نبضات قلبه تضرب قفصه الصدري بقوة، كان ذلك الشعور هو ذاته الذي ينتابه كلما سمع صوت الطبيب قائلاً: «إلى العناية المركزة فوراً».. كان يعلم أنه بعد تلك العبارة سوف يدخل في دوامة مظلمة، ثم يشعر بجسده يحترق من الداخل والخارج بجرعة كيماوية.. تلك القصة القصيرة المتكررة بين الحين والحين، كان يكرهها ويخافها أكثر من الموت نفسه.

اليوم، ذات النبضات أخذت تضربه بقوة، للمرة الأولى شعر أنه يريد العودة لرحلته القصيرة المظلمة الحارقة، كانت المرة الأولى التي يخاف فيها من الموت.

أغمض عينيه وهو يتذكر آخر حوار دار بينهما، لم يكن حوار عتاب، ولا غضب، ولا كراهية، ولا حتى حوار حب أو اشتياق.. كان حواراً عادياً لخص حياتهما التي لم تكن طويلة بقدر ما كانت عميقة.. عميقة جداً. كان ذلك الحوار بعد آخر رحلة مظلمة ..سألها بصوته المنهك (لماذا ننتهي هكذا؟).. فقالت وهي دامعة تبتسم (لم ننتهِ بعد)..ثم أغمض عينيه بهدوء.

كانت الحياة بالنسبة إليه محصورة بين خيارين فقط، إما أن يدخل في الظلام بين الحين والحين، أو أن يظل في الظلام إلى الأبد.

لماذا اقترب الموت اليوم؟!.. هكذا تساءل وهو يقترب شيئاً فشيئاً، لماذا يخافه اليوم وهو بعيد، في حين أنه لم يُرعبه سابقاً، كان الموت ينام ويستيقظ معه، كان يرافقه في رحلاته المظلمة، وفي علاجه الحارق، لماذا يخافه اليوم؟.. صوت الطبيب في مسمعه لم يتوقف:

(إلى العناية المركزة) تمنى لو أنه يقولها الآن، تمنى لو بإمكانه أن يراوغ الموت برحلة مظلمة أخرى كي لا توضع النقطة في نهاية السطر، ثم تذكر نيران الكيماوي، هل الموت أرحم؟ أم العلاج الكيماوي أرحم؟ .. كانت الخيارات صعبة جداً. الطريق إلى غرفة العناية المركزة طويل جداً، شعر أنه مسافر على رجليه ..

جثم على ركبتيه وهو يبكي، أراد أن يرتجي الموت كي يبتعد عنه ولو لعدة أيام، ولو لساعات، أراد لتلك الحوارات القصيرة العميقة أن تطول أكثر، يريد الحياة معها لمدة أطول، هي ذات الكف التي كانت تلامسه في السابق لتيقظه من الظلام، كفه اليوم طرية تماماً كطراوة كفها.. سابقاً.. كفها التي أصبحت خشنة.. كفها التي أحرقها الكيماوي لكنها لم تنل الوقت الكافي لتلتئم.. فاحترقت.. واحترقت.. واحترقت..

سألها بصوته المنهك (لماذا ننتهي هكذا؟).. نظرت إليه دامعة تبتسم.. ثم أغمضت عينيها بهدوء.