قال: «أنت اليوم رجل، ويمكنك أن تقرر، اتخذ قرارك بشجاعة»..ثم ساد المكان الصمت، وكأن جميع من في الغرفة ينتظر كلمتي، حتى ينفضّ الجمع ويذهب كل واحد منهم لحال سبيله.

بينما كنت في هذه اللحظات بمثابة كائن انفصل عن محيطه، لم يقوَ عقلي على حل المعضلة التي اعتبرها فوق قدراتي التفكيرية والعاطفية والنفسية.

اخترق الصمت المالح كلمات أمي وهي تقول: «اسأل قلبك، من الذي كان دوماً بقربك يا صغيري، ومن الذي منحك الحنان وذهب بك نحو المدرسة في صفك الأول، ووقف معك في كل جزئية من حياتك»..

قاطعها صوت أبي، وهو يصرخ: «كفى، لا يوجد ما يدعو للتأثير عليه، محاولتك تدل على عجزك، أنت من تسبب بانهيار هذه الأسرة، وتفريق شملنا، والآن تريدين تجريدي حتى من طفلي الوحيد، تريدين اخذ كل شيء من يدي».

ضرب القاضي بيديه على الطاولة التي أمامه وهو يقول: «أنتما الاثنين، إذا لم تلزما الصمت سأطلب أن تغادرا الغرفة».

عاد الصمت ليهيمن على المكان مرة أخرى، ولكن كانت النظرات مصوبة نحوي بشدة أكبر، كان صمتي يجرح أبي، ويؤلم أمي، أما الآخرون فكان صمتي عبارة عن وقت ثمين يفقدونه دون مبرر..

نظرت نحو القاضي، قلت بصوت خفيف وواهن: «أريدهما الاثنين». المحامي الذي كان يرافق أبي، وهو يصك بيديه وكأنه كان يشاهد مباراة لكرة القدم وأهدر مهاجم فريقه فرصة محققة لتسجيل هدف، بينما أمسك أبي على رأسه، أما أمي فقد أجهشت في البكاء.. وبينما كان القاضي يحاول تمالك نفسه من الغضب، عدت أقول بصوت مرتجف وخائف: «حسناً هل يمكن أن أكون مرة عند أبي ومرة عند أمي»..نظر القاضي نحو أخصائية الرعاية الاجتماعية، وصرخ بها: «ما الذي كنت تفعلينه مع هذا الطفل طوال أسبوع؟» أجابته وفي كلماتها بعض الحدة: «جاء في التقرير الذي بين يديك أنه يحتاج لوقت ليستوعب ويفهم الذي حدث».

رفع القاضي الجلسة وأجل النطق بالحكم، إلى نهاية الشهر القادم، لعلي استوعب الموضوع ولمنحي فرصة للتفكير.

فكرت، وحزمت أمري، أن ارحل، لأختفي عن الجميع في أي مكان، ذلك خير لي من مواجهة لحظة أضحي فيها بأحد والدي، كيف افقد احدهما فأيتّم نفسي بنفسي؟ اخترت الهزيع الأخير من ذلك الليل الشتوي الماطر، تسللت من غرفتي على أمشاطي دون أن أغلق الغرفة ورائي، اجتزت الفناء وأنا التفت ورائي، لم يسمعني أحد، ولكن في لحظة فتح باب الشارع فاجأني صوت انبعث من الباب عالياً، لم أحسب له حساباً، كما لم أتسبب فيه، يا إلهي، إنه أبي، دفع الباب بقوة، عائداً توه من الخارج، لم أكن أدري أنه كان في الخارج طوال هذا الوقت من الليل، الصدمة كانت قوية، حتى أنها أيقظتني من النوم، الحمد لله، إنه كابوس.