شباب@ قصة

عمر مضى..وحلم بعيد

صورة

استمراراً لالتزام «البيان» بدعم الأقلام المبدعة الشابة، وتعزيزاً لمكانة القصة القصيرة، كفن أدبي مرموق يحمل أفكار وتطلعات الأدباء الجدد، نخصص هذه المساحة، لنشر نص قصصي جديد في صفحة الثقافة، وندعو الجميع للمشاركة بأعمالهم المميزة الجديدة.

نظرت من النافذة، تبحث عن ذاتها التي تلاشت مع الأيام، تذكرت عندما كانت طفلة صغيرة فقدت رونقها، وابتسامتها، ومعنى الجمال فكانت طفولتها شبحاً مليئاً بالرعب والخوف، تخشى أن تتحدث لأن نظرة أمها تقتلها بعادة صنعوها سابقا «عيب أن تتحدثي»، «إياك أن تتفوهي بكلمة واحدة أمام الضيوف». تنزل دمعة من عينيها .

وهي تقول «آه يا أمي لو تعرفين كلماتك تركت شرخاً كبيراً في قلبي»، وما هي لحظات حتى عادت إلى عالم طفولتها المشوهة، ما زالت تسمع صوت السوط الذي كان يأكل من ظهرها، ضربة تتبعها ضربة، لمجرد خطأ بسيط ارتكبته بعفوية الطفولة. تنظر إلى السماء مخاطبة الذكرى «لماذا يا أبي!

كم كنت أتمنى أن تضمني إلى صدرك الذي لم أعرفه يوماً من الأيام... كتمتُ دموعي خوفاً من أن تزيد في عقابك لي، أن يزداد تلاطم السوط مع ظهري....» غرق وجهها في دموع حفرت أخاديد، وتركت حفراً شاهدة على هذا الألم...

حزن بطعم ملح البحر، يذوب وتذوب معه آلام الطفولة. قطع حبل أفكارها صوت حفيدتها «أمي ماذا تفعلين ؟»، ابتسمت لها بحب ممزوج بوجع وألم لم تستطع الأيام محوه، وإنما كانت الذكريات تهيجها. حملتها ووضعتها على سريرها، جلست تداعبها وتحتضنها وتدغدغها.

ولكن هل كانت تداعب طفلتها الصغيرة أم تداعب أجمل اللحظات التي افتقدتها في طفولتها، رغبت أن تعيشها في عيون هذه الطفلة، ضاعت مع أفكار أصبح لا مكان لها الآن. كم تمنت أن أيامها كان هناك ما يدعى حقوق الطفل، كلمة أصبح لها صدأ، حافظت على مكانة الطفل واهتمت بمعنى وجوده، ووضعت كل ما يسهم في بنائه.

ما أكثر ما كانت تردد مع نفسها «كم كنت أتمنى لو كان أيام طفولتي ما يسمى الآن بحقوق الطفل، لكنتُ امرأة أخرى تتمتع بالقوة والشجاعة، لا تعرف معنى التردد أو التلعثم في الكلام... لكنتُ زهرة بيضاء بقلب شفاف، أرضاً خضراء بألوان الطبيعة الخلابة، حلماً ما زال يداعب خيالي، العمر مضى وحلمي بعيد لأنني في الحقيقة زهرة بلا رائحة أو ألوان، لأنها فقدت معنى الجمال....

أجمل ما في حياتي ثلاثة: ياسر وعمر وأحلام، أبنائي الذين كانوا بلسماً لجراحي من قيد والدهم الذي كبلني باسم العادات والتقاليد حتى أصاب أذني الصمم بما أسمعه دائماً، تمنيت عند زواجي به أن أتخلص من طوق أبي، ولكني وقعت في فم الأسد، منعني من استكمال تعليمي .

وكان تعليم أبنائي ملجأ لحلم حياتي،لا أعرف من كان يتعلم هم أم أنا.. آه من الفكرة التي كانت تجمع أبي وزوجي، البنت مصيرها الزواج وخدمة زوجها وعيالها، وآخر مطافها القبر... أي قبر؟ لقد وضعوني في قبر الحياة قبل الممات...».

- أمي هل ستلعبين معي كما كانت تفعل ماما ؟

- خذي هذه اللوحة ولونيها بألوان جميلة يا صغيرتي.

كم أتمنى أن تكون حفيدتي نسخة من أمها في حبها للعلم، فها هي ذهبت برفقة زوج عرف كيف يكون تقدير المرأة، شجعها على أن تكمل تعليمها معه خارج الدولة. وتركت آمال أمانة في عنقي، التي أخذت مني الاسم فقط. لأنني اسم فقط لا أرض للآمال فيها ولا كون أحلق في سمائه. سمعتْ صوت العصافير، وقفت أمام النافذة لتنظر من جديد لذلك الحلم البعيد.

 

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات