الطفل محور اهتمام الدول، وبمعرفة مقدار الرعاية التي يحظى بها، يمكن التنبؤ بغد المجتمعات ونهضتها وتقدمها، وفي ظل تزايد شعبية «السوشال ميديا» وتأثيرها الكبير في عملية التنشئة، أصبح فصل طفل اليوم عن معطيات عصره أمراً مستحيلاً، ما دعا الكثير من وسائل الإعلام المرئية والمطبوعة والمسموعة الموجهة للطفل إلى تطوير نفسها ومواكبة مستجدات التكنولوجيا الحديثة، بما يعزز مكانة مضمونها عِماداً للوعي الثقافي والولاء الوطني والإبداع لدى الأجيال، ويرسخ دورها كإحدى أهم الدعائم الاستراتيجية لاستشراف المستقبل.

الإعلام التربوي

لفتت الدكتورة وداد ظافري، وهي أستاذة مساعدة في كلية الاتصال والدراسات الإعلامية في الجامعة الكندية بدبي، إلى أهمية التركيز على أهمية الإعلام التربوي، خاصة في ظل تعاظم شأن مواقع التواصل الاجتماعي، المالكة لجمهور عريض من الأطفال والمراهقين والشباب.

وقالت: يجب على المؤسسات التربوية توظيف الإعلام الحديث لخدمة التلاميذ والطلبة في المدارس والجامعات، فمن خلال التطرق إلى مصطلح وزارة التربية والتعليم، نرى أنه لا يمكن تعليم جيل بدون تربيته أولاً، لأن هذه الأخيرة عبارة عن عملية اتصالية بهدف إعداد وتأسيس أفراد صالحين في مجتمع ما، لإمكانية إكسابهم السلوكيات الصحيحة للتعامل مع بيئتهم الاجتماعية أولاً، ثم لكسب المعارف والعلوم لخدمة المجتمع ثانياً.

وتابعت: تكمن أهمية الإعلام التربوي، في كونه نظام إعلامي يخدم الجوانب التربوية عن طريق تسخير جميع الوسائل الإعلامية التقليدية والحديثة، بهدف تحقيق الأهداف التربوية والإعلامية معاً، وهذا من شأنه تعديل سلوكيات وتوجهات المجتمع نحو الاتجاه الصحيح.

كما يركز الإعلام التربوي على نشر كل ما يحدث داخل الميدان التربوي عن طريق توظيف وسائل الإعلام ذات التقنية العالية، وربط الوسائل التقليدية بمواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى لجميع الطلبة بمختلف شرائحهم وفي وقت متابعة كل ما يتعلق بهم.

تجربة جزائرية

وتطرقت ظافري إلى تجربة الإعلام التربوي في مدرسة «العقيد عميروش» بالجزائر. وقالت: كانت المدرسة تشجع الطلبة على الكتابة في مجلات علمية وثقافية وترفيهية في أوقات فراغهم، كما تضمنت المدرسة نوادي متعددة داخلها، بهدف تنمية وصقل مهارات كل تلميذ في المجال الذي يريده.

فكان هناك نادي الكومبيوتر وآخر للمطالعة وثالث للرياضة، وأندية أخرى للرسم، والأشغال اليدوية، والطوابع البريدية، والحيوانات، والشطرنج، والسينما، والفيديو، والعلوم، والزراعة، وإضافة إلى ذلك، كان يتم تغطية أهم الفعاليات والنشاطات المدرسية على القناة الفضائية الوطنية وفي الصحف اليومية.

قنوات تلفزيونية

وبسؤالها عن وسائل إعلام الأطفال الأكثر تأثيرها في ظل الثورة التكنولوجية الحالية، قالت: عدد القنوات التلفزيونية الموجهة للأطفال في الوطن العربي لا يتعدى أصابع اليد، ولا أحد ينكر تأثير التلفزيون الكبير في الأطفال دون سن 12 عاماً.

وذلك من خلال تخصيص برامج تعليمية تربوية تشد انتباههم، ورغم أننا نشهد اليوم قنوات خاصة بالأطفال، إلا أنها غير فعالة، لتركيزها على الرسوم المتحركة بالدرجة الأولى، وعرضها لسلوكيات عدوانية وقيم غير أخلاقية تثير غرائز الطفل في أحيان كثيرة بما يتنافى مع قيمنا وأخلاقنا وديننا السمح.

