بناء وعي الطفل أصعب من بناء ناطحات السحاب العملاقة، لاسيما وإن جودة البناء الأخلاقي والمعرفي لا تخضع لقياسات هندسية ومُسلمات رياضية وفيزيائية، بل إنها مرهونة بنوعية الغذاء العقلي والروحي المُتاح أمام الصغار والتحفيز على الإبداع ورعاية الطاقات الصغيرة وتوجيهها، وفي مركز الجليلة لثقافة الطفل بدبي، يخوض الصغار تجارب متنوعة تحرك خيالهم وحواسهم وتصقل مهاراتهم وتنمي لديهم الإحساس بالمسؤولية تجاه أنفسهم ومجتمعهم، وما إنتاج 1200 دمية من المُخلفات ضمن مبادرة إعادة التدوير البيئية التي تضئ عليها «البيان»، إلا منعطف فريد في سلوك وحياة شريحة كبيرة من الأطفال، خاصة وإن المبادرة ذات أبعاد فنية ونفسية.

تقول نصرة المعمري، ممثلة ومعلمة مسرح في «الجليلة لثقافة الطفل»: أنشطتنا في مركز الجليلة لثقافة الطفل ليست فعاليات عابرة، بل إنها وصفة نموذجية لأجيال مبدعة فكراً وثقافة ومعرفة.

تميز
وبسؤالها عن أحدث إبداعات وإنجازات المركز، قالت: يفخر المركز بقدرته على تحفيز الأطفال لصناعة وابتكار نحو 1200 دمية من المُخلفات، وذلك ضمن مبادرة بيئية لإعادة تدوير رُكام الخامات، بلغ عمرها العامين وها هي تخطو بتميز نحو إنتاج مزيد من الدُمى.

وتابعت: للمبادرة أبعاد فنية تتمثل في تطوير ذائقة الطفل ومهاراته وذهنه وخياله وإتاحة الفرصة أمامه ليكون جزءاً من نجاح مسرح الدُمى في المركز، حيث إننا ننظم بشكل دوري عروضاً مسرحية بمشاركة الأطفال، ونختبر قدراتهم على ابتكار دُمى تناسب النصوص وتخدم الأحداث.

تقدير
وحول أهداف المبادرة، أشارت المعمري إلى أنها تكسب الطفل وعياً مبكراً وتوجه سلوكه الاستهلاكي وتعلمه تقدير الأشياء وإدارة الموارد المتاحة، وقالت: يعد الذهاب إلى متجر الألعاب بمثابة عيد لدى الأطفال، وهذا يعكس المكانة الهامة للدمى في حياتهم، ولكن تعويد الطفل على الحصول المريح والسريع على ما يحتاجه ليس في صالحه، فبعض الأطفال يهملون دُماهم وألعابهم الجاهزة ويستسهلون إتلافها.

تحد
وأضافت: وجد الأطفال أنفسهم خلال المبادرة أمام تحدٍ غير مسبوق، حيث كان عليهم صناعة دُمى من الأوراق والملاعق والأصداف والقبعات والزهور والكرتون والريش الملون وملاقط الغسيل وخيوط الصوف والزجاجات الفارغة والخوص والملابس والجوارب والأزرار والأشجار والأغطية البلاستيكية والفلين والعيدان الخشبية وعلب «الشيبس» الفارغة وغيرها من الخامات، وقد فاق تفاعلهم توقعاتي، حيث لمست ميلهم الكبير نحو العمل اليدوي والقص واللزق والتزيين، إضافة إلى أن منهم من أطلق اسماً مميزاً على دميته، ومنهم من طلب الاحتفاظ بالدمية التي صنعها.

لمسات
وأوضحت المعمري أن المبادرة حفزت الأطفال على الاعتماد على ذواتهم وإبراز لمساتهم الخاصة، وقالت: شعارنا في «الجليلة لثقافة الطفل» (هيا نُبدع)، وكم أتمنى أن يصبح أيضاً شعاراً لكل المنازل، لاسيما وإن إعادة تدوير أبسط الخامات بدلاً من التخلص منها، ينشر البهجة والسرور ويعزز علاقة الطفل بمحيطه الأسري كما يرفع ثقته بنفسه، ومن خلال المتابعة الدقيقة لتطور مستوى الأطفال المشاركين في المبادرة، لاحظت أن تعلقهم النفسي بالدُمى التي قاموا بابتكارها أكبر بكثير من تلك الجاهزة التي قاموا بشرائها.

دُمى «الماريونيت»
حفزت المعمري الأطفال على ابتكار جميع أنواع الدُمى بما فيها دُمى الماريونيت والدُمى القفازية، التي يتم صناعتها من الجوارب، ذلك لقدرتها على محاكاة خيال الطفل ومشاعره وتشجيعه على التعبير عن نفسه وتنمية طاقاته الصوتية.