اسمحوا لي أن أبدأ بالقول إنني لست خبيرة مختصة في علوم المكتبات، وإن ما يؤهلني للخوض في موضوع القراءة وأهميتها أنني أم لخمسة أطفال وجدة لأربعة أحفاد، وأنني قارئة نهمة، نشأت على محبة القراءة، وأن القراءة لعبت دوراً كبيراً في حياتي، إن لم تستأثر بحياتي جلها، الفضل كله لوالديَّ، فهما من غرس في نفسي حب القراءة، وقد بدأ كلاهما القراءة لي منذ أن رأت عيناي النور. ولطالما غنيا لي أغاني الأطفال ورددا القصائد.

كانا يقومان بفعل ذلك كل يوم. وقد كنت أتشوق لرحلة المكتبة الأسبوعية، وأنتظرها بفارغ الصبر، فقد كنا نذهب للمكتبة كلنا معاً، كل الأسرة؛ وغالباً ما كانت الكتب هدايا المناسبات والاحتفالات، وقد كان ذلك يسعدني، ولا يفوتني يوم دون الدعاء لوالديَّ، فقد كنت أنا وأخي محظوظين لحد كبير!

وما رسخه والديَّ لدي، رسخته في نفوس أولادي، وهم بلا شك يفعلون الشيء ذاته مع أولادهم، والنتيجة أن لدينا ثلاثة أجيال من عشاق الكتب. ولا يكلف «خير جليس» الآباء والأمهات، سوى بعض الالتزام بالوقت، وشيئاً من الإرادة لتحيد التلفاز، والتأكد من أن الهواتف المحمولة مخبأة في درج المكتب أو الخزانة، وليس هناك أي تشويش على القراءة لمدة 15 دقيقة يومياً.

يتساءل البعض لماذا المطالعة مهمة للغاية، ألا يذهب أبناؤنا إلى المدرسة للتعلم ومطالعة الدروس؟

أجل المدرسة تعلم أبناءنا، ولكنها لا تجعل منهم جيلاً مثقفاً، منتمياً، واعياً، إن عملية التعليم والتنوير تبدأ حتى قبل المدرسة، وأعظم ما نقدمه لأبنائنا في طفولتهم هو غرس محبة واحترام الكتاب في نفوسهم.

الكتاب أعظم هدية نقدمها لأبنائنا، إنه الكنز الذي لا تنفذ جواهره مدى الحياة، ومصدر الإلهام الذي ينير دروبنا ويوسع مداركنا.

فبمجرد أن نقلب غلاف الكتاب، نشرع حياة أطفالنا على الحلم والخيال ونجعل من التعلم متعة لا تدانيها متعة، ونضم العالم بين يدينا، فيغدو البعيد قريباً والصعب هيناً.

الكتب طاقتنا التي نطوف بها الكون، ومركبتنا التي نكتشف بها أسرار الفضاء، والغواصة التي نسبر بها أغوار المعرفة ونحيط بما لم نحط به من قبل، فعندما كنت صغيرة كنت أعرف الكثير الكثير؛ فمثلاً، عندما قرأت «هايدي»، عرفت كم كان من الصعب علي تسلق الجبال السويسرية، وتعلمت الاعتناء بالماعز، والكثير من الأشياء الأخرى، وبدأ حبي للخيول في عمر مبكر، منذ أن قرأت «الحصان الأسود».

تشير مجموعة كبيرة من البحوث بأن الطفل الذي يقرأ بانتظام من أجل المتعة، يغدو أكثر نبلاً وتعاطفاً، وأكثر تسامحاً، وتتشكل لديه ثروة كبيرة من المفردات تمكنه من التفوق على أقرانه، ليس في المدرسة فحسب، بل في حياته العملية أيضاً، ألا ندين بذلك لأطفالنا، ألا نتطلع لمنحهم مستقبلاً أكثر إشراقا؟

وكلما كان أطفالنا في عمر أصغر كان من السهل علينا أن نستنبت في نفوسهم محبة الكتب، ولكننا نستطيع أن نصطحب جميع الأطفال، من جميع الفئات العمرية للعالم السحري للكتاب. إذ يجدر بنا أن نساعد الأطفال الأكبر سناً في اختيار الكتاب المناسب في الوقت المناسب، مهما تباينت اختياراتهم، وتنوعت اهتماماتهم.

وحتى عندما يصبح الأطفال قادرين على القراءة بأنفسهم، يظل لقراءة الآباء والأمهات تأثير خاص ويستمتع بها الأبناء متعة فائقة.

وأسمى أنواع العطاء في عام الخير إهداء كتاب لطفل، أو لصديق أو لزميل؛ وأنصحكم بأن تشاركوا في احتفالات الكتب، في مهرجان طيران الإمارات للآداب من 3 إلى 11 مارس، وأن تزوروا الجلسات الأدبية الثرية، التي ستصيبكم بحمى القراءة، الحمى التي لا يبرأ المرء منها إلا بإدمان القراءة، ويا له من إدمان.

إنه لمن دواعي فخرنا، أنا وفريق المهرجان، أن نقدم لكم أكثر من 250 فعالية، لنضمن أن هناك ما يناسب كل الأذواق، وما يلبي كل التطلعات على صعيد مجالات الإبداع المختلفة، والمواضيع، والفئات العمرية، في أكثر من لغة.

تجدون كل المعلومات الخاصة بالكتّاب والجلسات على موقعنا: www.emirateslitfest.com

إيزابيل أبو الهول : حاصلة على وسام الإمبراطورية البريطانية والرئيسة التنفيذية و عضو مجلس أمناء مؤسسة الإمارات للآداب ومديرة مهرجان طيران الإمارات للآداب