فمثلاً، قناة «طيور الجنة» وإن كان يحسب لها ترسيخ العادات والقيم الإسلامية لدى الأطفال وسلوكيات التعامل مع الأهل والمجتمع، إلا أن هناك نقاطاً سلبية تؤخذ عليها وهي محاولة ربط أي قيمة أخلاقية لدى الأطفال بالغناء والرقص بشكل مبالغ فيه.

وأضافت: قناة «ماجد» التي كانت بالأساس عبارة عن مجلة يطالعها الأطفال ويستفيدون منها، أصبحت قناة تلفزيونية للأطفال، ورغم تركيزها على الرسوم المتحركة والمسلسلات الكرتونية، إلا أنه يمكن اعتبارها بداية لتحقيق أهداف الإعلام التربوي.

خطوة تاريخية

أما عن الإذاعات فقالت ظافري: تخصيص إذاعة للأطفال مثل إذاعة «بيرل» خطوة تاريخية هامة في إعلام الطفل، لاسيما وإنها تخدم المدارس والطلبة وأولياء الأمور بأسلوب احترافي وعمل منظم ودقيق.

وحول تأثير مجلات الأطفال في وقتنا الحالي، قالت: هي مهمة جداً لكونها تقدم للطفل خبرة القراءة الأولى، ويرتبط نجاحها ونجاح وسائل الإعلام التي تستهدف الطفل عموماً بوجود خطة إعلامية استراتيجية موجهة للطفل ومرتكزة على مجموعة من القيم والمعايير والمبادئ والمُثل التي لا بد أن يتحلى بها أطفالنا، ووجود أيضاً كوادر إعلامية تعمل على إعداد وإخراج مضامين إعلامية موجهة لإعداد جيل صاعد يُعتمد عليه مستقبلاً.

إذاعة «بيرل»

من جانبه قال عادل عمر، مدير إذاعة «بيرل» التابعة لمركز الجليلة لثقافة الطفل بدبي، حول أسباب نجاح الإذاعة الموجهة للأطفال باللغة الإنجليزية، وقال: انطلقت الإذاعة في عام 2014 بالاعتماد على فريق عمل أجنبي محترف ومخضرم، وضع الأسس وحدد الأهداف بما يعزز عملية البناء النفسي والفكري والأخلاقي للأجيال ويحفزها على الابتكار والإبداع، ويدعم التوجهات الوطنية لاستشراف المستقبل.

وتابع: اعتمدت الإذاعة في مرحلة لاحقة على كوادر إماراتية شابة ومؤهلة وذات كفاءة وبراعة في مخاطبة عقل الطفل وعاطفته، ونجحنا في أن نكون جزءاً من نسيج المجتمع، عبر بث رسائل تربوية وإنسانية تعزز تلاحم المجتمع وتماسكه.

مقاييس النجاح

وحول مقاييس النجاح، قال: بناء على طلب الأطفال والأهالي أصبحت مدة البرنامج الصباحي 3 ساعات بدلاً من ساعتين، حيث يبدأ في السادسة صباحاً ولغاية التاسعة صباحاً، كما أن هناك مجموعة من الأطفال يحرصون على الحضور لاستوديوهات الإذاعة صباحاً للمشاركة في فقرات البرنامج قبل ذهابهم إلى المدرسة، ما يعكس تعلقهم بالمضمون ونجاحنا في إيصاله إليهم وفق الأساليب الحديثة.

وليس هذا وحسب، بل كان لدى الإذاعة في بدايتها بدالة من خط واحد، وحالياً أصبح لدينا بدالة من 8 خطوط لتستوعب كم المشاركات الهاتفية الكبير، إضافة إلى أننا حريصون على التفاعل ميدانياً مع أطفال المدارس، وعرض المواد والتقارير التي تساعدهم على التفوق الدراسي.

أسلوب عصري

ولفت مدير إذاعة «بيرل» إلى أن الإذاعة ليست ربحية بل تثقيفية، وهذا ما جعلها تمضي قدماً في مسيرتها، وقال: في ظل انتشار مواقع التواصل والإقبال الكبير عليها، وعرض بعض القنوات التلفزيونية لرسائل هادمة للطفل، تصبح الحاجة إلى إذاعة مثل «بيرل» ملحة وضرورية لإعادة التوازن إلى حياة الطفل من النواحي الفكرية والصحية والنفسية والقانونية والاجتماعية، حيث نقدم في الإذاعة مسابقات وبرامج تتوافق وسن الأطفال، كما نقدم التوعية والتوجيه بأسلوب عصري مدروس.

ولدينا فريق فني متخصص مهمته الاستماع إلى جميع الفواصل الغنائية قبل بثها وانتقاء أفضلها بما يراعي مشاعر الأطفال وعاداتنا وقيمنا، أما فريق الإنتاج في الإذاعة فمهمته ابتكار فواصل تثقيفية، وبالنسبة للإعلانات فنحرص على عرض الإعلانات لا تؤثر سلباً في ثقافة الطفل، علاوة على أننا نرفض إعلانات المشروبات الغازية والوجبات السريعة.

«سوشال ميديا»

وتعمل إذاعة «بيرل»، على توظيف التطورات التكنولوجية، بما يمكنها من الوصول إلى أكبر شريحة من الأطفال في العالم، لاسيما وأن طفل اليوم لا يمكن التواصل معه بمعزل عن معطيات العصر الحديثة.

وقال: لدينا منصات رسمية على مواقع التواصل الاجتماعي، إضافة إلى النقل المباشر من الاستوديوهات في بعض البرامج على منصات «السوشال ميديا»، ما قربنا إلى الأطفال أكثر، ولتوسيع نطاق التثقيف والتوعية ستنطلق إذاعة باللغة العربية عندما يتوفر التردد قريباً.

«حبايب البيئة»

في عصر الهواتف الذكية لا تزال كثير من المؤسسات حريصة على إنتاج مجلات هادفة للأطفال تكون كمتنفس لهم، تقدم المعلومات والقصص والحكايات والمعرفة والمسابقات ضمن قالب فني مثير ومشوق، ما يثير التساؤلات حول وجود طفل قارئ للمجلات وسط تعاظم شعبية «السوشال ميديا».

وفي هذا الإطار، قال د. محمد أحمد بن فهد، رئيس اللجنة العليا لمؤسسة زايد الدولية للبيئة، حول إطلاق مجلة «حبايب البيئة» وهي مجلة بيئية للأطفال من عمر الثالثة وحتى الثانية عشرة عاماً: الطفل مركز اهتمام مختلف دول العالم، ويتوقف مستقبل المجتمع الدولي على المناخ الصحي الذي يوفره للأطفال.

وقد اتفق علماء النفس على أن مرحلة الطفولة عند الإنسان هي أطول مراحل الطفولة بين الكائنات الحية، وعلى الرغم من الاختلاف في تحديد هذه المرحلة إلا أن الثابت أن صحافة الأطفال تلعب دوراً مهماً في حياة الطفل، كونها تتمتع بقدرة هائلة على التأثير في مجال تربية الصغار، لكونها تعمل على غرس القيم لدى الطفل وتنميته وإشباعه عقلياً وعاطفياً واجتماعياً، فضلاً عن تنمية ميوله القرائية وتذوقه الفني والجمالي.

طموحات وأهداف

وحول توقعات النجاح والانتشار لـ«حبايب البيئة»، أوضح أن هدف المجلة النهوض بمواهب الطفل وتنمية شعوره بالمسؤولية تجاه البيئة وترسيخ هوية ثقافية إيجابية، وقال: ندرك أن الطفل اليوم هو الشاب غداً، وهو الذي يعتمد عليه الوطن في تسيير شؤونه وتحقيق متطلباته وطموحاته، ويأتي إطلاق المجلة تماشياً مع مبادرات الدولة الرامية إلى التثقيف الأخلاقي والاجتماعي والإنساني.

وبما يعزز العلاقة بين الطفل والكتاب، ويساعد على تشكيل اتجاهات الطفل وصياغتها بما يتفق مع المستقبل الذي يطمح إليه المجتمع، ونحن على ثقة بقدرة محتوى المجلة على تحسين أداء الطفل في المجتمع وتقويم ما يصدر عنه من سلوكيات وتوجهات، بما يتفق مع التنمية وخطط الدولة بالنهوض للالتحاق بركب التنمية والتقدم والرخاء.

أجيال قارئة

أكد د. محمد أحمد بن فهد، رئيس اللجنة العليا لمؤسسة زايد الدولية للبيئة، أن الكلمة المطبوعة لا تزال قادرة على الاحتفاظ بقوة تأثيرها في الجمهور القارئ سواء الكبار أو الصغار، وأن مجلات الأطفال ثمرة تحضر المجتمعات، وهي ضرورة لأجيال قارئة ومحبة للكتاب والمعرفة.