هناك قراءات يمكن أن توصف بالمفصلية، لأنها تساهم في تغيير نظرة ما، أو بتشكيل معرفي جديد، وهو ما يجعلها تخرج أحياناً عن إيقاع القراءات العادية التراكمية التي تشكل في المحصلة المعرفة إلى جانب المتعة التي تحققها القراءة، عن هذا تحدث عدد من المبدعين والمثقفين لـ«البيان» من خلال استطلاع يوضح أهمية بعض الكتب التي قرأوها، وتأثيرها على طريقة تفكيرهم، أو الاستناد عليها في بعض الحالات البحثية.
اشتعال الخيال
الأديبة باسمة يونس مستشار ثقافي في وزارة الثقافة وتنمية المعرفة قالت: أول كتاب أثر علي، هو «بائعة الكبريت» للدانماركي هانس أندرسون. وأضافت: قدم لي بفكرته وكلماته البسيطة أعواد الثقاب فبدأت أشعلها لأتخيل في كل مرة قصة جديدة أضيفها إلى مكتبة إصداراتي الخاصة.
وأوضحت: هذه القصة وغيرها من أساطير الأطفال، كانت ذات تأثير عظيم على مخيلتي. وأضافت: فشلت بائعة الكبريت بالحصول على السعادة ليلة عيد الميلاد لكنها تذوقت فرحاً ما، ثم فاضت روحها فوق الرصيف وعلى وجهها ابتسامة، عجز المارة عن تفسيرها.
وبحسب رأي يونس فالكتاب الذي يغير الأفكار ليس بالضرورة أن يكون علمياً أو فكرياً أو بمجال التنمية، بل يمكن لرواية إنسانية بسيطة وذكية المعالجة التأثير أكثر من تلك الكتب.
قراءات متنوعة
الشاعر إبراهيم محمد إبراهيم قال: إن القراءات التي أثرت فيه كانت تراكمية وأضاف: أنا بطبعي قارئ ناقد، وكل كتاب يشكل إضافة لي سواء إيجابية من حيث إضافة بناء ثقافي أو عكس ذلك، فبعضها هدر للوقت.
وأوضح: لا يوجد كتاب مفرد شكل نقلة ثقافية، إنما بالتراكم الذي أثر هذا الكم الكبير في القراءة التي أحرص أن تكون انتقائية بشكل كبير. وأضاف: أمتلك حساً يبحث عن المعلومة، كما أبحث عن ما أريد حتى أصل إلى الإجابات التي تقنعني.
وقال إبراهيم: رغم أني أديب وشاعر، ولكني قد اقرأ بتطوير الذات والإدارة بعيداً عن الأدب، فعندما أشعر بقصور في معلومة معينة أتجه لا شعورياً للقراءة. وأضاف: النقلة تكون بالتراكم لأني أنظر للحياة بزاوية منفرجة، والمعرفة الإنسانية تأتي عبر التنوع بالقراءة.
الفنان التشكيلي علي العبدان قال: ثمة مفارقة في علاقتي بالقراءة، فأنا أُحب القراءة كثيراً. لكنني أقرأـ القليل، وذلك لرغبتي بقراءة «ما قلّ و دلّ» وفسر:
لابد أن يكون الكتاب الذي أقرأهُ محطةً للعبور إلى آفاقٍ جديدة. وخص بالذكر «حوار الرؤية» للناقد الفني «ناثان نوبلر» وأوضح: نبّهني الكتاب لمستويات الوحدة الجمالية بالعمل الفني التشكيلي، تصويراً كان أو نحتاً، منها التقابل، التكرار، الاستمرارية، وغير ذلك.
وأضاف: وبالرغم من أن نوبلر تحدث عن الفن التشكيلي، لكني قمتُ باختبار كلامه لتعميمه على الفنون الأخرى، كالشعر، والموسيقى، والرواية، وغيرها، وأوضح: خرجتُ بمبادئ نقديّة جمالية شاملة.
واستشهد العبدان بالشعر الذي يقوم على الصور المدهشة، الأتية من التقابلات غير المتوقعة. وأضاف: في الموسيقى أيضاً هناك تقابلات بين الجُمل الموسيقية.
والأمر ذاته ينطبق على الرواية وفن السرد، فالفائدة الفكرية التي يجنيها القارئ من كتاب انتقاه بعناية معرفية كبيرة، وهذا هو الهدف الرئيس من القراءة الجيّدة التي تقومُ على تحليل المَقروء وإعادة تركيبه، أو ما يُسمّى حالياً بـ«القراءة الإبداعيّة».
بحث متواصل
الدكتورة أمل صقر نائب مدير مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة قالت: الكتاب الذي ترك تأثيراً مبكراً علي هو «الشيخان» لطه حسين.
والذي كان مقرراً في الثانوية العامة. وأضافت كان كتاب قراءة ويتحدث عن سيرة الصحابيين «أبوبكر، وعمر» وبعد أن كان تفكيري يضفي نوعاً من النزعة الملائكية على الصحابة، قدم هذا الكتاب فهماً مختلفاً بأنهم كانوا بشراً وقد يخطئون في مواقف معينة.
وقالت د. صقر: من وقتها لم أقبل بالمسلمات، ولا يمكنني قراءة كتاب واحد لاتخذ من بعده موقفاً ما، حتى لوكان معجماً. وفسرت: الأهم عدم الاعتماد على مرجع واحد، بل البحث في أكثر من مرجع من وجهة نظر متخيلة، وفي النهاية يبقى الحكم لي.
أما الكتاب الآخر الذي ترك تأثيره كما أوضحت د. صقر فهي رواية «زمن الخيول البيضاء» للفلسطيني إبراهيم صنع الله والتي وصلت للقائمة النهائية للبوكر العربية عام 2009.
وأوضحت قدمت الرواية صورة مختلفة وصلبة للمقاومة وللأمومة، لقدرة الروائي على التعامل المختلف في أدب فلسطين، وهو ما سيجعل من الذي لا يتعاطف مع القضية الفلسطينية أن يعيد نظره بالموضوع.
آنا كارنينا
الأديبة باسمة يونس مستشار ثقافي في وزارة الثقافة وتنمية المعرفة قالت إنه من الصعب عليها الاختيار من بين مجموعة كتب كثيرة قرأتها إلا أن «آنا كارنينا» للروائي الروسي ليو تولستوي، غيرت الكثير من طريقة تفكيرها لأنها قصة امرأة ضعيفة جداً أمام عواطفها.
وأضافت: فكرة التركيز على ما يفعله الضعف بالنساء قوية لدرجة التأثير، فهي إما أن تجعل المرأة أقوى للمطالبة بحقوقها، أو تدفعها للانزواء كنهاية لبطلة الرواية المأساوية.



