الغناء «الصنعاني» لون جبلي ينتمي إلى أعماق التاريخ اليمني فيما يعيد توليف اللحن مستأنساً بالشعر «الحُمَيْني» الذي لعب دوراً كبيراً في أفئدة الناس، وسار بعيداً مع دروب اليمانيين حتى وصل إلى الأندلس، وفي «حضرموت» نقف على اللون الساحلي الموشى بأصول الأصوات الخليجية.
الشعر الحُميْني باليمن هو نمط من الشعر الشعبي اليماني المُحايث للفصحى، بقدر حضوره الأُفقي في اللهجات المحكية، ويستمد هذا النمط من الشعر الخاص أنساقه البيانية من التراث التدويني الكبير الذي ينتشر في مكتبات اليمن التاريخية، كما أنه يُعبِّر عن جماليات المكان العامر بالخضرة والمياه، مما انعكس في أوصاف وغزليات نصوص الشعر الشعبي الحُميْني.
الحديث عن هذا النمط من الشعر الخاص بإقليم اليمن في الجزيرة العربية يُحيلنا إلى درجة حضوره الواسع في نمط الغناء الساحلي التاريخي بالخليج العربي، وتحديداً «الصوت»، وفي الذاكرة الموسيقية والشعرية المتهادية في سواحل الجزيرة العربية وعمقها الداخلي، مما يعيدنا إلى مربع الوشائج الثقافية الانتربولوجية في الذاكرة العربية.
تتنوع أغراض الشهر الشعبي في اليمن، وغالباً ما تندرج تلك الأغراض في الغزل الشفيف، والتغنِّي بالطبيعة، والحكمة، ووصف المرابع الجبلية المُسيجة بالخضرة والمدرجات، ووصف الدور المشيدة في أعالي الجبال والهضاب والسهول، بالإضافة إلى السجايا الأخلاقية الحميدة، وهنالك نمط يتغنى بالنزعة الحياتية «الأبيقورية»..
قرينة الحرية والمتعة، وفي كل الأحوال يترادف ذلك الشعر مع الغناء الفردي والإنشاد الجماعي والرقص بحسب الحال والمناسبة، ويحضر أيضاً وضمناً في المناسبات الدينية ذات الصلة بالإنشاد، وهناك نمط آخر يتصل بالهجرة والحنين للأرض، وكذا المواسم الزراعية المقرونة بالأمطار الغزيرة وشلالات المياه.
كل ذلك ينتمي للنمط الشعري الشعبي التاريخي، لكن المستجد يتَّعلق بمجالس الترويح عن النفس، والاتصال عبر الوسائط الإتصال المختلفة.
بالنسبة لأنماط «الصوت» الخليجي كان اتصالها بالشعر الحُميني اليماني موازياً للمقدمات الطلليَّة الفُصحى المستمدة من الشعر العربي التاريخي، ولعل نموذج أصوات الفنان محمد بن فارس والذي كتب عنه الباحث الموسيقي الإماراتي علي العبدان، خير مثال لما نرمي إليه، حيث اتخذت الألحان طابعاً خاصاً، وقد انعكس هذا الأمر على كامل الجغرافيا الموسيقية في دول الخليج العربي.
* بالنسبة للنمط الغنائي الإماراتي سنجد ظلال الخصوصية الخاصة في «الشلَّات» بمستوييها الفردي والجماعي الإنشادي، كما أن خاصية التنغيم بالصوت المجرد سمة حاسمة في هذا الباب، وسنرى أن النمط الإحيائي للفنان الكبير ميحد حمد، تعبير فلكلوري عن الخصوصية الإماراتية في المستويين الأدائي الصوتي، واللحني المقرون بالكلمات العامِّية الدارجة.
د. عمر عبدالعزيز
