في رحاب مؤسسة سلطان بن علي العويس الثقافية أقيمت على مدى يومي 12 و13 أبريل الجاري، ندوة ثقافية احتفاءً بالشاعروالأديب السوري الراحل محمد الماغوط (1936 ـ 2006) تحت عنوان «محمد الماغوط.. تغريد خارج السرب» نظمتها المؤسسة وشارك فيها نخبة من الشعراء والأدباء والباحثين، وحضرها الدكتور محمد عبدالله المطوع الأمين العام لمؤسسة العويس الثقافية، وعبدالحميد أحمد رئيس تحرير صحيفة «جلف نيوز» والباحث والأكاديمي الدكتور سليمان الجاسم، وناصر حسين العبودي عضــو مجلس أمنــاء المؤسسـة، وجمهور نوعــي مـن الأدباء والمثقفين.
وطن وثورة
في اليوم الأول أدار الجلسة الأولى الشاعر حبيب الصايغ، الأمين العام للاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب رئيس مجلس إدارة اتحاد كتاب وأدباء الإمارات، مستهلاً الجلسة بوقفة حداد على روح الشاعر أحمد دحبور، ثم رحب بالحضور، وأكد أهمية تجربة الشاعر محمد الماغوط، ثم تحدث الدكتور مدحت الجيار أستاذ النقد الأدبي والبلاغة في جامعة الزقازيق المصرية، عن الوطن والثورة في شعر الماغوط وقال: إن الماغوط عبقرية شعرية ونثرية ومسرحية، فهو من أوائل الذين كتبوا الشعر الحديث، وله نتاج شعري متميز في مجال قصيدة النثر ومن أشهر دواوينه الشعرية: الفرح ليس مهنتي، حزن في ضوء القمر، لافتاً إلى أن الماغوط حالة شعرية مميزة في تاريخ كتابة قصيدة النثر فقد كتبها بطريقة مختلفة، فهو منحاز للوطن، ويقول الماغوط في حزن في ضوء القمر:
إنني هنا شبح غريب مجهول
تحت أظافري العطرية
يقبع مجدك الطاعن في السن
في عيون الأطفال..
رؤية شعرية
وأكد الجيار أن الماغوط حين يعالج المواقف الوطنية أو القومية كان يعالجها برؤية شعرية تنفي عنها اللحظية أو الآنية بل يمكن أن تنطبق على أي وطن، وعلى أي ثائر على وطنه، ويقول: لقد أنجز الماغوط طوال أربعة عقود نصوصاً مميزة في لغة راقية بعيدة عن الابتذال، صالحة بما تحمل من خصائص إنسانية وتجريدية لأن تعيش في المستقبل.
موجز الأخبار
الكاتب البحريني حسن مدن قال في حديثه عن الماغوظ: إنه الساخر، اللماح الذي قال مرة إن لا شيء يربكه مثل المديح، مبدع لا يعرف سوى الكتابة، يتحاشى مجالس الأدباء ويقول الماغوط: لا أذكر أنني جلست مع أدباء وتحدثت في الأدب، عالمي هو الكتابة، خارج دفاتري أضيع، إذا كان عندي رأي أفضل أن أكتبه على أن أحكيه، وتحدث مدن في ورقته تحت عنوان «الخطاب السياسي في النص المسرحي للماغوط» وقال: تساءل الكثير عن مدى حاجة الماغوط إلى المسرح، وهو الشاعر ورائد قصيدة النثر، الذي قلب مائدة الشعر فوق رؤوس الجميع، فقد لخص حاجته للمسرح بالقول: الشعر هو موجز الأخبار، في حين أن المسرح والصحافة هي النشرة الإخبارية بالتفصيل.
المهرج
وأشار مدن إلى أن المسرحيات الكثيرة التي كتبها الماغوط وقدمت على المسرح، لا نعثر منها إلا على ثلاث هي: «العصفور الأحدب» و«المهرج» الذي قدم على الكثيــر من خشبات المسرح في سوريا والبلدان العربية، و«خارج السرب» وقد اتخذ مدن مسرحية المهرج نموذجاً للوقوف على ملامح عنوان ورقته، مشيراً إلى أن ما يلح عليه الماغوط في المهرج، وفي أعماله المسرحية الأخرى، هو سطوة القمع وانتهاك الحريات وسلب كرامة المواطن العربي.
الأدب الشعبي
في الجلسة الثانية تحدثت الناقدة والشاعرة الإماراتية الدكتورة أمينة ذيبان عن الشعرية والنسق في أزمة القصيدة الحديثة: الشعر في ملتقى الحدث عند الماغوط وقالت إن الماغوط نسقي أو متوازن في قصيدة النثر، وشاعرية الحدث تخرج قبل شاعرية القصيدة في قصائده النثرية التي تعتبر هي الأهم بين لغة الأدب الشعبي.
فن المونتاج
عن «كاف التشبيه» و«واو العطف في شعر الماغوط» قال الشاعر فوزي يمين: الماغوط كان يستخدم «كاف التشبيه» بشكل كثيف، بحيث لا تكاد تخلو قصيدة من قصائده منها، ويستخدمها بطريقة مدهشة أشبه بصعقة كهربائية، ويوظفها توظيفاً كاملاً، أما «واو العطف» فوظيفتها عند الماغوط تغيرت من دورها البسيط وأصبحت أداة مهمة يوظفها بشكل كثيف.
أسطورة الأرض
في اليوم التالي أدارت الجلسة الثالثة الكاتبة الإماراتية فتحية النمر، وتحدث فيها الدكتور صديق محمد جوهر أستاذ الأدب الإنجليزي والنقد جامعة الإمارات عن «المقاربات النقدية في أشعار محمد الماغوط» وقال: من وجهة نظري تكمن عظمة الماغوط كإنسان ومبدع في ارتباطه العضوي الحي بأسطورة الأرض وأسرار النماء على نحو قد لا نجد نظيراً له في الشعر العربي الحديث، مشيراً إلى دراسة الناقد صبحي حديدي عن أهمية المجموعة الشعرية في قصيدة «حزن في ضوء القمر».
اقتناص المشهد
أما الزميل حسين درويش رئيس قسم الثقافة والمنوعات في «البيان» فقد جاءت ورقته تحت عنوان «اقتناص المشهد الدارج في شعر محمد الماغوط» منوهاً بداية إلى أن الماغوط شاعر مهم في مرحلته، فهو لم يتبع قاعدة مألوفة في كتابة القصيدة، ولم ينهج على منوال السائد في تلك المرحلة، ولم يكن يتقن سوى العربية وبالتالي لم يقلد صوتاً معروفاً في الشعر العالمي.
وأكد درويش أن الماغوط لم ينتم إلى مدرسة شعرية، وهو ما جعل شعراء «مجلة شعر» ينظرون إليه من زاوية مختلفة، ولم يكن سهلاً ضمه إلى تيار أوكسفورد أو السوربون حيث التيار الأنغلو ـ سكسوني من شعراء قصيدة النثر العرب مثل توفيق صايغ وإبراهيم شكر الله، ويقابله تيار فرنكوفوني يضم أدونيس وأنسي الحاج، لافتاً إلى أن الماغوط لو ترجم إلى لغات أخرى مبكراً لكان رائداً في شعر نثري ساخر قبل جاك بريفير.
جائزة العويس
وتعذر حضور الشاعر والروائي عبده وازن، وقد قرأ ورقته نيابة عنه الأديب عبدالإله عبدالقادر، والتي كانت بعنوان «الوجه الآخر لمحمد الماغوط» ونقتطف منها: لا أعتقد أن شاعراً استطاع أن يحافظ على أثره الجارح والعميق مثل محمد الماغوط تقرأه مرة تلو أخرى فتشعر بأنك تقرأه للمرة الأولى، هذا شاعر قادر على التجدد دوماً وعلى صدم قارئه حتى وإن حفظ هذا القارئ شعره غيباً، مشيراً إلى أن تجربة الماغوط الشعرية تجربة سهلة وغير معقدة.
الماغوط والدولار
قال الأديب عبدالإله عبدالقادر حكاية عن الشاعر والأديب السوري محمد الماغوط عندما فاز بجائزة الشعر عام 2006 من مؤسسة سلطان العويس الثقافية وحصل في ذلك الوقت على 120 ألف دولار أميركي، وعندما سلمنا له شيكاً بالمبلغ قال: ما هذا.. قلنا له المبلغ المطلوب، فقال: تعطيني ورقة بـ120 ألف دولار، يا أستاذ أنا عمري ما شفت الدولار في حياتي، فقلت له ماذا أفعل لك قال: تذهب للبنك وتصرف الشيك، أريد استلام المبلغ نقداً «فراطة» من ذات الفئة الصغيرة.


