استمراراً لالتزام «البيان» بدعم الأقلام المبدعة الشابة، وتعزيزاً لمكانة القصة القصيرة، كفن أدبي مرموق يحمل أفكاراً وتطلعات الأدباء الجدد، نخصص هذه المساحة الثابتة، لنشر نص قصصي جديد في صفحة الثقافة، وندعو الجميع للمشاركة بأعمالهم المميزة الجديدة.
دخلت وفاء غرفة والدها على أطراف أصابع قدميها، خشية أن يلحظ من في البيت ذلك، احتلال غرفة السيد طلال الذي وافته المنية صباح هذا اليوم، وفي الوقت الذي كان فيه كل من في البيت من أهل وأقرباء المتوفى في غرفة الصالون، يتباحثون في أمر المرحوم، كانت وفاء على مقربة من الجثة تحاول الاقتراب إلا أن هناك نفوراً شديداً يمنعها.
وكأن الموت والحياة قد قلبا قطبي جاذبية المغناطيس التي كانت بينهما إلى الوجه المنفر مما يعني أن الحياة والموت لا يلتقيان. تقول في سرها: من لي بعدك يا حبيبي، لقد رحلت وتركتني هذه المرة رغماً عن إرادتك، ليس كما كنت تفعل كل مرة عندما كنت تتركني رغماً عني.
إلا أن المرات السابقات كانت أرحم من هذه المرة، حيث كنت تذهب وتبقى روحك معي، إلا أنك اليوم بقيت، بلا روح، أصحيح يا والدي أن الدنيا لا تعطي عطاءً وافيا؟
أم إننا لسنا بالأوفياء تجاه أنفسنا حين تعطينا الحياة أجمل ما لديها من وجود؟ وبينما هي كذلك، تنامى إلى سمعها همهمات المعزين، غداً سوف يوارى الجثمان الثرى! وفِي الوقت الذي تنتحب فيه النساء على فراق المرحوم، يكون المحامي قد حضر الوصية التي ينتظرها بفارغ الصبر كل من في البيت باستثناء وفاء التي لم تكن تلتفت في يوم من الأيام إلا لوالدها وحضنه الدافئ، ذلك الشعور الذي لا يشعر به إلا الأبناء.
اليوم التالي: دقت ساعة البيت العملاقة في الصالون أجراسها معلنة دخول الرابعة وتزامنت تلك الدقات مع قرع جرس الباب الذي ما إن انفتح حتى كشف عن هوية الطارق الذي بدت عليه وعثاء السفر، والتي بانت من طريقة ارتدائه للملابس الثقيلة الدالة على أنه قادم من بلد شديد البرودة وعلى حقائبه ملصقات شركة الطيران، فيسأله المستقبل:
من حضرتك؟
يجيب: أنا السيد فارس صاحب هذا المنزل، والمرحوم طلال قد باعني البيت والمؤسسة قبل ثلاثة أشهر، وقد كان بيني وبينه موعد لاستلام ما ذكرت قبل قليل إلا أن الموت قد كان أسبق مني إليه، يتدخل المحامي قائلاً: ولكن السيد طلال رحمه الله لم يخبرني عن شيء مثل الذي ذكرت، فيجيبه:
إن الذي بيني وبينه رحمه الله لا يعلمه ألا أنا وهو، وأنت إلى الساعة لم تفتح الوصية. يهرع المحامي إلى الوصية وهي في حقيبته وهو لا يعلم ما بداخلها لأن المرحوم أوصاه بألا يقوم بفتحها إلا بعد موته، جلس الجميع للاستماع إلى الوصية:
إني أنا طلال سالم خليفة، أوصي بتحويل ملكية المنزل والمؤسسة إلى السيد فارس سليمان نجيب، كما أني أوصي بالمبلغ الذي في البنك إلى ابني سعيد وأما عن المنزل الذي في الشام فهو لابن أخي راشد لأن أخي المرحوم لم يترك لابنه إرثاً.
كما أوصي بالمزرعة التي يسكن بها عادل زوج أختي، لأختي حنان، تقديراً لجهودها وضماناً لحياة أختي وأبنائها وأرجو أن تدعوا لي بالمغفرة والرحمة، كما أني أسأل الله أن يغفر لي إن كنت قد قصرت بالوفاء.. يسكت الجميع فتتمتم وفاء: آمين.

