅶالليث: ميناء تجاريّ، يقع ضمن محافظة مكة، ترسو به عدد من السفن التي تقل الحجاج من المنطقة، ومن الليث ينتقلون برّاً إلى مكة المكرمة.

Ⅶ جُدّة:وهي منفذ مكّة البحري، ويستقبل ميناء جدّة أكثر الحجّاج القادمين من طريق البحر، كما تصل إليه بعض السفن المقلّة للحجّاج من مختلف الموانئ في المنطقة، وبعد انقضاء موسم الحجّ يعود الحجّاج أدراجهم مبحرين في المراكب نفسها التي أقلّتهم.

دبي مرتع النّواظر

ازدادت مدن السّاحل في الإمارات ازدهاراً في أواخر القرن الثّامن عشر الميلادي، وأصحبتْ مدينة دبي هي جبهة المنطقة ووجهها وغرّتها، مرتع النّواظر ومتنفّس الخواطر، طيّبة البقعة، واسعة الرقعة، تفوق كلّ بلاد الإقليم بالتجارة والثروة والعمران. كما وصفها بذلك محمّد بن نور الدّين عبدالله بن حميد السّالمي في كتابه.

مكانة استراتيجية

أضحت دبي في أواخر الخمسينيات، مدينة واضحة المعالم وتلعب أهمية تجارية وحضارية واستراتيجية كبيرة في المنطقة، ومنذ بداية السّتينيات بدأتْ مدن السّاحل في الإمارات بصورة عامّة تشهد حركة اقتصاديّة وسكّانيّة نشطة شملتْ المرافئ الرّئيسية على طول السّاحل، وعبر موانئ دبي وأبوظبي والشّارقة ورأس الخيمة تحديداً، تواصلتْ بحراً مع موانئ الدّوحة والمنامة والكويت والخُبَر لنقل التجارات والمسافرين، وكان من نصيب مرفأ الخُبَر كلّ الحجّاج القادمين من الإمارات، وهذا ما أشرنا إليه سابقاً من خلال الأختام الممهورة في الجوازات القديمة.

1932

برز الدور المهم لوسائل النّقل المتطورة في مدن السّاحل بالإمارات في نقل الحجاج، مع مطار الشارقة أولاً في عام 1932.. ثمّ مطار دبي عام 1937.. ثمّ مطار أبوظبي في أواخر عقد الستينيات من القرن الفائت، إذ كانت الطائرات تقل الحجّاج إلى مطار الظهران.

وبلا شكّ فإنّ النّقل جوّاً كان أكثر راحة وأسرع إلا أنّه لم يكن متوافراً في البداية للجميع، نظراً لكلفته الكبيرة، مقارنة بالسّفر في البواخر والمراكب إضافة إلى صغر الطائرات النّاقلة للمسافرين. ولكن كلّ هذه المسائل تمّ تجاوزها مع مرور الوقت، حتى أضحى السفر بالطائرة لأداء مناسك الحجّ هو الأبقى والأوفر والأسهل والأسرع.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات