نذهب عميقاً في دروب الخير والوفاء للوطن وإنسانه.. نتجول في ربوع البلاد بحثاً عن الحقيقة، عن إمارات الرضا والسعادة، في عيون الأطفال والكهول.. نلتمس مكنونات هذا الشعب الكريم، في قراه البعيدة وبواديه، حيث النقاء والأصالة.
نقف على آثار الماضي ونمط العيش الجديد، لنشهد كيف حدث ويحدث التحول التاريخي العظيم من حياة البساطة إلى الحياة الرفاه والمعاصرة، دون خسران الهوية والإرث. «البيان» في هذه السلسلة تجالس الناس، وتستعرض معهم طواياهم السمحة، طريقة عيشهم، وأمانيهم الجميلة، تقاسمهم الماء والخبز والذكريات.. في عام الخير.

لم يكن سهلاً علينا أن نصدق أننا نتجول فعلاً في أعماق غابة حقيقية «طبيعية وليست مزروعة» وتضم الآلاف من الأشجار المعمرة والشجيرات والأعشاب البرية وتعيش فيها الطيور بأنواعها والثعالب والظباء والثعابين والزواحف، وكل ذلك في الإمارات، فهذا غير معقول، لأن الصورة النمطية للمنطقة في المخيلة العامة تربط الغابات الواسعة بمناطق الأنهار والأمطار الغزيرة في إفريقيا والأمازون وأستراليا، أما أن تبلغ مساحة غابة إماراتية 40 ألف متر مربع من شجر السمر المعمر، بعضه مضى عليه أكثر من 300 عام، وينمو بشكل طبيعي بالمياه الجوفية والأمطار الموسمية فهذه مفاجأة من العيار الثقيل بالنسبة لنا في «دروب الإمارات».
هذه التجربة الفريدة عشناها يوم الاثنين 10 أبريل 2017م، نحن فريق «البيان»، حيث كان في استقبالنا الشاب البشوش سعيد مطر عبيد بن دلموك الكتبي، رئيس قسم الزراعة والبيئة في بلدية الذيد التابعة لإمارة الشارقة، وصحبنا الى منطقة وشاح على مبعدة عشرين كيلومترا من الذيد ، فهناك تترامى غابة شاسعة خضراء وعامرة بشجر السمر بجانب غيره، وهي غابة نبتت على مدى قرون في سهل منبسط «سيح» تتخلله بعض الشعاب «مجاري السيول» الصغيرة.
لم نكن في عز الشتاء حتى ننعم بنسائم «الكوس» الباردة التي تهب علينا تحت الظلال الوريفة، ولم نكن في إقليم السافنا الماطرة حتى تنبسط أمام أعيننا أعشاب الحرمل والخزيمة المزهرة فواحة العبير على ذلك النحو اللافت، ورغم ذلك «شفت برقٍ لاح، أمس صوب وشاح»، كما تقول الأغنية الشهيرة.
وقفنا معاً، فريق البيان وفي معيتنا ابن المنطقة سعيد الكتبي تحت أكبر شجرة سمر معمرة في الإمارات قيل إنها تبلغ من القرون خمسة والدال على ذلك حجم جذعها الضخم وأفنانها المتفرعة، ورغم آثار الزمن المتطاول واليباس البائن عليها، إلا أنها لا تزال تقاوم متسلحة ببضعة أغصان خضر، وقد تعهد مضيفنا بأن يرعاها بصورة شخصية من اليوم فصاعداً. ثم رأينا حوضاً مخصصاً لسقيا وحوش وطيور الغابة وكان ذلك أول الغيث من المفاجآت السارة.
فرادة مدهشة
صحيح أن ما نقوله هنا سيبدو عليه طابع المبالغة، ولكن مضيفنا سعيد بن دلموك الكتبي يؤكد أيضاً أنه حينما يرفع بعض الصور عن هذه الغابة ومحتواها النباتي أو الحيواني على مواقع التواصل الاجتماعي، فإن بعض مواطني الإمارات أنفسهم لا يصدقون أن هذا في وطنهم وليس في مكان آخر.. محمية سيح البردي، غابة طبيعية ولا تعتمد على نظام ري صناعي، وما تم حيالها من تدخل هو أن صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي حاكم الإمارة، قد أمر بتحويلها إلى محمية طبيعية منذ عام 2007م من أجل المحافظة على أشجارها ونباتاتها وحيواناتها وزواحفها، لكي تبقى طبيعية فطرية، وذلك في إطار المحافظة على التوازن البيئي ومنعاً لانقراض عناصرها الحيوية الفريدة.
يؤكد سعيد بن دلموك أن الأرض في هذه المنطقة طينية بنسبة كبيرة وأنها صالحة لنمو النباتات بشكل كبير خاصة وأن بها مخزون مياه جوفية وفيراً.

السكان في السابق
يقول مضيفنا: أراضي هذه المحمية تضم عدة مضارب لعشائر متنوعة سكنت هذه النواحي في سابق الزمان، حيث عاش هنا وتحديداً في منطقة اليتيمة قوم بن هويدن وشيخهم عبد الله بن علي بن هويدن رحمه الله وكانوا يمتلكون من الإبل الكثير، والآن يوجد الشيخ معضد بن علي بن هويدن الكتبي، وتوجد بجانب اليتيمة منطقة سيح البردي وبشكل عام فإن من سكان هذه المنطقة: قوم بن دلموك وبن نومة وبن غرير وقوم الفريري وبن مرخان والخصاونة وقوم الحاضري والطنيجي والشامسي والخواطر.
أنواع النباتات
في محمية سيح البردي بمنطقة وشاح يوجد سدر الوادي ويعرف محليا باسم «الشِّكِل» كما يوجد السَّلَم ولكن بكثافة محدودة مقارنة بحضور السمر الذي يحتل أكثر من 95% من مساحة المحمية الشاسعة.
ومن الأعشاب المعمرة تضم غابة وشاح كلاً من: الحرمل، المليوية، القصد، المرخ، الرمث، الخزيمة والخرمان والرمرام.
ومن الأعشاب الموسمية ينبت السعدان والشكاع والقطبا والينم والخييسة والنصي.

صنوف الحيوانات
وتضم الغابة حيوانات متوحشة بينها الثعالب والظباء بجانب الزواحف كالثعابين والضب والجربوع والفئران وحشرات طائرة أهمها النحل المهاجر ومن الطيور القطا والحمام الراعبي والبوم والعصافير بأنواعها. قال سعيد: أنتم جئتم في الموسم، فالثعالب والظباء تتزاوج في هذه الفترة بين مارس وأبريل، والأعشاب تزهر.
روح الغابة
يظهر سعيد احتفاء منقطع النظير بروح الغابة التي يشعر أنها مسؤوليته وهوايته التي يبذل فيها وقته واهتمامه فلا يكل وهو يتمشى بين الأشجار سعيداً وهو يقول: أحياناً تأتي إلى هنا شخصيات مهمة فقط للتمشي وتريح النفس في أحضان الطبيعة البكر.
وقد يفتح سعيد بن دلموك جهاز التسجيل داخل سيارته ثم يبدأ في الرزيف برقصة «اليولة» التي تنم عن الفروسية حسب الثقافة الشعبية في الإمارات، وأحياناً يدخل بين الأشجار المتشابكة معبراً عن تماهيه فيها بمحبة وشعور غامر، ولقد كان مشهداً معبراً حينما وقف يحدثنا من داخل اشتباك ثلاث شجرات نمت معاً بشكل متشابك هي: السمر والقصد والمليوية. قال: السمر ينتج عنه «البرم» وهو زهر الشجرة والنحل يتغذى بالبرم كالمعتاد لينتج أفضل أنواع العسل إطلاقاً في الجزيرة العربية وهو عسل السمر.
وأضاف: وأما المليوية فنبات متسلق وبلا أشواك وهو غذاء جيد للإبل كالرمرام، بينما القَصَد نبات شوكي كالسمر، ومضى سعيد قائلاً: جربوع هذه الغابة يعيش على حبوب وأوراق النباتات الصغيرة الموسمية بينما تعيش الثعالب على صيد الجرابيع وهكذا يتحقق التوازن بين العناصر المكونة لمجتمع الغابة.
أهمية السمُر
من ميزات شجرة السمُر التي تملأ غابة وشاح أن من رحيق أزهارها ينتج النحل أفضل وأغلى أنواع العسل الطبيعي الأصلي في الجزيرة العربية ويتراوح سعره في السوق بين 1200 إلى 1500 درهم، ويأتي بعده عسل السدر الذي يقع سعره بين 300 إلى 700 درهم، ثم عسل الغاف ما بين 200 إلى 400 درهم.
ويمضي قائلاً: ومن السمر ينتج خشب صلب يصلح أولاً لبناء البيوت التقليدية القديمة «العريش وبيوت الشعر»، ومنه يتم إنتاج الفحم المستخدم في الشواء والبخور وإيقاد الضوء «النار»، وحيث تعقب أزهاره قرون الحنبل فإن ذلك يوفر غذاء مفضلاً لدى الإبل والماعز وبقية الحيوانات، وأشجار السمر تشكل مصدات للرياح وملطفة للجو.

ثقاب الأفلاج
مما استرعى انتباهنا في زيارة غابة وشاح القريبة من مدينة الذيد، أحواض أسمنتية مغطاة تشبه المنهولات التي تفضي إلى خطوط المجاري الضخمة تحت الأرض، ولكم هذه الأحواض تسمى الثقاب وهي تؤدي إلى أفلاج عتيقة عمرها ربما قرون تحت الأرض وهي فلج الثمامي، وفلج الحرملي، وفلج البردي وفلج مليحة وكلها تصب في قناة ضخمة هي فلج شريعة الذيد، ولقد كانت كل هذه الأفلاج تسقي المزارع والبشر والحيوانات يوماً، إلا أنها اليوم قد جفت، وقد أجريت عليها دراسات ومسوحات لدراستها من حيث عمرها ومنابعها الطبيعية وخطوط سيرها.
دعوة خير
إذ نحن في عام الخير و«اخوان شما ما يقصرون» في التجاوب مع توجيهات القيادة الرشيدة كالمعتاد، خاصة وأنها تنسجم أصلاً مع قيم وتقاليد مجتمع الإمارات العربية السمحة، فقد دعانا إلى وليمة غداء المواطن ياسين سالم شرار، وهو زميل مهنة إعلامي وصاحب مزرعة في منطقة وشاح النضيرة التي حللنا بها سهلاً، فنعمنا بحسن الضيافة وسمعنا منه طيب الكلام عن خير زايد وعياله ومكرمات صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم إمارة الشارقة، ودعمه الذي لا ينقطع لأهل المنطقة واهتمامه الشخصي بمحمية وشاح الشهيرة والتي تعرف باسم «وشاح سيح البردي».
وختاماً
بعد أن منحنا سعيد زهرة الخزيمة وقال هي وسام الغابة، فاحتفلنا بذلك كالأطفال حينما وضعها على صدورنا مرحنا وقهقهنا وجرى الدم المنتعش في عروقنا.. خرجنا من الغابة الخضراء نحمل هواءها النقي في صدورنا ونحن نردد مع ميحد حمد أغنيته الشهيرة عن وشاح والتي تقول:
شفت برقٍ لاح
امس صوب وشاح
بالدجى وضاح
ومسوي شيعيل
نوره الوضاح
شدني جدواه
براقن زيناه
كيف انا بنساه
والله مستحيل.

سعيد وذكريات الغابة
سعيد بن مطر عبيد بن دلموك الكتبي، رئيس قسم الزراعة والبيئة في بلدية الذيد، شاب في الثلاثينات من عمره، شديد الحماسة لبيئته وشعبه، وخاصة لمحمية سيح البردي بمنطقة وشاح، قال عن علاقته بالغابة: كنت أخرج مع أبي وأنا صغير أتجول معه في نواحي وشاح أزور فرجان العرب، حيث كان أبي يعمل في الطب الشعبي ويطلبه الجميع للاستشفاء، وكان كل فريج حينئذ يعرف باسم الطوي الذي يلتف الناس حوله طلباً لأسباب الحياة، وغابة وشاح هذه كانت يومها مفتوحة مرتعاً للقنيص والاحتطاب وصناعة الفحم وأبي مطر كان يعمل بهذه المهنة أيضاً، وكنا نمر خلال هذه الأشجار باتجاه منازل الفرجان المتفرقة لذلك أعرفها شبراً شبراً وله معها ذكريات تجدد وأذكر أن الناس كانوا يجمعون من هنا حتى الحصى الصغار للبيع.
أجيء إلى هنا من وقت لآخر أستمتع بهبوب الكوس وظلال السمر المعمر، وأفتح التسجيل لأغني مع بالروغة مناجيا الطيور على الغصن:
يا طير سلم على الحبيب
قول له تراني مستصيب
وجروح قلبي ما برت
وانت الدوا وانت الطبيب


