الزعم بأحقية النفايات في أن تصبح مجالاً لعلم مستقل «علم النفايات»، مثلاً، ليس ضرباً من الجنون، ففي السنوات الأخيرة بات الاهتمام بالقمامة يصل درجة الهوس الإعلامي والثقافي معاً، خاصة في ظل ضغوط نشطاء إصحاح البيئة وصداقتها ومبادرات فقهاء التنمية المستدامة، حيث كان العدو المستهدف دائماً هو فائض الاستهلاك وآثاره التلويثية المتوقعة على المحيط الذي يحيا فيه الإنسان المعاصر وبقية الكائنات المعرضة للخطر من جراء ذلك.
وبالتالي فإن القمامة هي مظنة إفساد للحياة على كوكب الأرض.
وإذا كان العقلاء من الناس يردون الآثار السلبية للنفايات إلى مصدرها الحقيقي وهو الإنسان الذي يسرف في الاستهلاك ويهدر الموارد الطبيعية، إشباعاً لرغباته ونزواته بجشع متجدد، فإن بعض المبدعين يذهبون أكثر من ذلك إلى تبرئة القمامة من مسؤولية الإضرار بالبيئة، بل يصلون إلى حد اعتبارها متضرراً، حيث جرى تحويلها إلى سقط متاع ذنب، وإلى كم مهمل ومنبوذ ومتهم رغم أنه مفعول به أو ضحية سلوك منحرف.
ولذلك انبرى أولئك المبدعون إلى إعادة الاعتبار لكل ما يمكنهم إنقاذه من النفايات المظلومة، وإعادة تدويرها فنياً، بمعنى ردها إلى دورة الحياة من خلال منحها دوراً فعالاً ككائن جذاب ونشط يؤثر في حياة الإنسان ويثير إعجابه بل ويوجه خواطره وأفكاره على نحو إيجابي وملهم باتجاه التعايش حتى مع المنبوذات، تعزيزاً لمصادر السعادة والتوازن والمنافع المتبادلة.
إن إعادة تدوير النفايات Waste Recycling ظاهرة حضارية انتظمت الحياة المعاصرة على نحو واسع منذ منتصف القرن المنصرف، وقد طالت مجالات شتى أهمها الصناعة التي تعيد إنتاج الهدر أو المهمل في شكل منتجات جديدة لها وظيفة وفائدة وتندرج في حركة الحياة الفعالية، ولكن رغم ذلك فإن كم الهدر ضخم جداً ومستمر، ولابد من إيجاد أساليب تدوير أخرى غير الصناعية..
وفي هذا السياق تأتي الخطوة المهمة التي تصدى لها لفيف من التشكيليين الاستثنائيين، بينهم أصحاب مدرسة الفن المفاهيمي conceptual art ومنهم كذلك فنانون ينتمون إلى توجهات تشكيلية أخرى كالسوريالية تعتمد الكولاج وغيره، فأدخلوا قطع القمامة في لوحاتهم، ضمن الخامات المستخدمة لديهم، ومن هنا قلنا إنهم يبحثون عن الجمال وأسبابه في صناديق القمامة والمكبات التي يعافها الناس، ومن أولئك السريالي بابلو بيكاسو القائل يوماً: الفن ليس الحقيقة، إنه كذبة تجعلنا ندرك الحقيقة.. ومهما يكن فإن تلك هي النزعة الإنسانية الجريئة التي يتمتع بها الفنانون دون غيرهم من التقليديين الذي يعيشون على تنميط الأشياء.
. حيث القمامة هي مصدر القبح والإشاحة بالوجه بعيداً.. إنهم مبدعون مختلفون، يبحثون عن منابع الجمال في كل شيء ويحسنون الظن حتى بالنفايات المستقبحة فيحولونها إلى حسن وبهجة تسر الناظرين انتصاراً لكل ما هو مهمش، بينما يمكن توظيفه وإشراكه معنا في الإيجابية بل وتحويله إلى مصدر سعادة وطاقة إيجابية للإنسان.
إنه الفن. ولقد قال الشاعر الكبير إدريس جماع يوماً:
خُلقتْ طينة الأسى وغشتها
نارُ وجدٍ فأصبحتْ صلصالا
ثم صاح القضاء كوني فكانت
طينةُ البؤس شاعراً مثّالا
حاسرَ الرأس عند كل جمالٍ
مستشفّاً من كل شيء جمالا
هذا قدر المبدع الحقيقي.. إنه أولاً يحني رأسه إجلالاً وتعظيماً أمام كل جمال يصادفه، بل لا يقف قدره عند هذا الحد، وإنما يستنبط من كل شيء جماله الخاص، فيحني له رأسه، وبالتالي فالفنان هو ذلك المندهش الأكبر، من كل شيء موجود بوصفه جميلاً بشكل ما، وأنه يستحق الانحناء والتجلة.
وفي «مسارات» اليوم نتحرى جلية الأمر في هذا الشأن الحيوي، نسأل بعض الفنانين التشكيليين عن تجاربهم المتعلقة بإعادة تدوير القمامة فنياً.. ما دوافعهم للبحث عن الجمال هناك بين الأنقاض وأكياس المهملات؟ وماذا حققوا يا ترى للفن ولأنفسهم وللمجتمع من جراء هذا الصنيع؟
الفنان مكتشف
العنود العبيدلي، فنانة تشكيلية، ترى أن الأشياء أو المواد اليومية تكشف وقائع الطبيعة وقوانينها، والفنان مكتشف لأشكالها وصورها، فالأشياء اليومية ليست مجرد قطع مبعثرة، بل هي أشكال رمزية تكشف عن أشكال حياتنا اليومية، والعملية الفنية، وكذلك الحوار بين الفنان والمشاهد، وأيضاً الفن..
لا يرمي إلى التعبير عن حالة وجدانية محددة، بل ينقل العملية الديناميكية التي تحدث في الإدراك الفني، وتضيف العنود: لقد أصبح التركيز الآن ليس على العمل الفني نفسه والحرفية في صنعه، وإنما فيما يقدمه الفنان من أفكار وتصورات وأسئلة، ومفاهيم جديدة، وهكذا فإن الفن لا يمكن أن يبقى مجرد تكرار آلي للواقع، لأن ذاتية الفنان تلعب دوراً كبيراً في إنتاجه الفني وعلاقته بالطبيعة أو البيئة.
وتقول العنود العبيدلي: يتضمن التركيز على الأشياء أو المواد اليومية، إلى تقوية الواقع من خلال عملية تجسيم المواد، لتعليمنا كيف ندرك العالم المرئي، وكيف نختزل الواقع ونختصره. وتضيف: لم تعد وظيفة الفن، أن نقدم للمشاهد الإبهار البصري، ولكن أصبحت وظيفته العمل كمحفز للأفكار التي تعيد تعريف علاقتنا بالعالم، ومحاولة التفسير الفكري للأشياء اليومية.
فلكل فرد، تجربته الشخصية التي تتولد عن الإدراك البصري والحسي، من خلال تعاملنا مع الأشياء في الطبيعة، وتستطرد قائلة: الفن ليس مجرد أشياء نجدها في المتاحف ومعارض الفنون، بل هو كالأشياء من حولنا في البيئة، ولذلك فإن تعريفنا للفن هو: كل ما نصنعه من الأشياء، لقدرتنا على التناغم بين العلاقات الشكلية ما بين الأشياء، وهي علاقات تنطلق من التسوية بين الفرد والأشياء اليومية، وهكذا يصبح الهدف لكل منهما هو الفعل مقابل رد الفعل الذي تتبعه استجابة بصرية وحسية، من أجل الانغماس في النشاطات الفنية للفرد.
الفن والبقايا
باسم الساير، فنان تشكيلي يؤمن بأن البيئة التي نعيش فيها هي بيتنا الكبير الذي يضم كل الكائنات الحية والطبيعية. وهي هبة من الله تعالى تستوجب الشكر، ويقول إن الرعاية والمحافظة عليها هي ما يتعين القيام به من جانبنا، حتى لا نفسد من حولنا عناصر الحياة الأساسية التي تتمثل في الماء والهواء والغذاء. حيث إننا لا نستطيع التحكم في بيئتنا ما لم نتحكم في أنفسنا عن طريق الاهتمام بالنظافة ونشر الوعي لإنقاذ البيئة من السلوك السلبي للإنسان.
ويدعو الفنان باسم إلى الوعي الحقيقي الذي يبدأ في نظره من البيت، وذلك بحسن التربية وغرس القيم النبيلة في أبنائنا فنعلمهم معنى جمال الطبيعة وإماطة الأذى عن الطريق، وكيفية المحافظة على جمالية المدينة، لأن أسلوب التربية الذي يتعود عليه الأطفال سوف يلازمهم طوال حياتهم.
ويدعونا باسم الساير قائلاً: إن الكثير من النفايات التي نتركها يمكن الاستفادة منها مرة أخرى وإن لها استعمالات متعددة، ويمكن تحويلها إلى فن، وهكذا تصل الرسالة إلى المجتمع بضرورة الحفاظ على البيئة. وتشجيع الفنانين على اعتماد هذا النمط من التعبير الفني ونقل أعمالهم إلى حيث توجد شرائح واسعة من الناس لتعويدهم عليها، وحث ذائقتهم الفنية على تقبلها بل والمساهمة في توفير مستلزماتها ما ينعكس إيجاباً على أسباب الحياة بخفض حجم النفايات وضغطها المتزايد على البيئة.
إضافة إلى ما تقدم، فإن من شأن مثل هذا السلوك المطلوب خلق ثقافة فنية جديدة غير معروفة، ويمكنها تحريك ركود الحركات الفنية التقليدية والمساهمة في تفعيلها ومنحها حيوية وتجدداً وآفاقاً واسعة للابتكار والإبداع.
وفي نظر الساير، فإن وضع الفن في خدمة البيئة، من خلال تدوير النفايات غاية نبيلة وطريق يمكن أن يحرض المواطن والمسؤول للاهتمام بالنظافة البيئية وتعميمها. كثقافة جديدة نحن في أمسّ الحاجة لها.
رسالة باسم هي أنه يجب أن نتعلم كيف نعيش بأقل قدر ممكن من المستهلكات، ونتعلم كيفية الاستفادة من الخامات المتاحة والتي يمكن إعادة تصنيعها في تصاميم وأعمال فنية بديعة، مستوحاة من خيال الفنان الواسع، وأنه ينبغي علينا أن نتعلم ثقافة الاكتفاء والاستعمال المتكرر للأشياء وهي موجودة في موروثنا الشعبي وعاداتنا.
ويذكرنا بموروثات صديقة للبيئة فيقول في الماضي كنا نحول الملابس القديمة إلى بساط نجلس عليه. وبقايا طعامنا للمواشي والطيور. لعل هذا هو الحل الأمثل الآن لصداقة البيئة والابتعاد عن التبذير والتقليل من استهلاك الطاقة. وخفض كمية النفايات لكي نصل استدامة مواردنا الطبيعية وإلى عالم نظيف وصحي.
القبح مصدراً للجمال
الباحث والكاتب محمد جقدول يبدأ إفادته بقول تاداو أندو «سر النجاح أن تجعل يدك امتداداً لكل ما يفكر به عقلك، فهكذا يتم خلق الأشياء»..
ويضيف: أبو عثمان الجاحظ، صاحب كتاب الحيوان، يمثل حالة قبح فيزيقي، وهو من أنتج جمالاً معنوياً حاسماً وعالياً، لا جدال فيه، ما يزال ماثلاً بيننا رغم تطاول الزمان.
ويذهب جقدول إلى القول إنه: من المثير أن نعرف أن ذاكرة التاريخ الغائرة والقريبة تحتفظ فى أدق تفاصيلها بمسألة غاية في التعقيد، فما برزت أي صورة جمالية سواء في الأدب أو الفن إلا وتبدى لنا من خلالها جانبان يتناقضان كلياً.
لذلك ففي أوج بذخ الفن التشكيلي برزت مدرسة الدادائية التي تنادي بعكس القديم والمستهلك وخلطت المفاهيم القديمة بصخب ألوانها، ضاربة بالجذور والأسس عرض الحائط، وهذا يدلل على أن ذاكرتنا الجمعية نزاعة إلى خلق الجمال حتى من القبح.
ويضيف: في الآونة الأخيرة برزت تيارات فنية تعمل على تحويل القمامة والنفايات إلى لوحات بديعة غيرت الصورة القبيحة المرسومة عن عالم القمامة، ومن أبرز المساهمين في هذا التيار الأميركي من أصل برازيلي فيك مونيز وهو أحد الداعمين لـ«جمعية جامعي القمامة» وقد صور أشهر اللوحات العالمية كالموناليزا وغيرها بهياكل من القمامة وفي العام 2010 أخرج لنا لوسي ووكر فيلماً يحمل اسم (waste land) يرتكز على أعمال مونيز عن أكبر مقلب قمامة في العالم بمدينة ريو دي جانيرو البرازيلية، ليأخذنا في رحلة عاطفية غريبة في محاولة منه لتسليط الضوء على العاملين بمجال إعادة تدوير النفايات، وقد حاز الفيلم 15 جائزة عالمية والعديد من جوائز الأوسكار.
ويمضي جقدول إلى ضرب أمثال، فيقول: هناك الكثير من الفنانين الذين يحاولون تصحيح الفكرة حول القمامة فنجد الفنان إدوارد مارتينيت (من ليمانس – فرنسا) قد أبدع تحفاً فنية تمثلت فى تشكيل علب الخردة إلى أشكال حيوانية آسرة، والفنان كريستو الذي صنع جسراً عائماً في بحيرة إيزيو الإيطالية من خلال مكعبات الماء والذي أنعش مشروعه السياحة في هذه البلدة الصغيرة ويدر دخلاً سنوياً يتجاوز 88 مليون يورو.
ويظل السؤال في نظر جقدول قائماً، ومفاده: كيف يمكن أن نجد حلولاً لهذه المشاكل البيئية وإفرازات الاستهلاك المفرط الذي قاد الشركات إلى التوسع في عملية التعليب بما جرنا لهذا الجنون من أمراض وصراعات مختلفة تشكك حتى في صلاحية العيش على الأرض في غضون عقود قريبة، إذ لم نبادر إلى إيجاد حلول ناجعة تجنبنا الكارثة القادمة، وفي اعتقادي الفن أحد أهم تلك الأذرع التي من شأنها دق ناقوس الخطر في ظل التخدير العالمي الذي تنتجه الشركات الساعية فقط إلى تعظيم ربحيتها حتى لو كلف ذلك فناء الحياة على الكوكب الأخضر، ووحدها الفنون والثقافة يمكنهما أن يعيدا لنا حاسة الجمال حتى من الأشياء التي لا قيمة لها.




